أهم الأخبار
الرئيسية / مصطلحات استراتيجية / التفريق بين الجغرافيا السياسية والجيوسياسية

التفريق بين الجغرافيا السياسية والجيوسياسية

مما تقدم تمكن ملاحظة وجود فوارق بنيوية بين مفهومي الجغرافيا السياسية والجيوسياسية مع ملاحظة وقوع بعض الوضعيات الجعرافية والسياسية ضمن الزاوية الميتة حيث تنتمي بعض الاوضاع الى حالة بينيـة يمكن تفسيرها وفق المفهومين معاً ولكن دون تطابق التفسيرين. وهذه الأوضاع هي سبب الخلط بين المفهومين وهي الاكثر عصياناً على التفريق.

مهما يكن فان مفهوم الجغرافيا السياسية يتعلق بتأثير الجغرافيا على السياسة بينما يتعلق مفهوم الجيوسياسية بتأثير السياسة على الجغرافيا. حيث يغلب الثبات والرتابة ،أو ما يسمى بالاستاتيكا، على مفهوم الجغرافيا السياسية. فيما يطغى على الجيوسياسية طابع الحراك والتغيير، أو ما يسمى بالديناميكا.

التداخل بين الجيوسياسية وعلم المستقبليات

مما تقدم تبرز اولى معالم ومعايير التفريق بين المفهومين حيث الطايع الدينامي البنيوي للجيوسياسية يعطيها دوراً رئيساً في محاولات استقراء المستقبل السياسي ما يجعل من الجيوسياسية في قلب علم المستقبليات الناشيء. حيث لا يمكن للدراسات المستقبلية ان تتصف بالموضوعية ان هي تجاهلت الجيوسياسية ومتغيراتها المحتملة. بل ان العديد من الامثلة يشير لامكانية تغيير المستقبل عن طريق استيعاب الجيوسياسية واللعب على احتمالات توجهاتها المستقبلية.

ولعل المثال الاكثر فظاظة على هذا التداخل يتمثل بالجراحات الجغرافية الوحشية التي اجرتها معاهدة سلام الحرب الكونية الاولى والمعروفة بمعاهدة فرساي. التي تكشفت عن تغييرات صاعقة في الخارطة السياسية الاوروبية. وهي اعتمدت على رؤية مستقبلية لمصالح الدول المنتصرة في تلك الحرب. وقصور هذه الرؤية المستقبلية بسبب اقتصارها على المصالح كان سبباً في تفجير قائمة من النزاعات والحروب بما فيها الحرب العالمية الثانية. حيث لا يمكن للرؤية المستقبلية الوقوف على قدم واحدة ،هي المصالح في حالة فرساي، وتجاهل الديناميات الاخرى المؤثرة في المستقبل.

في حالة معاهدة فرساي نجد ان الانثروبولوجيا هي الحاضن الرئيسي للعوامل المكملة للرؤى المستقبلية. حيث كمنت عوامل انثروبولوجية خلف كل الأزمات والحروب التي افرزتها معاهدة فرساي. وبالمناسبة فان مشروع المحافظين الجدد في اميركا المعنون بـ “مشروع تغيير الخارطة العربية” يتجاهل الانثروبولوجيا وكأنها لا توجد. وهو تجاهل يكرر تجاهل الانثروبولوجيا في كافة مخططات ومشاريع المحافظين الجدد بما فيها حروب ادارة بوش في الشرق الاوسط الموزعة بين احتلال افغانستان والعراق وبين شن الهجمات العسكرية على جيرانهما مثل باكستان وسوريا. مروراً بالتغيير القسري تحت التلويح بالتهديد العسكري كما حدث في لبنان وخلق حالة من التهديد العسكري المستمر كما في الحالة الايرانية.

هذا وتعود الفوضى الجيوبوليتيكية الراهنة في الشرق الاوسط برأينا الى اهمال ادارة بوش بصقورها ومحافظيها للانثروبولوجيا. حيث تهديد ايران دعم طموحاتها التسلحية لغاية الشك بنوويتها العسكرية وهو ما ترجمته دول الجوار الايراني بانه تهديد للمعادلات العسكرية في المنطقة فيما تعتبره ايران حقها المشروع في الدفاع عن النفس ضد عدو مهدد من خارج المنطقة. وهو ما استدعى إثارة الاصطفافات العربية – الفارسية والسنية – الشيعية وهي إثارة فجرت كل التناقضات الانثروبولوجية في المنطقة بما بشرع الحديث عن بلقنة كامل منطقة الشرق الاوسط وليس فقط بعض المحطات فيها.

وبقدر رفضنا لنظريات المؤامرة في هذا المجال نرفض معها نظرية الاستراتيجيات الاميركية الذكية اذ ان تفجر هذه العوامل الانثروبولوجية سوف يشكل اخطارا حقيقية على الامدادات النفطية الشرق اوسطية بما لا يمكن للاقتصاد الاميركي المتعثر تحمل نتائجه. عداك عن كون هذه العوامل داعمة لتجدد نظرية الارهاب وفق منطلقات اكثر شعبية من منطلقات تنظيم القاعـدة.

الزاوية الميتة بين الجغرافيا السياسية والجيوسياسية

لعل مشروع شق قنـاة السويس يقدم لنا المثال الاوضح على التداخل بين الجغرافيا السياسية والجيوسياسية. حيث انطلقت فكرة المشروع من منطلق ينتمي الى الجغرافيا السياسية بامتياز دون اي التفات الى الاهمية الجيوبوليتيكية للقنـاة. بل ان بعض المصادر تنفي انتماء مشروع الفناة الى أي من المفهومين مدرجة اياه في اطار الرغبة الخديوية ببناء اهرامات من نوع معاصر. وهو طرح تدعمه التكاليف الهائلة للمشروع بالمقارنة مع وضع الاقتصاد الخديوي المعاني من المديونية في حينه.

لقد كان لاكتشاف النفط في الخليج العربي أثره في تحويل الخليج الى منطقة استراتيجية وهو الذي اضاف الى قناة السويس صفة استراتيجية لم تكن اتحصل عليها لولا اكتشاف النفط الخليجي. ولو حدث وطرحت الحاجة للقناة على اساس تجاري تبادلي بحت لكان شقها مرتبطاً بدراسات الجدوى التجارية للمشروع بعيداً عن المنطلقات الاستراتيجية والسياسية.

بهذا يمكن اعتبار مشروع القناة يوم تنفيذه مشروعاً خال من الآفاق المستقبلية ومن الديناميكا السياسية. اذ جاءت هذه المعطيات مكتسبة ،بعد عقود على تنفيذ المشروع، عبر استراتيجية النفط.

هذا المثال يبين لنا امكانية تراوح المشروع بين النرجسية الاوتوقراطية والجغرافيا السياسية الممزوجة بقرار سياسي يفتقد للمبررات التي يمكنها ادراجه في خانة الجيوبوليتيك ليصل في النهاية الى منفذ استراتيجي يشارك في التوجهات الجيوبوليتكية لكامل المنطقة بل وللعالم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*