أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / سؤال المعارض الأميركي غريبر عن الديموقراطية وحركات الاحتجاج

سؤال المعارض الأميركي غريبر عن الديموقراطية وحركات الاحتجاج

على موقع «سوق الناشرين publisher’s Marketplace» وقبل أن ينشر ديفيد غريبر كتابه: «مشروع الديموقراطية» كتب المؤلف الأميركي المعارض، أنه سيضع لدار النشر: راندوم هاوس random house كتاباً يروي فيه حكاية حركة الاحتلالات رابطاً ذلك بقراءة تاريخ حركة الفعل المباشر والديموقراطية التشاركية والتحوّل السياسي ومستقبلها.

يقول مترجم الكتاب أسامة الغزولي (صدرت الترجمة في سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية – 2014): «قد يجد من ينحازون إلى هذا الرأي، ما يستشهدون به على صحته، بالإشارة إلى ما سرده الكتاب في جانبه الأوتوبيوغرافي القوي المعزّز بالمرويّات، عن مسيرة سياسية ثورية، تكشف بجلاء عن تركيب فريد من ناشط سياسي وأستاذ جامعي ومنظر إيديولوجي، أشعلت حماسته حركة العدالة العولمية، بما نظمته من احتجاجات، تندرج تحت عنوان «الفعل المباشر direct-action» المتصلة بحركة العولمة البديلة، التي بدأت مع انتفاضة الزاباتستا في المكسيك، ووصلت ذروتها في الاحتجاجات ضد منظمة التجارة الدولية في سياتل في 1994». (ص 10)

يوحي كتاب ديفيد غريبر لقارئه، بتفتح وعي مؤلفه على فهم جديد لحركة الاحتلالات التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية، وأخطرها الحركة الاحتجاجية المعروفة بحركة «احتلوا وول ستريت» وهي حركة احتجاجية فوضوية بدأت في السابع عشر من أيلول (سبتمبر) 2011 في منطقة المال في نيويورك المعروفة باسم «وول ستريت».

ونحن إذ نتابع مسيرة المؤلف النضالية، نعي أن ديفيد غريبر، ومنذ وقوفه على درج القاعة الفيديرالية في ربيع 2011 لارتجال خطاب أمام الناشطين، فهم أن حركة الاحتلالات، إنما هي جزء من مسيرة طويلة لنضال ديموقراطي وثورة شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وأنه ربما خطر بباله أن يكون الزعيم الملهم على غرار الزعماء الملهمين للثورات الشعبية في العصور الماضية.

ويعرض كتاب «مشروع الديموقراطية» للتساؤلات التي طرحت حول طبيعة حركة الاحتلالات منذ ظهورها وحول مساراتها المحتملة التي ربما تجد نفسها فيها، وحول الكثير من المشكلات التي ربما واجهتها أو ستواجهها في المستقبل. ومن خلال الإجابات الكثيرة التي كان يقوم بها، والتي دوّنها المؤلف في تضاعيف كتابه، تبرز لنا سمات القائد – المعلم، أو هكذا يريد أن يوحي به إلينا، كما تبرز أهمية القيادة التي يتنكر لها فوضوي مثله، يتطلع إلى تنظيم المجتمع على أساس أفقي. وما يؤكد ما نذهب إليه، أننا نراه يشرح بعض المسائل عن طريق الأسئلة الكثيرة والأجوبة الكثيرة، والتي يعرضها تحت عنوان: «قائمة موجزة بأسئلة وأجوبة حول التوافق».

وكتاب «مشروع الديموقراطية» بحلته التي وصلتنا، إنما يغلب عليه «الطابع التعليمي». ونحن نرى فيه ثلاثة موضوعات أساسية، تنتظم كل فصوله المهمة التي يتشكل منها: 1- الذاتية الأوتوبيوغرافية والتي تلونها وتجملها المرويات السردية. 2- الفلسفة التحليلية التي تعمل المرويات على التخفيف من جفافها. 3- الروح الأكاديمية الإنتروبولوجية والتي تؤدي فيها المرويات دور التوضيحات، خصوصاً وقد اختارها غريبر وهو الأستاذ الجامعي في كلية «غولد سميث» اللندنية، كشواهد من بلاد ما بين النهرين (العراق)، إلى بلاد وادي الهندوس (الصين) في الأزمنة الغارقة في القدم. أو تلك الشواهد الأخرى التي استقاها من الإنكليز والفرنسيين والهولنديين وغيرهم من البيض المستعمرين حين أخذوها عن سكان أميركا الأصليين.

يطرح المؤلف موقفه من «التوافق»، كما تروّج لها «حركة الاحتلالات». فلا يجد مثلاً تناقضاً بينها وبين مبدأ المركزية الديموقراطية بل على العكس من ذلك نرى كتابه: «مشروع الديموقراطية» يعنى بتوضيح منطلقات «الفوضوية». فهو يقارن بين أسلوب الماركسيين اللينينيين في التجمعات اليسارية الأميركية في ستينات القرن المنصرم، وبين الأسلوب الذي تدعو إليه «الحركة الفوضوية» التي كما يقول تعلمت من «الصاحبيين Quakers» ومن الحركة النسوية، أهمية التواصل والاحترام المتبادل كأخوة في العقيدة ذاتها ولو برأي مخالف.

ثورية ديفيد غريبر لم تعد به للحلم بعصر ذهبي كما يصوره المجتمع المشاعي القويم عند كارل ماركس وأنغلز، ولا في المدن المساواتية في بلاد ما بين النهرين ووادي الهندوس، وإنما في العودة إلى الفقرة الممتدة من بداية ولاية الرئيس أيزنهاور الأولى 1953 وحتى سقوط ريتشارد نيكسون عام 1974. إذ في تلك الفترة وجد المؤلف نفسه يعيش في كنف والدين منخرطين في النضالات الأممية للطبقة العاملة، فأخذ يتحدث عن فائض القيمة أو عن اغتراب العامل المنتج في عالم رأسمالي مستقل، وإن خمسين في المئة من طالبات الجامعة اضطررن إلى تقديم «خدمات جنسية» لتحصيل مبالغ تمكنهم من مواصلة التعلم. وعن طلاب لا يستطيعون متابعة تعلمهم.

وفي رأي المؤلف إن مشكلة الولايات المتحدة إنما تكمن في تحولها من رأسمالية منتجة إلى رأسمالية مستغلة فهي تستغل موقعها المتميز في النظام التمويلي العالمي. تفرضه بقوة عسكرية هائلة، فقط لتدير شؤون العالم لمصلحة واحد بالمئة من سكانها، على حساب 99 في المئة من سكان الولايات المتحدة الأميركية وعلى حساب بلايين من المهمّشين والمحرومين في العالم.

ولعل سخط ديفيد غريبر، خصوصاً في كتابه «مشروع الديموقراطية»، إنما يبلغ مداه على «وول ستريت» باعتباره قلعة السياسات التمويلية العالمية. غير أن هذا السخط غير مقرون بأي نوع من أنواع العنف المهددة للأرواح أو بأي اعتداءات على الملكيات، يتجاوز تحطيم واجهات قلة من المحال التجارية أو رشها بالألوان وإنما تكون بأعمال رمزية هدفها تغيير المفاهيم العامة على النحو الذي يدعو إليه وولستاين، وليس الماركسية/ اللينينية.

وربما كانت قراءة كتاب غريبر ضرورة ثقافية لفهم علاقة حركات الربيع العربي بالحركة الفوضوية العالمية المناهضة للدولة الوطنية، والنتائج التي تترتب عنها عندما تتحول إلى مواجهات في الشارع بين حركات سياسية في عواصم العالم الكبرى، وفي بلدان لا تملك مجتمعاتها مقوّمات التماسك والمرونة، بل تقع في الخانة التي تصنّف فيها الدول الفاشلة.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*