فضيحة هاليبرتون ( تشيني)
عندما ذهب الرئيس بوش إلى وول ستريت ليوبّخ كبار التنفيذيين حول مسؤولية شركاتهم، لم يرافقه نائبه ديك تشيني الذي عمل مديراً تنفيذياً في الماضي. وعندما اجتمع بوش في البيت الأبيض مع فريق العمل الجديد "الفريق العنيف" التابع لوزارة العدل والمختص بمكافحة الجرائم المالية في الشركات الكبرى، كان تشيني يحضر اجتماعاً لمجلس الأمن القومي حسب أقوال مساعديه. وأعلنت محطات التلفزيون أن اثنين من الوزراء وكان كل منهما مديراً تنفيذياً في الماضي- وهما بول أونيل وزير الخزانة، ودون إيفانز وزير التجارة- سيظهران على شاشات التلفزيون للإجابة عن أسئلة تقدم لهما بعد خطاب بوش، وكانا في طريقهما للقيام بذلك يوم الأحد لتأييد برنامج الرئيس.
أما تعليقات تشيني الوحيدة حول الحاجة إلى رقابة أكثر تشدّداً على الشركات والأعمال التجارية فقد جاءت أثناء حملات لجميع الأموال للحزب الجمهوري.
ويقول مساعدو تشيني إن الأمور تسير سيراً عادياً، وإن نائب الرئيس في العادة لا يقوم بدور كهذا في العلن. ولكن غيابه عن الحوار والجدل حول تصرفات الشركات الكبرى وسوء تصرف رؤسائها التنفيذيين، كان غياباً مثيراً. وعلى أية حال، فإن تشيني يعتبر مؤهلاً للتحدث في أمور كهذه. فقد كان رئيساً تنفيذياً لشركة "هاليبرتون"، شركة الخدمات النفطية العملاقة، على مدى خمس سنوات. وأثناء حملة الانتخابات الرئاسية وصف تشيني ذلك بأنه مصدر قوة للمرشّحين الجمهوريين، هو وجورج بوش- أحدهما كان رئيساً تنفيذياً لشركة كبرى- تشيني نفسه، وجورج بوش الذي يحمل شهادة ماجستير في إدارة الأعمال- وقال تشيني في ولاية أوريغون، في مؤتمر صحافي خلال الحملة الانتخابية : "إن هاليبرتون قصة نجاح باهر بأي مقياس أردت قياسها".
أما اليوم، فإن تاريخه في هاليبرتون لا يبدو مادة للتبجّح، وقد يفسر ذلك عدم ظهوره أخيراً. إن هاليبرتون موضع تحقيق تقوم به هيئة الأوراق المالية والسندات حول إدارة حساباتها أثناء رئاسة تشيني لها. وقد انخفضت قيمة أسهمها بنسبة 75 بالمائة منذ أن غادرها تشيني لخوض معركة الرئاسة نائباً للرئيس- وتعتبر نسبة تدهور أسهمها ضعف نسبة التدهور العام في سوق الأسهم خلال تلك الفترة- ويعود ذلك إلى حد كبير إلى النتائج السلبية لعملية استيلاء على شركة أخرى قادها عام 1998. إن الفترة التي قضاها تشيني رئيساً تنفيذياً لهاليبرتون تثير بعض التساؤلات والقضايا التي أغضبت المستثمرين في شركات أمثال "غلوبال كروسنغ" و "إنرون" : وكان الحيتان في تلك الشركات يجمعون الملايين من مبيعات الأسهم بينما يقضون على استثمارات الموظفين وصغار حملة الأسهم. فما هو رد تشيني؟ لقد جاء ردّه على لسان ماري ماتالين، كبيرة مساعديه السياسيين، بقولها : "نحن لا نبحث أمور هاليبرتون، رأيه هو أن بحثها سيحول اهتمامه عمّا يحاول القيام به هنا". وكان مكتب تشيني يحول بعض الأسئلة إلى هاليبرتون التي لا ترحب بهذا الاهتمام. وتقول وندي هول المتحدثة باسم هاليبرتون : "سيأتي اليوم الذي يتوجّب فيه على تشيني أن يتحدث عن تلك القضايا المحاسبيّة في هاليبرتون".
وقد لا يكون لدى تشيني خيار، فقد تطلب منه هيئة الأوراق المالية والسندات تقديم إفادة في قضية إدارة الحسابات، ومنها كيف قامت هاليبرتون بتسجيل دخول وأرباح من مشاريع محدّدة لأسعار زادت تكاليفها عن الحد. وكانت هاليبرتون تعتبر دفع التكاليف الزائدة عن الحد دخلاً وأرباحاً أثناء القيام بالمشاريع، بدلاً من الانتظار لحين إتمام المشروع. ويقول المنتقدون إن الشركة غيّرت أسلوب إدارة حساباتها في تعاقدات كهذه عام 1998، بشكل زاد من دخلها وأرباحها إلى حد كبير.
ولكن المدير التنفيذي لهاليبرتون، ديفيد ليسار، وفي أول مقابلة مطوّلة له حول فترة رئاسة تشيني للشركة، دافع عن طريقة إدارة الحسابات في الشركة وقال إن تشيني كان على علم بأن الشركة كانت تعتبر مدفوعات التكلفة الزائدة عن الحد دخلاً. وقال ليسار لنيوزويك، "كان نائب الرئيس على علم بمن هم مدينون لنا، وقد ساعدنا في تحصيل تلك الأموال". وتقول الشركة إنها كانت تقوم بذلك دوماً، ولكن تلك المبالغ لم تكن كبيرة قبل نهاية عام 1998. ويقول ليسار :"إننا نتمسّك بهذه الطريقة في عمل الحسابات". ويقول دوغ فوشي، المسؤول المالي في هاليبرتون، إن هيئة الأوراق المالية والسندات تحقق فيما إذا كانت الشركة قد أدخلت تلك البنود في حساباتها بالطريقة الصحيحة أم لا، وإذا كنت قد أعلنت ذلك بالطريقة المناسبة، ويقول إن الإعلان تمثل في تغيير بعض الحواشي في التقارير المالية من عام إلى آخر. إلاّ أن قلّة من خارج الشركة استطاعوا ملاحظة ذلك. ومن المستحيل الآن توقّع ما الذي ستقرره هيئة الأوراق المالية والسندات حيث إنها ترفض التعليق على الأمر. وقد قام تشيني كرئيس تنفيذي لشركة هاليبرتون بالتوقيع على التقارير المالية لعامي 1998 و 1999 ولذا فقد يجد نفسه مضطراً إلى الظهور أمام هيئة الأوراق المالية والسندات يوماً. (ويقول موظّفو مكتبه إن الهيئة لم تتصل به).
إن سابقة قضيّة بولا جونز – كما تتذكرون، وحكم المحكمة العليا بأن الرئيس لا يتمتّع بحصانة ضد قضايا مدنية – قد تجبر تشيني على التحدث أيضاً. ويجد تشيني نفسه اليوم مدّعى عليه في قضية رفعتها مجموعة مراقبة العدالة والتي تزعم فيها أن حسابات هاليبرتون قد خدعت المستثمرين، وكانت مراقبة العدالة قد رفعت أكثر من 100 قضية ضد إدارة كلينتون، ولكنها الآن تلاحق البوشيين. ويقول رئيس تلك المجموعة، لاري كلايمان، إنه يريد مساءلة تشيني تحت القسم، ويضيف : "نريد أن نتحدث إليه أولاً : فقد كان الرئيس التنفيذي للشركة". وقد يضطر تشيني أيضاً إلى الإدلاء بإفادات حول مشكلات هاليبرتون في استخدام مادة الأسبستوس (معدن الحرير الصخري).
إن عمل تشيني في هاليبرتون يقدم مثالاً واضحاً على إثراء رؤساء الشركات في الوقت الذي يخسر فيه حملة الأسهم أموالهم. فقد كان تشيني يحصل على ما يقرب من مليوني دولار سنوياً كراتب وعلاوات أخرى. ولكنه كغيره من الرؤساء التنفيذيين للشركات، جمع الأموال الطائلة من الأسهم. ووفقاً لإحصاء قامت به نيوزويك بناءً على وثائق هاليبرتون ومعلومات أخرى من مجموعة تومسون ويلث ماناجمنت، فإن تشيني قد جمع 45 مليون دولار في أقل من خمس سنوات، وكان ما يقرب من ثلثي ما حصل عليه، 18.5 مليون دولار من أرباح الأسهم ونحو 10 ملايين دولار من مبيعات الأسهم حصل عليها في أغسطس 2000، بعد استقالته من هاليبرتون. وعندما خرج تشيني من الشركة في 16 أغسطس 2000 كانت قيمة السهم فيها 54.02 دولار. وقد وصلت قيمة السهم فيها يوم الجمعة الماضي 13.52 دولار. وحسب تلك الأسعار لم يكن تشيني ليحصل إلاّ على مبلغ 2.5 مليون دولار. إن بيعه لأسهمه عندما قام بذلك، تجنباً لاتهامات بتضارب المصلحة، قد زاد ثروته عمّا كان يمكن أن تكون عليه اليوم بمبلغ 26 مليون دولار. وفي الوقت نفسه رأى المستثمرون قيمة أسهمهم تنحدر.
لقد كانت بداية عمل تشيني مع هاليبرتون واعدة. فقد كان وزير الدفاع السابق الذي أشرف على حرب الخليج، عندما عيّنته الشركة عام 1995، سيستخدم علاقاته بالأمراء والملوك ووزراء النفط للمساعدة في تحويل هاليبرتون من شركة متوسّطة الحجم إلى شركة عملاقة متعدّدة الجنسيات. وقد قام بذلك.
وقد كان ليسار، وهو أحد كبار المعجبين بتشيني، مطلعاً على رحلات الرئيس التنفيذي حول العالم، ويقول ليسار : "لم يقم تشيني أبداً بالدفع بعقد محدّد أو بإتمام صفقة، كان يفتح الأبواب".
ولكن الباب الأكثر خطراً الذي فتحه تشيني : كان ذلك الذي أدى إلى أن تستولي هاليبرتون على شركة دريسر إندستريز في مدينة دالاس بولاية تكساس، وقد كانت أعمال هاتين الشركتين متكاملة، وعملاً بتقاريرهما التي تم تقديمها إلى هيئة الأوراق المالية والسندات، فقد كانتا تبحثان توحيد قواهما منذ مطلع عام 1994. إن تشيني البارع في التقرّب إلى الرجال، كان يقضي أوقاتاً ممتعة مع رئيس شركة دريسر في صيد السمان في تكساس، وكانت جهوده مكملة لإتمام الاتفاق بين الشركتين.
وقبل توحيد الشركتين، لم تكن هاليبرتون معرّضة كثراً للأضرار من قضايا يتم رفعها ضدها في موضوع استخدام مادة الأسبستوس، ولكن علاقتها بدريسر عرّضت هاليبرتون لمشكلات هائلة في استخدام الأسبستوس كانت دريسر تعتقد أنها قد تخلّصت عام 1992، وكان ذلك عندما جعلت من شركة "هاريسون ووكر" التي كانت تعمل بالأسبستوس شركة مستقلة، وكان ذلك جزءاً من تأسيس شركة جديدة هي "إندريسكو". ويعلم الجميع أن إندريسكو (وقد سميت لاحقاً غلوبال إندرستريز تكنولوجيز) لم تستطع أو لم تكن راغبة في التوصل إلى اتفاق مع المدعين عليها في قضايا استخدام الأسبستوس، وقد أصبحت تلك القضايا من مشكلات دريسر. ولكن فرص النجاح كانت بعيدة. ويقول الرئيس السابق لدريسر دونالد فوهن :"كانت مشكلة قديمة، وكنا نعتقد أننا قد سيطرنا عليها".
ولم يكن الأمر كذلك، فقد كانت فلوبال إندستريز تعاني مشكلات تجارية وقضايا الأسبستوس عندما استولت هاليبرتون على دريسر. وقد حاولت في يونيو 2001 إزاحة مشكلات هاريسون ووكر عن كاهلها وإحالتها على هاليبرتون – وكان ذلك قبل أقل من عام من خروج تشيني – وقد قامت بإعلان إفلاسها في فبراير الماضي. واختارت هاليبرتون التي خسرت بعض قضايا الأسبستوس الاستمرار في متابعة القضايا في المحاكم بدل التوصل إلى تسوية، وهي تحاول اليوم الإبقاء على قضايا الأسبستوس محصورة في هاريسون ووكر، وتحاول اليوم التوصل إلى تسوية دائمة مع المدّعين الحاليين والمحتملين في قضايا الأسبستوس عملاً بمادة خاصة في قانون الإفلاس من دون أن تضطر إلى إعلان إفلاسها.
ويقول مؤيدو تشيني وبعض الخبراء الصناعيين إنه لا لوم عليه في قضايا الأسبستوس التي انفجرت بعد أن قامت هاليبرتون بشراء دريسر، ولكن ليس من الواضح، كم أنفقت هاليبرتون من الوقت في دراسة قضايا الأسبستوس عدا عن تحدثها في الأمر مع دريسر. ولن تناقش هاليبرتون مدى تحقيقها في ذلك التهديد المحتمل، ويقول ليسار :"لا فائدة من محاولة النظر إلى الخلف". ويقول خبراء الأسبستوس وخبراء قضايا الإفلاس إن هاليبرتون قد أخطأت. وتقول إليزابت وارين، وهي أستاذة في قوانين الإفلاس في كلية الحقوق بجامعة هارفارد :"ما من أحد لديه ذرّة من الفهم يقوم عام 1998 بشراء شركة تعاني مشكلات الأسبستوس". ورغم ذلك، فإن شركات عديدة أخرى قد تعرّضت لمشكلات الأسبستوس منذ أن تعرضت لها هاليبرتون. فقد اشترت "داو" شركة "يونيون كاربايد" ومعها مشكلة كبيرة في الأسبستوس عام 1999، ودخلت "فياكوم" في مشكلة محتملة عام 2000 عندما قامت بشراء سي بي أس، التي كانت قبلاً جزءاً من شركة "وستنغهاوس". وقامت شركة نمساوية هي "أر أتش آي أيه جي" بشراء الشركة المالكة لهاريسون ووكر نهاية عام 1999، وقد كلفتها تلك الغلطة 500 مليون دولار.
إن قواعد العمل في التجارة تختلف عنها في السياسة، فالأساليب المتبعة في واشنطن هي أن تقوم بلوم الآخرين، وهي وصفة يجري العمل بها في مشكلات السوق. وفي التجارة، يجني رئيس الشركة التنفيذي أموالاً طائلة ولديه مسؤوليات كبيرة. فإذا نجحت صفقاته، فهو عبقري، وإذا فشلت، فهو فاشل. إن المماطلة لن تغير من تلك القاعدة. حتى لو كنت نائب رئيس الولايات المتحدة.