أهم الأخبار
الرئيسية / أهم الأخبار / لماذا لا تنجح احتجاجات الشوارع غير العــربية؟

لماذا لا تنجح احتجاجات الشوارع غير العــربية؟

لطالما سجلنا تمايز هذه الحركة عن حركات الربيع العربي رغم اعلانات المشاركين فيها عن تأثرهم بالحراكات العربية وميل المراقبين للربط بينهما. واليوم دراسة شاملة للحركات غير العربية ولا جدواها بوصولها الى الطرق المسدودة بسبب فقدان التوجه السياسي وتنافر دوافع المشاركين فيها. فقدان التوجه هذا هو المشترك الوحيد مع الربيع العربي. ذلك ان هذه التحركات الاجتماعية جاءت عقب الأزمة المالية العالمية وانطلقت من بلدان غنية لتنتقل بالعدوى الى الدول الافقر التي عجزت عن ايجاد ما يبقي مواطنيها عند خطوط الفقر فنزلوا تحتها.

اما لماذا كانت للثورات العربية فعالية سياسية فهو السؤال المفصلي حيث التدخل الخارجي المفضوح في ثورة الارز اللبنانية قبل الازمة الاقتصادية تكرر بصور مختلفة في بلدان الربيع العربي لتعطي نتنائج سياسية فوضوية ساهمت في نسف ما تبقى من استقرار في هذه الدول…

واليكم الدراسة:

تتأجج احتجاجات الشوارع في كل مكان. من بانكوك إلى كراكاس، ومن مدريد إلى موسكو، لا يمضي أسبوع هذه الأيام من دون ظهور أخبار عن أن حشداً جماهيرياً قد رص صفوفه في الشوارع في واحدة أو أخرى من كبريات مدن العالم. وتتفاوت المسوغات وراء الاحتجاجات (نقل عام رديء أو مكلف جداً، خطة لتجريف متنزه عام، وسوء معاملة من الشرطة… إلخ). وغالباً ما تتمدد المعاناة على وجه السرعة لتشمل التشهير بالحكومة أو رئيسها، أو الأكثر عمومية: شجب الفساد وعدم المساواة الاقتصادية.

تظهر الصور الملتقطة من الجو للمسيرات المعادية للحكومة بحراً مخيفاً من الناس المطالبين بغضب بالتغيير. ومع ذلك، فإن ما يثير الاستغراب هو النزر اليسير الذي تحققه هذه الحشود. وكثيراً ما تكون الطاقة السياسية المحمومة على الأرض غير متكافئة إلى حد كبير مع النتائج العملية التي تحققها هذه التظاهرات.

بطبيعة الحال، هناك استثناءات جديرة بالملاحظة: ففي مصر وتونس وأوكرانيا أسهمت احتجاجات الشوارع فعلياً في الإطاحة بالحكومة. لكن معظم الحشود الجماهيرية تفشل في خلق تغييرات كبيرة في الأنظمة السياسية أو في السياسات العامة. وتقف حركة “احتلوا وول ستريت” لتكون مثالاً كبيراً على ذلك. وكانت حركة “احتلوا” التي ولدت في صيف العام 2011 (ليس في وول ستريت، وإنما في منطقة داتاران ميرديكا في كوالالمبور) قد انتشرت بسرعة وبدأ صوتها يهدر في المناطق المركزية في 2600 مدينة حول العالم تقريباً.

المشكلة هي ما يحدث بعد المسيرات

تجدر الإشارة إلى أن المجموعات المختلطة التي شاركت في هذه التظاهرات لا تتوافر على أي انتماء أو ترابط مع بعضها بعضا، وليس لديها أي تسلسل قيادي ولا قادة بارزين. لكن شبكات التواصل الاجتماعي ساعدت في تكرار الحركة بشكل فيروسي بحيث كانت الأنماط الأساسية من التخييم والاحتجاج وجمع الأموال والاتصال مع وسائل الإعلام والتفاعل مع السلطات متشابهة من مكان إلى آخر. وقد ترددت أصداء نفس الرسالة في كل مكان: من غير المقبول أن تتركز الثروة الكونية في أيدي نخبة 1 % بينما يتم شطب نسبة 99 % المتبقية.

كان لا بد لهذه المبادرة العالمية التي بدت كبيرة ومنظمة جيداً أن يكون لها تأثير أكبر. لكنها لم تفعل. غير أن موضوع عدم المساواة الاقتصادية كسب زخماً في الأعوام التي تلت، ومن الصعب عملياً إيجاد تغييرات ذات دلالة في السياسة العامة تكون مستندة إلى اقتراحات “احتلوا”. وبشكل عام، اختفت حركة “احتلوا” حالياً من العناوين الرئيسية.

في الحقيقة، عادة ما ترقى ردود فعل الحكومة إلى ما هو أكثر قليلاً من الاسترضاء الخطابي، من دون إجراء أي إصلاحات سياسية رئيسية بالتأكيد. وعلى سبيل المثال، أقرت رئيسة البرازيل، ديلما روسيف، علناً أسباب الحنق لدى أولئك الذين نزلوا إلى الشوارع في بلدها، ووعدت بأن تجري تغييرات، لكن تلك “التغييرات” لم تتجسد على أرض الواقع. وكان رد فعل رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، على الاحتجاجات في بلده أكثر عدوانية. فاتهم المعارضة والمحتجين بالتخطيط لمؤامرة متطورة ضده، وحاول حظر موقعي التواصل الاجتماعي “تويتر” و”يوتيوب”. وفي وقت سابق من هذا الشهر، حقق أردوغان نصراً ضخماً في الانتخابات المحلية في تركيا. وقد طبقت نفس هذه الدينامية خلال المظاهرات ضد العنف في مكسيكو سيتي وضد الفساد في نيودلهي: مسيرات جماهيرية، ونتائج قليلة.

لماذا؟ كيف يمكن للعديد من الناس المدفوعين بشكل متطرف إنجاز هذا الحجم الضئيل؟ أحد الأجوبة قد يوجد في تجربة أجراها انديرس كولدينغ-يورغنسين من جامعة كوبنهاغن. ففي العام 2009، قام بإنشاء مجموعة “فيسبوك” للاحتجاج على ردم نافورة ستورك التاريخية الواقعة في حي رئيسي من العاصمة الدنماركية. وقد اجتمع عشرة الآف شخص في الأسبوع الأول، وبعد أسبوعين كان عدد أعضاء المجموعة حوالي 27.000 عضو. وكان ذلك هو مدى التجربة. لم تكن ثمة خطة أبداً لردم النافورة –لكن كولدينغ يورغنسن أراد أن يظهر ببساطة مدى سهولة خلق مجموعة كبيرة نسبياً من خلال استخدام شبكات التواصل الاجتماعي.

في عالم اليوم، من المؤكد أن يستقطب قبول الاحتجاج عبر تويتر أو الفيسبوك أو الرسالة النصية جمهوراً، وخاصة إذا كان الاحتجاج ضد شيء ما -أي شيء حقيقي- يثير حفيظتنا. وتكون المشكلة في ما يحدث بعد المسيرة. فتجدها أحياناً تنتهي إلى مواجهة عنيفة مع الشرطة، والأكثر احتمالاً أنها تنتهي إلى الفشل. ونادراً ما لا يكون وراء مظاهرات الشوارع الضخمة تنظيم يتوافر على زخم جيد واستدامة، والذي يكون قادراً على متابعة مطالب المحتجين والقيام بالعمل السياسي المعقد وجهاً لوجه بحيث يفرز تغييراً فعلياً في الحكومة. هذه هي النقطة المهمة التي بينتها زينب توفكجي، الزميلة في مركز سياسة تكنولوجيا المعلومات في جامعة برينستون، والتي تقول: “قبل الإنترنت، ساعد العمل المتعب في التنظيم الذي كان مطلوباً للالتفاف على الرقابة أو لتنظيم احتجاج أيضاً في إنشاء بنية تحتية لصنع القرار ووضع استراتيجيات لإدامة الزخم. الآن، أصبح بوسع الحركات أن تندفع متجاوزة تلك الخطة، وغالباً لما يعيق تقدمها”.

ثمة محرك سياسي مفعم بالقوة يجري في الشوارع في العديد من المدن. وتراه يسير بسرعة عالية وينتج الكثير من الطاقة السياسية. لكن المحرك غير مثبت على إطارات، ولذلك لا تتحرك “الحركة”. ويتطلب إنجاز تلك الحركة تنظيمات تكون قادرة على العمل السياسي القديم والمستدام الذي يستطيع تحويل مظاهرات الشارع إلى تغيير سياسي وإصلاحات في السياسة.

في معظم الحالات، يعني ذلك أحزاباً سياسية. لكنه لا يعني بالضرورة أحزابا موجودة لا يثق بها المتظاهرون والتي تكون وكلاء التغيير. وبدلاً من ذلك، وكما كتبت في مكان آخر، نحتاج إلى أحزاب جديدة أو تم إصلاحها على نحو معمق، والتي تستطيع تفعيل المثاليين الذين يحسون بأنهم سياسياً بلا وطن، والحرفيين المكرسين كلياً للطاحونة اليومية لبناء تنظيم سياسي يعرف كيف يحول الطاقة السياسية إلى سياسات عامة.

كما لاحظ العديدون، يستطيع الإعلام المجتمعي تسهيل أو تقويض المعلومات الخاصة بالأحزاب السياسية الأكثر فعالية. ونحن معتادون على قوة الإعلام المجتمعي لتعريف وتوظيف وتجنيد وتنسيق المؤيدين بالإضافة إلى جمع التبرعات. لكننا نعرف أيضاً أن النقر على أيقونات الحاسوب أو عدمه تقوضان أيضاً العمل السياسي الفعلي عبر خلق سراب الإحساس الجيد بحيث أن نقر “إعجاب” على صفحة الفيسبوك أو التغريد برسائل ملتهبة من لوحة حاسوب المرء أو من هاتفه الذكي هي معادل للنشاط الذي يحدث التغيير.

ما شاهدناه في الأعوام الأخيرة هو استقطاب مسيرات الشارع من دون خطة لما سيحدث تالياً، ولكيفية جعل المحتجين منخرطين وموحدين في العملية السياسية. إنه مجرد التجسيد الأحدث للسراب الخطير المتمثل في أنه يمكن الحصول على الديمقراطية من دون أحزاب سياسية، وأن احتجاجات الشارع المستندة أكثر إلى الإعلام المجتمعي منه إلى التنظيم السياسي المستدام هي الطريقة لتغيير المجتمع.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*