|
|
|
الحزام الأوراسي في الإستراتيجية الأميركية لا يمكن لشخص مثل جورج ووكر بوش ان يفسر حادثة الطائرة الصينية على انها مجرد نقلة من النقلات في رقعة الشطرنج الكبرى (تسمية بريجنسكي لمنطقة الحزام الاوراسي). في حين تمكن سلفه كلينتون من تسخير مرونته للاصرار على ان ضرب السفارة الصينية في بلغراد كان خطأً!. وهذه المقارنة تلخص اتجاه التحول في السياسة الاميركية بين عهدين. فاذا ما تابعنا المقارنة وجدنا ان حادثة السفارة اكثر خطورة من حادثة الطائرة. اذ ادت الأولى لوقوع ضحايا بشرية وانتهكت اعرافاً دبلوماسية خلال حرب غير معلنة. حيث عدم الاعلان ينفي حجة الخطأ العسكري. كما شكلت حادثة السفارة مساساً للكرامة الصينية وللمشاعر القومية. في حين حصلت حادثة الطائرة في الاجواء الدولية وبخسارة الطيار الصيني فقط ودون استفزازات معنوية. اما عن تهمة التجسس فهي مسكوت عنها. لأن الصين تعرف والعالم ان الاقمار الصناعية الاميركية تتجسس على الاعداء والاصدقاء معاً... للمزيد |
|
|
بوش يتحدى الصين كان المشروع الإنتخابي لجورج ووكر بوش مؤشراً على ضرورة تصادمه مع الصين. فصحيح أن هذه الأخيرة لم تهتم في تاريخها بما وراء البحار ،وباي نوع من السيطرة القطبية العالمية، لكنها كانت وعبر تاريخها المديد شديدة الحساسية على ما يجري على تخومها. ومع ذلك كانت التقارير الأميركية تشير الى تغييرات جذرية في الرؤية السياسية الصينية. وخصوصاً لجهة إدراك الصين لحاجتها الى علاقات متوازنة لإكمال مسيرتها التنموية بسلام. وبما أن هذه المسيرة مرتبطة بتسهيلات أميركية ( مثل تمتع الصين بوضعية الدولة الأولى بالرعاية في أميركا وحجم الصادرات الصينية الى أميركا إضافة للتبادل التكنولوجي بين البلدين...الخ). فقد رأى كتاب تلك التقارير أن الصين ستكون لسنوات عاجزة عن إغضاب الولايات المتحدة ومعارضة سياستها الخارجية. وأن على اميركا إستغلال هذه الفترة لتمرير مشاريعها في الشرق الأقصى خصوصاً. وهذا يعني بلغة المحافظين الجدد " الفرصة الأميركية الأخيرة لإحتواء الصين ". بما يستدعي الإنقلاب على سياسات كلينتون المتساهلة والإنسحابية في الشرق الأقصى. بناءً على هذه الرؤية كانت تحديات بوش التكرارية للحساسيات الصينية. وذلك على عكس سابقه كلينتون الذي اجتمع بالرئيس السابق نيكسون سائلاً إياه النصيحة في موضوع الصين. فقد كان نيكسون خبيراً متعمقاً بالشؤون الصينية. في حين تجاهل بوش كل كتابات وتحذيرات وتوجيهات نيكسون بالنسبة للعلاقة الصينية الأميركية. بل هو تصرف بصورة معاكسة لها تماماً. ذلك أن بوش وفريقه رأوا في انسحاب كلينتون من القواعد الفيليبينية إضعافاً للنفوذ الأميركي في المنطقة. بل وتشجيعاً لتمرد بقية الدول التي تستضيف قواعد أميركية. وتدليلاً على ذلك فقد أعلنت الصحافة الكورية الجنوبية أن تقديم التنازلات لجارتها الشمالية أيسر وأقل كلفة من المتطلبات الأميركية للحماية. كما قامت المظاهرات في اليابان مطالبة بخروج الجيش الأميركي منها... الخ من التحركات التي ايدت رؤية هؤلاء الكتاب. وبينت أن أميركا تكاد تفقد هيبتها في الشرق الأقصى بسبب تردد كلينتون وجبنه ( أنظر بوش والإنقلابات الإستراتيجية الأميركية). لذلك كان من الطبيعي أن يبدأ بوش ( المسيح المنقذ والشجاع على عكس سابقه البلاي بوي) عهده بتكثيف التحركات والإستعراضات العسكرية الأميركية في المنطقة. وكذلك بإثارة المارقين في المنطقة ليكونوا أداة تهديد تبرر رغبات العودة الأميركية القوية الى المنطقة. الأمر الذي جعل من سلوك بوش في المنطقة سلوكاً إستفزازياً للصين وحتى لأصدقاء أميركا نفسهم. ولنستعرض شريط أهم هذه الإستفزازات البوشية لنلحظ التالي: 1. تكثيف الطلعات الجوية التجسسية فوق الصين. التي ردت بارسال طائراتها فانتوم 16 لإعتراض الطائرات الأميركية والتحرش بها. وتمخض الأمر عن إسقاط إحدى هذه الطائرات الصينية وإجبار الطائرة الأميركية على الهبوط في الصين. وكانت أزمة الطائرة الصينية. حيث تصرفت الصين وفق عنفوانها القومي التاريخي وبينت تفاهة التقارير المهملة لهذا العنفوان. وتذكر الصحافة الأميركية في حينه أن بوش لم يخرج من هذه الورطة بدون تقديمه تنازلات استراتيجية غير معلومة لحينه. 2. إفتعال اميركا لأزمة كوريا الشمالية بتراجعها عن اتفاقية امدادها بالنفط. ومن المعلوم أن كوريا عانت في حينه من جفاف أوصلها الى المجاعة. فكان من الطبيعي أن تتحرك بعنف. وهذا ما أراده الأميركيون لإشعار اليابان وكوريا الجنوبية خاصة بحاجتهما للتواجد العسكري الأميركي في المنطقة. 3. غرق سفينة الصيد اليابانية بسبب كثافة تحركات الأسطول الأميركي في المنطقة. مما خلف نمو المعارضة الشعبية للوجود الاميركي مع زيادة استشعار الحكومة لضرورة هذا الوجود. 4. إثارة مشكلة تيمور الشرقية وتنصيب استراليا وكيلاً عسكرياً لأميركا في المنطقة. حيث إنفصال تيمور الشرقية تهديد بإمكانية حدوث انقسامات عنقودية في خريطة الشرق الأقصى. حيث دوله زاخرة بالأقليات وبالعرقيات المتمازجة والمتناحرة. 5. خوض بوش لحربه الافغانية على الحدود المباشرة للصين. مع وجود تعهد في ميثاق حلف الأطلسي بعدم الإقتراب من التخوم الصينية. ولا شك أن للصين دورها في تقليص النفوذ الأميركي في أفغانستان وعدم قدرة إقرار أمن أميركي فيها. وذلك بالرغم من سكوت الصين خلال الحرب بضغط الهياج الأميركي بسبب 11 أيلول. لكن العارفين بالعقل السياسي الصيني يدركون أن الصين لا تبدي ردود فعل تلقائية أو متعجلة لكنها لا تسكت على ما تعتبره مساساً بحقوقها. 6. تصعيد المواجهة مع كوريا الشمالية. ومعها زيادة الإبتزاز الأميركي لدول المنطقة وترسيخ السيطرة عليه لغاية الإلتفاف على منتدى الشرق الأقصى الإقتصادي. بما يلحقه ذلك من أذية إقتصادية للمصالح الصينية. وهنا تدخلت الصين فكانت مركز التفاوض بين اميركا وكوريا. فإذا ما فشلت المفاوضات راينا الولايات المتحدة تتجاهل الموضوع الكوري كلية. إلا أنها بدأت تمارس سلسلة ضغوط صبيانية على الصين نفسها. ومنها ما سنورده أدناه. 7. فرض ضرائب على الصادرات النسيجية الصينية. بما يخالف إتفاقية الدول الاولى بالرعاية ( تعني إلغاء الجمارك). فكان الرد الصيني هو التهديد بإلغاء شرائها لعقود القطن الخام. مما أحدث هزة في بورصة المواد الأولية في نيويورك. مع العلم أن الصين تصدر 5 % فقط من نسيجها الى الولايات المتحدة. 8. فرض ضرائب على التلفزيونات الصينبة. وليس لها منافس في السوق الاميركية بسبب رخصها. 9. إعلان الولايات المتحدة عن إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع تايوان ومن ثم تراجعها عن هذه المناورات تجنباً للتصعيد. خاصة بعد الإعلان الصيني الصريح عن عدم الوقوف مكتوفة الأيدي أمام أية محاولة لتكريس إنفصال تايوان عن البر الصيني. هذه المراجعة المقتضبة تبين سطحية التقارير التي شجعت بوش وإدارته على إتخاذ هذه الخطوات الإستفزازية التي أجبرت الصين على التحرك. والأهم التي أفقدت الصين كل ثقة بالأميركيين. وهو الفقدان الذي تحدث عنه نيكسون إذ قال: "... علينا ألا نفقد ثقة الصين فلو فقدناها فإننا لن نستردها بالمعونات مهما بلغ حجمها. وعندها سنرى الصين تتحول نحو روسيا لتتحالف معها مهما كانت الايديولوجية الحاكمة في روسيا..". لقد إرتكبت إدارة بوش هذه الحماقة التي حذر منها نيكسون وفقدت ثقة الصين. وهذه الأخيرة لا تنسى أن فريق بوش هو الذي فجر تهمة التجسس الصيني على الولايات المتحدة ( عبر العلماء الاميركيين من أصل صيني) ووظفها لمصلحة بوش في انتخابات عام2000 بما يوحي أن الصين ستكون شديدة الحذر في الانتخابات القادمة. بل ربما رأت فيها مجالاً للثأر من بوش على إستفزازاته المذكورة أعلاه. والصين مؤهلة لمثل هذا الإنتقام بعد إطمئنانها لإطلاقها قمرها الصناعي العسكري الذي صدم المسؤولين الأميركيين. بعد ما تبين لنا من ضحالة التقارير المرفوعة لبوش بشأن الصين يهمنا أن نعرض لأحد أهم هذه التقارير واكثرها فعالية في توجهات بوش الصينية. خاصة بعد ما يبينه مجرى الأحداث من نية صينية على لعب دور حاسم في مواجهة التعديات الأميركية على مصالحها وعلى تخومها.
|
|
علاقة الصين بالرؤساء الأميركيين
إن انكفاء الصين وظهورها بمظهر المنهمك بشؤون البيت الداخلية هو جزء من الشخصية
الصينية، وليس عجزاً أو فصلاً من فصول مسرحية تقتضيها المرحلة السياسية.
فالمارد الصيني لا يتحرك إلاّ عندما يحس بدنوّ الأخطار من هالته الجنوب- شرق
آسيوية.
1. الانتروبولوجيا الثقافية
–
الصينية. 2. الموقف الأميركي من الصين. يشير هنتننغتون في مقالته "تآكل المصالح الأميركية" إلى أن الولايات المتحدة كانت دائماً تتموقع بالنسبة للآخر. وتتوجه في الزمان والمكان ، وأيضاً توجه مصالحها، في الاتجاه المعاكس للآخر. ويستنتج هنتنغتون بحق بأن فقدان الآخر يعني فقدان قدرة الولايات المتحدة على التوجه. وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية، ارتبطت الولايات المتحدة بأوروبا، وأصبحت ممثلة للحضارة الغربية (وبذلك خسرت أوروبا في دور الآخر) وانطلاقاً من حاجتها إلى الآخر (لعدو) طرحت الشيوعية كعدو شيطاني. ويبدو أنها نجحت في اختيار هذا العدو، بدليل أن معاكستها له أوصلتها إلى موقع القطب الأوحد. وظلت الصين قسماً من الشيطان الشيوعي لغاية نشوب الخلاف بينها وبين الاتحاد السوفياتي، عقب وفاة ستالين، حين بدأت بعض الأوساط في الإدارة الأميركية بالتفكير في إمكانية الاستفادة من تناقضات القطبين الشيوعيين وخلافاتهما. فكانت زيارة نيكسون للصين وهو الذي يعترف بأن انفتاح الصين يعرقل انفتاح الاتحاد السوفياتي، لكنه في المقابل يكشف عن رؤية مستقبلية قومها استحالة انعزال مليار من البشر عن العالم، وبالتالي فإن التطور المنطقي للأمور يفترض اضطرار الصين للانفتاح (ولو على طريقتها الخاصة). ورأى نيكسون أن من مصلحة الولايات المتحدة أن تدخل الصين من الباب الأميركي. لذلك أصر على تحسين العلاقات معها، وتوج إصراره بزيارته لهذا البلد مطلع العام 1972. وهذا يقودنا إلى التساؤل عن موقف الرؤساء التالين لنيكسون من الصين؟ وربما عن الاستراتيجية الأميركية بعيدة المدى تجاه هذه الدولة؟. 3.-مواقف
الرؤساء
الأميركيين من الصين. ونبدأ بالرئيس فورد الذي جهد ليبدو صورة نقيضة لنيكسون وكانت العلاقة مع الصين من ضمن معاكساته لنهج نيكسون. حتى بدأت شكاوى وشكوك المسؤولين الصينيين من جدية الرغبة الأميركية بالتقارب معهم. إلاّ أن الرئيس كارتر أعطى دفعة فائقة الأهمية باتجاه الصين. فقد أوفد مستشاره للأمن القومي زبغينو بريجينسكي إلى الصين في أيار (مايو) 1978 وحمله رسالة مفادها الرغبة في متابعة المشاورات التي دعا إليها بيان شنغهاي، وتأكيد وجود مصالح استراتيجية مشتركة وطويلة الأمد بين البلدين. وعليه فإن التطبيع الكامل للعلاقات يجب أن يبحث بجدية. واندفاع كارتر في هذا الاتجاه كان محكوماً بالهاجس السوفياتي، ولم يكن وليد رؤية مستقبلية متكاملة كما لدى نيكسون . ومهما يكن فقد نجحت إدارة كارتر في تطبيع العلاقات مع الصين، إذ صدر في البلدين بيان مشترك (15/12/1978) عن قيام علاقات دبلوماسية كاملة وتطبيع كامل بين البلدين، مع موافقة الولايات المتحدة على النقاط التي طرحتها الصين. وهذه النقاط كانت شروطاً صينية بكامل معنى الشروط (سيعمد الأميركيون للالتفاف عليها لاحقاً كما سنرى). وهذه النقاط هي: إنهاء العلاقة مع تايوان (سحب العسكريين والمنشآت العسكرية). إلغاء معاهدة الأمن بين الولايات المتحدة وتايوان. احتفاظ الولايات المتحدة بحقها في تزويد تايوان الأسلحة الدفاعية مع استمرارها في التجارة مع تايوان من مبدأ البيع المستحكم (وقد سجلت الصين تحفظها على هذه النقطة). وهكذا تطورت العلاقة فكانت زيارة الزعيم الصيني وينغ شياوبزغ إلى واشنطن في كانون الثاني (يناير) العام 1979، وزادت هذه الزيارة من آفاق الانفراج بين البلدين. لكن الكنونغرس حد من هذا التفاؤل بإصراره على ما عرف بقرار العلاقات مع تايوان. وكان هذا القرار يتعلق ظاهرياً بتشجيع العلاقات غير الرسمية بين الشعبين، إلاّ أنه تضمن نقضاً وتراجعاً عن اتفاق التطبيع مع الصين، وذلك بإعلانه عن أن الولايات المتحدة ستعمل بكل طاقتها المقاومة أي لجوء للقوة من شأنه أن يهدد أمن الشعب في تايوان. كما نص القرار على تزويد تايوان الأسلحة الدفاعية. وكان هذا القرار سبباً لغضب الصين مما أربك العلاقة بين البلدين. ثم جاءت إدارة ريغان لتزيد في هذا الارتباك. فقد فاز ريغان بالرئاسة بفضل الانتقادات الموجهة لكارتر، لجهة ميوعة قراراته وعدم اتخاذه القرارات الحاسمة التي تعكس القوة الأميركية، وسمي هذا التيار باالمحافظين الجدد، وهو الذي أوصل ريغان للرئاسة، ومعه طاقم من المتشددين على راسهم الكسندر هيغ وزير الخارجية. وخلال العامين الأولين من حكم ريغان بدت السياسة الأميركية الخارجية، وكأن هدفها الأول هو إطلاق التهديدات والتهويلات التي وصلت مبالغاتها إلى حدود إثارة حلفاء أميركا قبل غيرهم. واستبدل ريغان هيغ بجورج شولنر الذي بدا أكثر مرونة، لكنها مرونة تكتيكية اقتضتها المرحلة. فقد تابع ريغان بإصرار وبدعم المحافظين الجدد، وتوجيههم له، برنامج حرب النجوم. ولقد توصل شولتز، الذي، الذين استلم الخارجية الأميركية منتصف العام 1982، إلى حل وسط مع الصينيين تعهد فيه الإقلال مستقبلاً من إمدادات السلاح لتايوان، مقابل إعلان الصين عن عدم وجود نيات عدوانية لديها تجاه تايوان. ولعلنا نجد في التسهيلات التجارية، وتبادل الطلاب ونقل التكنولوجيا إلى الصين أسباباً أغرت الصين بتجاهل الخلافات التي بدأت منذ نهاية فترة حكم كارتر وبداية حكم ريغان. ويمكن اعتبار الفترة المتبقية من حكم ريغان فترة علاقات جيدة بين البلدين. وفيها تمت زيارة رئيس وزراء الصين (كانون الثاني / يناير 1984) إلى الولايات المتحدة وزيارة ريغان للصين (نيسان / أبريل 1984). ثم جاءت فترة بوش الأب، التي توقعتها الصين استمرارية لنهج ريغان، فالاثنان جمهوريان، ويضاف إلى ذلك خبرات بوش كسفير سابق في بكين، ومسؤول سابق في المخابرات الأميركية، ونائب ريغان. لكن هذا التوقع لم يكن في مكانه، لأن اللحظة السياسية الاقتصادية فرضت نفسها على بوش وأجبرته، منذ بداية ولايته على مجابهة مشكلة لم تكن في الحسبان، وهي مشكلة أزمة جديدة في العلاقات مع الصين. فقد استلم بوش الحكم في العام 1989 أي في العام الذي شهد انهيار الاتحاد السوفياتي وحائط برلين، مما جعل الرأي العام الأميركي ينظر إلى القيم الأميركية نظرته إلى المقدسات التي يجب فرضها بالقوة على شعوب العالم "لا ضرورة هنا للتذكير بدور المخابرات في تخليق هذه الإيحاءات وبثها عبر وسائل الإعلام". وفي هذه اللحظة بالذات حدثت حادثة "الميدان السماوي" فهاج الرأي العام الأميركي وبدأ يطالب بفرض عقوبات على الصين "لاحظ بداية شعور المواطن الأميركي بالتفوق واقتناعه بضرورة تأديب الآخرين بالقوة. حتى بدأ هذا المواطن وكأنه قد تحرر من عقدة فييتنام". لكن القيادة الأميركية الجديدة كانت مدركة تمام الإدراك أن الشيوعية الصفراء (في فييتنام وكوريا والصين…الخ) هي شيوعية مختلفة تماماً عن الأوروبية. فهذه الشعوب الشرقية تملك خلفيات قومية وحضارية تستند إليها إذا ما انهارت ايديولوجياتها. لذلك وجد بوش نفسه في موقف حرج إزاء ضغوطات الرأي العام والكونغرس، لكنه تصرف وفق خطه السيكولوجي (فاعل-إيجابي) حيث اتخذ بضع خطوات استجابة لهذه الضغوطات وتفريجاً لها. لكنه امتنع عن اتخاذ خطوات تفقده ثقة الصين وتفجر شكوكها. فقد احتفظ للصين بمصالحها (بقيت في لائحة الدول الأولى بالرعاية) وعندما اضطر بوش إلى فرض عقوبات اقتصادية حقيقية (جعلها محدودة قدر الإمكان) وبعد تصويت الكونغرس بأغلبية ضاغطة، قام بوش بإيفاد مبعوث سري للصين في 25 حزيران (يونيو) 1989 هو "برنت سكوكرفت". وكانت مهمة هذا المبعوث توضيح الوضع للمسؤولين في الصين. ثم أعقب بوش هذه الإشارات السرية ببيع ثلاثة أقمار صناعية للصين، وباعتراضه على قرار الكونغرس بوقف قروض بنك التصدير والاستيراد للمؤسسات الأميركية العاملة في الصين. وهكذا نجح بوش في إقناع الصينيين بأنه المدافع عن مصالح الصين وعن العلاقات معها. فلما جاءت الانتخابات الأميركية العام 1992 أثبت الصينيون خروجهم من دائرة الذكاء الأميركي وتحديهم له. فهذه الثنائية (الرئاسة-الكونغرس) لا تنطلي على الصين، فقد ردت الصين الصفعة عبر جملة رسائل ومواقف مباشرة وأخرى وسيطة (عبر كوريا الشمالية) ولعلها ساهمت بإسقاط بوش إعلاناً عن امتعاضها من إعلانه للنظام العالمي الجديد. والآن ماذا سيكون موقف الصين من بوش وصقوره في الإنتخابات المقبلة؟. إن الجواب يتعلق مباشرة بحجم التنازلات التي يقدمها موفد أميركي سري لبكين. وذلك على غرار ما فعله بوش الأب. ولكن هل أبقى الصقور فرصة كي يفيد الإبن من تجربة أبيه؟. والأهم هل وصل فقدان الثقة بين أميركا والصين مرحلة اللاعودة؟. هنا لا بد لنا من العودة الى تقاليد السياسة الصينية وتراثها عداك عن طموحات الصين الجديدة وتحالفاتها المعلنة والخفية؟!.
السياسة الصينية التقليدية "… إن لدى الصين أسراراً لا متناهية، لذلك فإننا لن نعرف كل شيء عن الصين. بل ربما نستطيع أن نتعلم شيئاً منها…". الرئيس نيكسون في مذكراته. قبل أكثر من ألفي عام وتحديداً في العام 221 قبل الميلاد ولغاية اليوم، كانت الصين البلد الوحيد الذي بقي طيلة هذه المدة في إطار المعادلات والحسابات السياسية العالمية. فإذا ما جاء النصف الثاني من القرن الثامن عشر،ومعه المعاهدات المذلة المفروضة على هذا البلد، نلاحظ أن هدف هذه المعاهدات كان إجبار الصين على الانفتاح على السياسة والاقتصاد الخارجيين. مما يعني الاهتمام العالمي بها حتى في فترة من أضعف فترات تاريخها. وبالعودة إلى تلك الفترة نجد المفكر والاقتصادي أوغسطين كورنو يقول في العام 1861 ما نصه:"… هنالك قوتان هائلتان سوف تتوزعان الكرة الأرضية في القرن المقبل، وهما: الصين في الشرق والولايات المتحدة في الغرب…". وصحيح أن هذه النبوءة لم تتحقق في موعدها لكننا لا نستطيع تجاهل الدور العالمي للصين، خلال القرن العشرين، حيث تصدت لمواجهة الولايات المتحدة في الحرب الكورية ثم مجابهتها للاتحاد السوفياتي وخلافها معه وغير ذلك من المواجهات الحاسمة التي جعلت الصين بمنزلة القوة الثالثة عالمياً خلال القرن العشرين.من هنا فإن الاهتمام بالصين وبأسرارها ليس اهتماماً وليداً بل هو قديم قدم دورها التاريخي، إلاّ أن اللافت هو إجماع دراسي الصين على غموضها وعلى كونها محاطة بأسرار لا متناهية. وهي الشكوى التي عبر عنها الرئيس الأميركي في مذكراته. ونحن نجد الجواب عبر الدراسة الانثروبولوجية- الثقافية التي تبين لنا أن غموض الصين يعود مباشرة لانغلاقها. فالصين لم تتخط حدودها حتى وهي في أوج قوتها الامبراطورية وهي لم تملك يوماً مراكز متقدمة في ما وراء أعالي البحار، فإذا ما استثنينا بعض الصراعات المحدودة على تخومها فإننا نجد أن الصين قد انغلقت على نفسها داخل سورها العظيم. وهي لم تكن يوماً دولة توسعية بالرغم من مشاركتها في حروب عديدة. وعندما نصل إلى حقبة ماو الشيوعية فإننا نجد أنها شيوعية- قومية. بمعنى أن الايديولوجية الشيوعية كانت متعايشة مع المشاعر القومية، لدرجة دفعت بالكثيرين ومنهم الرئيس نيكسون للتساؤل عن مستقبل الصين هل هو شيوعي؟ أم صيني؟. الشخصية الصينية و نحاول في ما يلي تقديم قراءة سيكولوجية للشخصية الصينية فإننا نبدأها من تفسير هذا الانغلاق. ذلك أن التجمعات المنغلقة على نفسها تشخص عادة على أنها تجمعات عظامية-بارانويائية (حيث تختلط مشاعر العظمة والتفوق بمشاعر الاضطهاد وكراهية الآخر بحجة أنه ظالم وبالتالي كاره). أما عن حجم هذه التجمعات فيمكنه أن يبدأ بأسرة صغيرة العدد وأن ينتهي بأمة كاملة كما هي حال الصين. وشعار هذه التجمعات المنغلقة هو أن العالم قد أصبح خبيثاً ومؤذياً ودون أخلاقيات لذلك فإن الانغلاق واجب للحفاظ على هذه المثاليات ولتجنب أخطار العالم الخارجي. وتختلف حدة هذه المشاعر بحسب قوى الانغلاق. فمثل هذا الانغلاق نجده بصورة أو بأخرى لدى التجمعات القومية والعرقية والدينية كافة ولكن بدرجات متفاوتة. فإذا أخذنا اليابان كمثال فإننا نجدها قد خرجت على انغلاقها فسمح لها هذا الانفتاح بالتحول إلى قوة اقتصادية عظمى، في حين رفضت الصين الانفتاح وبقيت في عداد الدول الفقيرة ولا تزال تجاهد لتخطي عتبة الفقر (وفق التقارير الأميركية تحتاج الصين إلى خمسة وعشرين عاماً أخرى من متابعة الحفاظ على مستوى التنمية الراهن كي يتوصل معدل الدخل الفردي فيها إلى أربعة لآلاف دولار سنوياً) في المقابل نجد أن الصينيين ينظرون بازدراء إلى التقدم الياباني حين تحول معظمهم إلى العلمانية الغربية، وحيث تشير دراسات عديدة إلى أن يهود الشتات في طريقهم للذوبان في المجتمعات الغربية التي يعيشون فيها. وهذه المقارنات تطرح السؤال عن دوافع الصيني للمسك بصينيته بالرغم من كل المغريات؟. الجواب عن هذا السؤال وما يستتبعه من أسئلة يدفعنا للعودة إلى مذكرات نيكسون. ذلك أن هذه المذكرات لا تضم مجرد آراء شخصية، لصاحب المذكرات، بل هي تحتوي على خلاصة دراسات جهاز ضخم من مستشاري الرئيس المتخصصين بالشؤون الصينية. لذلك نجد الفائدة في الاستناد إلى هذه المذكرات ومروياتها وتوقعاتها. نعود إلى السؤال فنجد الجواب على لسان أحد كبار رجال الأعمال الصينيين في هونغ كونغ، وهو معروف بولائه لبريطانيا، إذ يقول رداً على سؤال وجهه له نيكسون بأنه يعتقد أن 95 % من سكان هونغ كونغ سيصوتون للاستقلال والانفصال عن بريطانيا إذا جرى مثل هذا الاستفتاء .وكان من الطبيعي أن يتسبب هذا الجواب في دهشة نيكسون لأنه يعني عجز الحضارة الغربية عن تذويب حفنة من الصينيين. فسأل عن السبب؟. أجاب رجل الأعمال: صحيح أن البريطانيين هم أكثر المستعمرين الأوروبيين تقدمة ومحطاً للاحترام لكنهم يؤسسون في كل مستعمرة لهم ثلاث مؤسسات هي: 1 – كنيسة و 2 – خط عنصري و 3 – نادي يحظر على السكان الأصليين الانتساب إليه. وإذا كان نيكسون قد رأى أهمية هذه الحادثة لدرجة إيرادها في مذكراته فإنه ذلك يعود لكونها تلخص الدراسات النفسية كافة للشخصية الصينية. ذلك أن جميع الباحثين في هذا المجال يتفقون على تمسك الصيني بديانته باعتبارها جزءاً من مكوناته غير قابل للمساس (وإنشاء كنيسة لغرباء على أرض صينية هو تحد أكبر من احتلال الأرض نفسها والسيطرة على اقتصادياتها وسياستها).أما مسألة منع الصيني من الانتساب إلى ناد مخصص للأجانب فإن ذلك يمس كرامة الصيني التي يقدسها أكثر من ديانته وأما الخط العنصري فإنه يصطدم بمثيله الصيني. وهذه الصدامات الثلاثة تمنع ذوبان الصيني. وقد أشار نيكسون في مناسبات عديدة في مذكراته إلى تمسك الصيني بكرامته خصوصاً. ولكن ما لم يفهمه نيكسون ولا مستشاروه وهو كون الصين خارجة على قاعدة الرخاء الأميركية الذي يجمع الفسيفساء العرقي الأميركي. ومن هنا استنتاج نيكسون:"… إذا فقد الصينيون الثقة بالولايات المتحدة فليس ثمة مساعدة تجارية أو مالية، مهما بلغت قيمتها، من شأنها الإبقاء على العلاقة الصينية-الأميركية سارية المفعول. فإذ ذاك سوف تلجأ الصين إلى نمطها التاريخي في احتواء أعدائها والأمل بامتصاصهم…".وتعبير الأمل بامتصاصهم يبين جانباً إضافياً للشخصية الصينية فهي متأنية وغير مستعجلة. حتى تبدو أحياناً وكأنها تتجاهل عامل الزمان. وهذا التجاهل يعطيها مرونة فائقة وقدرة على المناورة والانتظار. ولعل ذلك ينعكس في السلوك الصيني العام. فقد صبر هؤلاء الصينيون على فقرهم وإذلالهم قروناً طويلة. لكنهم لم يفقدوا أو حتى يتنازلوا عن عزتهم القومية. كما ينعكس هذا الصبر على السياسة الصينية. فالساسة الصينيون يدركون أن قيامة بلدهم مرتبطة باسترداد المهاجرين والمنفصلين (تايوان وهونغ كونغ…الخ) لكنهم لم يتعجلوا يوماً مثل هذه الوحدة وهذا الاسترداد. إلاّ أنهم يؤمنون بذلك عمق إيمانهم بصينيتهم. فالرخاء الذي صنعه الغرب في كل من تايوان وهونغ كونغ لم يذوب سكانهما أو يخرجهما على اعتدادهما القومي. لكنه خلق مشكلة بارزة أمام احتمال عودتهم (السكان) للصين وذلك بسبب اختلاف المداخيل. ولعل الصينيين يؤمنون بأن تحقيق التنمية الكافية في الصين الكبرى سيجعل عودة هؤلاء السكان الى الصين الأم. ولا يفوتنا هنا التذكير بمظهر من أهم مظاهر الشعور بالعظمة والتفوق الصينيين فقد كانت الخرائط الصينية، ولغاية القرن التاسع عشر، تظهر الصين رقعة فسيحة وسط العالم مع بعض الجزر المتناثرة هنا وهناك من حولها، وتحمل هذه الجزر مسميات: فرنسا وبريطانيا وأميركا…الخ. أما الصين فتسمى على الخريطة بالمملكة الوسطى إشارة إلى التراث الصيني الذي يعتبر الصين مركز العالم والذي لا يعتبر الحضارة الصينية مجرد حضارة بل يعتبرها هي "الحضارة". أما على الصعيد الشخصي فإن الصيني ليس مخلوقاً تراثياً يعيش على معتقداته التراثية وكرامته القومية. بل هو يضيف إليها تقديراً إيجابياً للذات وإيماناً بقدراته الإنسانية والذكائية. مضافاً إليها بعض المشاعر العنصرية- التمييزية. واذكر هنا حديثاً لزميل صيني إذ قال:"إن رائحة هؤلاء الأوروبيين تشبه رائحة الجثث!". وتأتي سمة الانتقام للكرامة، ولو بعد حين، سمة أخرى مميزة للشخصية الصينية، وهذه السمة عايشها نيكسون ولم يكتف بقراءتها في تقارير مستشاريه. وهو يروي في مذكراته الحادثة التالية:… في مؤتمر جنيف العام 1954 مد رئيس الوفد الصيني، وكان يدعى زهاو انيلاي، يده لمصافحة جون فوستر دالاس، في اجتماع عام، فرفض الأخير المصافحة… وهذا يحصل في مواقف ديبلوماسية عديدة…". وعندما زار نيكسون الصين مطلع العام 1972 (أي بعد ثمانية عشر عاماً) أطل من سلم الطائرة فوجد زهاو في استقباله وهو يصفق!. ويروي نيكسون "… أخذت أصفق مثله وأنا على سلم الطائرة فلما بلغت الدرجة الأرضية مددت يدي لزهاو. وكانت أكثر من مصافحة وعلمنا نحن الاثنين أنها نقطة انعطاف تاريخية…". ولعل مجمل هذه السمات تكرس بآليات دفاعية صعبة الاختراق. فالانغلاق الصيني أتاح لهذا البلد أن يتابع خططه التنموية بعيداً عن حسابات الألف الثالث ومعادلاته الصعبة والمعقدة. التي تجعل بلداناً مثل فرنسا وألمانيا تتصرف بصورة غريبة (إنشطارية) فهي مع الأطلسي ومخططاته الاستراتيجية في أوروبا والشرق الأوسط. وإن كانت هذه المخططات تسيء للاتحاد الأوروبي ولمنظمة التعاون الأوروبي ولمستقبل أوروبا إجمالاً. إن الصين لا تعاني مثل هذه التناقضات الانشطارية لأنها تعيش زمناً مختلفاً عن الزمن الذي يتحدث عن الألف الثالث، مما يجعل البعض يقولون بأن الصين تعيش خارج الزمن ويجعل البعض الآخر يقول بأن الصين تعيش زمانها الخاص. فالزمان يبقى مفهوماً مجرداً يمكن لكل شخص ولكل مجموعة أن تعايشه على طريقتها الخاصة، وهذه الملاحظة لم تفت مستشاري نيكسون ولم تفته شخصياً إذ يقول في مذكرته:"…أن الصين بلد لا حدود لإمكانياته، تقريباً، وهو بدأ الآن يتحقق من هذه الإمكانيات. والقرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرون قائمة جنباً إلى جنب في هذا البلد. ففلاحوه ما زالوا يحدودبون فوق حقول الأرز كما كانوا يفعلون ذلك منذ قرون ومع ذلك فهي قد تنطلق خلال القرن الحادي والعشرين لتصبح أقوى قوة على وجه الأرض وأكثرها تقدماً اقتصادياً…". ومعايشة الصين للزمان على هذه الطريقة الخاصة جداً تجعلها غير آبهة كلياً بطروحات العولمة والنظام العالمي الجديد وآحادية القطب… الخ. فهي تعتبرها مجرد مصطلحات. وهكذا فإن أول خطوة لفهم الصين هي أن نفهم أن لهذا البلد زمانه الخاص. الذي يجعله خارج التحالفات التقليدية حتى مع إسرائيل. ولكن كيف يتصرف الصينيون عندما تتعرض الصين للإهانة؟. إن هذا السؤال يفرض نفسه مع أزمة ضرب الأطلسي للسفارة الصينية في يوغوسلافيا. وعلينا أن نبحث عن جوابه بصورة مقارنة. فنراجع ردود فعل هذاالشعب خلال حروب الأفيون مثلا. فنجد مثلاً عبارة معبرة عن الشجب الصيني لأعمال البريطانيين عام 1841 وتقول العبارة: "…نعلم أنكم أيها البرابرة الإنكليز قد حملتم معكم وطورتم عادات وطباع الذئاب واستوليتم على الأمور بالقوة. وفي ما عدا سفنكم القاسية ونيران بنادقكم الوحشية وصواريخكم القوية، ما هي قدراتكم؟". وبمراجعة ردود الفعل الشعبية في الصين على أزمة السفارة نجد أن هذه العبارة تتكرر مع تغيير بسيط هو إحلال كلمة أميركيين بدلاً من إنكليز. وتبقى المسألة المميزة للغرب، التي تصيبه بالهلع، هي أن للصين زمانها الخاص. فالاستراتيجيون الأميركيون يعتبرون أن فترة ربع قرن ضرورية للصين حتى تكتمل قدراتها. لكنهم لا يعرفون مدة هذه الفترة في الحساب الزمني الصيني!. لذلك تتضارب تقاريرهم ليؤكد بعضها فترة الخمس وعشرين سنة وليؤكد بعضه الآخر بأن الصين باتت جاهزة للصدام وبأنها نقلت (أو سرقت) كامل الأسرار العسكرية الأميركية! أما عن نظرية صدام الحضارات (وتحديداً الصدام مع الصين) التي أطلقها هنتنغتون فإننا نلاحظ بأن الاستراتيجيين الأميركيين قد طرحوها على نيكسون منذ نهاية السبعينات. وبالتالي يصبح ما فعله هنتنغتون هو مجرد إطلاقه لشائعة توجد أعداداً كبيرة من الناس مستعدة لتصديقها. أما عن أزمة السفارة الصينية فإنها تذكر بقول نابوليون: ترى الصين؟ هنالك يرقد عملاق! دعوه يغط في نومه. فهو إذا استيقظ فإنه سيحرك العالم. بعد هذه المعطيات حول الخصوصية الصينية يصبح من المنطقي توقع تحرك الصين الوقائي ضد سلوك الإدارة الأميركية تجاهها. فقد ملك ريغان حكمة إقالة الكسندر هيغ الصدامي المستفز والمتحدي للصين وللأصدقاء الأميركيين أنفسهم. في حين تجاهل ووكر بوش نصائح والده ومساعديه من سكوكرفت وحتى بيكر. كما عرض وزير خارجيته باول للإذلال على يد الصقور وموظفيهم من المحافظين الجدد. ومن الطبيعي إذن أن يبدو الأمر كما كان يمكن أن يكون عليه لو استمر الكسندر هيغ وزيراً لخارجية ريغان؟!. في رأينا الشخصي أن الولايات المتحدة قد فقدت ثقة الصين تماماً. وهي لن تستطيع إستردادها خاصة بعد الإستفزازات الصبيانية الأخيرة. والصين لا تبتلع أعذاراً من نوع إضطرار بوش لإذلالها لغايات إنتخابية. لذلك نعتقد أن التنين الصيني قد بدأ يطل برأسه وهو لن يتراجع هذه المرة. وهذا سيعني ضرورة مراجعة كل الدول لكل تحالفاتها وصفقاتها ؟؟!!. |