|
محمد احمد النابلسي
في 12 أيار الجاري سلط جون غيرشمان أحد كبار المحللين السياسيين في الشؤون
الاستراتجية في مركز "السياسة الخارجية تحت المجهر" والمدير المساعد لهذا
المركز الأميركي الضوء على دراسة أعدها الباحث الاستراتيجي الأميركي توماس
دونللي نائب مدير مركز أبحاث القرن الأميركي الجديد في نهاية نيسان /
إبريل 2003 :المعروف أن مركز القرن الأمريكي الجديد هو المنبر الرئيس الذي
يعد للإدارة الأميركية أهم التوجهات الاستراتيجية المتفقة مع عقيدة الهيمنة
الأميركية التي يتبناها الرئيس بوش .
يقول
غيرشمان: إن دراسة دونللي تركز على عرض الطريقة المناسبة التي تشكل
التنفيذ العملي لعقيدة بوش والتعامل مع التحديات العملية التي تواجهها
إدارته في مأسسة دور واشنطن بصفتها القطب الأعظم الواحد في العالم.
كما
يعرض دونلليي لأهمية استعانة واشنطن بالمؤسسات الدولية متعددة الأطراف
لإنجاح الدور المهيمن الأميركي وفرضه على العالم.
في ما
يلي نعرض للنص الذي عرضه دونللي في نشرة ناشينال سيكيورتي أوتلوك
الأميركية 1أيار 2003 وضمنه آراءه في كيفية تنفيذ عقيدة بوش للسيطرة على
العالم،والذي جاء فيه :
بعد
القذف بصدام إلى ركام التاريخ لا بد من تحديد المحطة التالية لبغداد.
والحقيقة أن ما ينبغي القيام به بعد ذلك يتجاوز كثيرا مستوى طموح القيام
بعملية عسكرية هنا أو هناك. فعقيدة بوش تدعو إلى قيام الولايات المتحدة
بتعزيز انتشار ليبيراليتها ومؤسساتها وقيمها من أجل تقويض جميع الأنظمة
التي تسيطر بوساطة الإرهاب واستبدالها بأنظمة أخرى. لذلك يصبح السؤال
الحقيقي المطروح الآن هو كيف يمكن للولايات المتحدة استغلال انتصارها في
العراق من أجل تعزيز وتوسيع ومأسسه السلام الأميركي ومفهومه في العالم؟.
فعقيدة بوش لم تضع تفاصيلاً للإستراتيجية الفعلية التي توضح كيفية المحافظة
على السلام الأميركي وتحديد الخطة المناسبة لتنفيذها. وإذا كانت
الاستراتيجية التي وضعتها الإدارة الأميركية للأمن القومي ونشرتها في
أيلول 2002 تتحدث عن ضرورة المحافظة على القوة العسكرية الأميركية والنمو
الاقتصادي ومجمل القوة القومية إلا إنها لم تحدد بشكل واضح أولوياتها
الاستراتيجية لكن على الرغم من ذلك اعتقد أنه من الممكن أن نستدل على هذه
الأوليات من التصرفات والأعمال التي تقوم بها إدارة بوش.
صد الإسلام
واحتواء الصين:
يمكنني هنا الإشارة بعبارات موجزة إلى أن التطبيق العملي لعقيدة بوش هذه
بلغ ذروته في صد الإسلام المتطرف وفي احتواء الصين الشعبية وتطويقها لمنع
نهوضها وتحولها إلى موقع القوة العظمى. ولذلك يصبح من الطبيعي ضرورة منع
التعاون الاستراتيجي الرسمي أو القائم كأمر واقع بين أي دولة معادية
لواشنطن أو بين أي منظمة إرهاب دولي في العالم الإسلامي من جهة و بين بكين
من جهة اخرى. ففي هذا العالم الذي ما زلنا نشهد فيه وجود قوى صعبة تواصل
القيام بدور نسبي في المسائل الدولية يصبح من المطلوب أن تقوم واشنطن نفسها
بإنجاز كل ما ترغب به إذا أرادت القيادة الأميركية العالمية ونظامها
الليبرالي الراهن المحافظة على دورها وتوسيعه. ولا شك أن المهام الأميركية
بهذا الشأن تشكل تعهدات ضخمة فالانتصار في أفغانستان وفي العراق سواء في
ميدان المعركة أو في مهمة إعادة بناء و تشكيل الدولة في هذين البلدين لا
يمثل هنا سوى خطوتين أوليتين فقط في عملية واسعة النطاق من أجل إصلاح
السياسة المنهارة في الشرق الأوسط الكبير. وتماما مثلما قال مخائيل ليدين
هاتان الخطوتان لا تشكلان سوى معارك في الحرب الإقليمية الأوسع. ويبدو أن
هذا الوصف يشكل أسلوبا عنيفا في تحديد أهداف الإدارة الأميركية لكنه رغم
ذلك يشير حقا إلى حجم الطموح الأميركي.
وإذا كان صد
القوى المعادية للولايات المتحدة في المنطقة يمكن أن لا يستلزم دوما القيام
بعمل عسكري ضدها فإن وجود حركات إصلاح سياسية أصيلة في العالم الإسلامي
وخصوصا في بلد مثل إيران يمكن أن يفيد في هذا الاتجاه. فالمسلمون لا يقلون
رغبة بتحقيق حرية الفرد وليسوا أقل قدرة على إنجازها أكثر من غيرهم. ولقد
صمم الأميركيون بعد أحداث 11 أيلول على عدم قبول الأمر الواقع القائم في
العالم وخصوصا في العالم العربي. فالإخفاقات الكثيرة في الحكم لدى الدول
العربية بشكل خاص لا تحمل مضاعفات على شعوب المنطقة فحسب بل على الأميركيين
ويشكل متزايد أيضاً. إضافة إلى حلفاء واشنطن ومصالحها. وإلى جانب هذا يولد
الترابط بين هذه الإخفاقات في الحكم وبين انتشار أسلحة الدمار الشامل
والسلاح النووي خصوصا معنى مهما هو أنه لا يمكن للولايات المتحدة إهمال
مصير هذه المنطقة وتركه للخلافات.
التحالفات
الشريرة:
الولايات المتحدة ستكف عن اعتبار الأنظمة العربية المستبدة والضعيفة
وقادتها ( الذين أقامت معهم تحالفات شريرة خلال عشرات السنين) شركاء
استراتيجيين وموثوقين. ففي الخليج على سبيل المثال قمنا بتجربة كل بديل
وخيار ممكن. ومع ذلك كان الحكام هناك يفشلون. فالحكام العرب في تلك المنطقة
طالما فشلوا في استلهام أو إيجاد وطنية حقيقية تتجاوز القبيلة والعشيرة.
كما فشل هؤلاء في مواجهة رجال الدين المتطرفين. وهذا تماما ما لاحظه رالف
بيترز حين قال: إن الأنباء السارة هي أن العالم الإسلامي بشعوبه وحدوده
المرسومة الحاسمة لا يحمل من الأمل أكثر مما يمكن أن نتوقع في ظل هذه
الأحداث. فنحن حين تدعونا الضرورة إلى التعامل مع القتلة المتعصبين الشرسين
في الوقت الحاضر نجد أن مستقبل الإسلام لم يتحدد مصيره بعد. وبان باب الغد
المشرق لم يغلق بعد. رغم أنه مازال بعيدا عن ملايين المسلمين الراغبين
بالمحافظة على هذا الباب المفتوح رغم تهديدات المتعصبين. ولا شك أن أهمية
وجود كفاح ضخم بدأت تشق طريقها من أجل روح الإسلام في صراع كبير من أجل
اتخاذ القرار المناسب بين عقيدة إنسانية متسامحة وتقدميه وبين التصور
القاسي لإله العقاب وفرض المحظورات على البشرية.
ويمكن القول
إن مشاكل العالم الإسلامي وضعف وفساد قادته وميلهم إلى العنف تخلق حلها
بنفسها لأن هؤلاء القادة أصبحوا معزولين عن شعوبهم وعن عالم مزدهر حر آخر.
ولذلك لا بد من صد هذه الدول التي تحمل مثل هذه المشاكل. وعلى النقيض من
الرأي الذي ظهر قبل سنوات يصبح من الأفضل محاربة الدول الفاشلة بدلاً من
محاربة الدول القوية. فنظام صدام ربما يشبه الهتلرية أو الستالينية لكنه
أثبت أنه ضعيف أكثر من تلك الشرور التي حملها. ولذلك تصبح آمال الرئيس بوش
بنشر بذور الديمقراطية في العالم الإسلامي غير مستحيلة التحقيق بقدر يفترض
أنها شعبية.
حكومات
مرحلية فاشلة:
من
الصواب الاعتقاد أن الولايات المتحدة تملك الصلاحية والقدرة مع حلفائها على
تقديم المساعدة للمنطقة من أجل تحقيق حياة سياسية أفضل. ولا بد هنا من
تكرار حقيقة أن حكومات المنطقة السابقة والحالية لا يمكن أعتبارها ،مهما
اختلفنا على هذا الأمر، أكثر من حكومات فاشلة. فالاستقرارالذي وفرته هذه
الحكومات أثبت أنه ليس أكثر من مرحلة انتقالية. وإذا كان علينا رؤيتها في
حالة غير مستقرة فدعنا نشهد حالة عدم الاستقرار هذه في ظل حرية أكبر. كما
أنه من الصواب أيضا الاعتقاد أن الولايات المتحدة وحلفاءها قادرون على
احتواء طموحات الصين ومساعدتها على البدء بمرحلة انتقالية من النظام
الشيوعي الى النظام الديمقراطي. ومن دولة خارج النظام الدولي إلى دولة ترضى
بالعيش داخل نظام دولي ليبرالي. ولا شك أن مخطط الصين نحو تحقيق الثروة
يعتمد على وجود مناخ أمني مستقر. كما أن مخطط الحزب للبقاء في الحكم يعتمد
أيضا على جعل كل فرد في الصين غنياً. بالإضافة إلى ذلك هناك فرصة جيدة
لبكين للالتزام بتغيير قيادتها. فالعالم الذي كان جيانغ زيمين يعرفه تغير
بشكل كبير كما تغيرت أيضا استراتيجية الصين القومية. وإذا كان لا يزال
يشكل حضورا مهما ويتمتع بقوة كبيرة في الحكم فإن جينتاوي الذي سيخلفه
سيتعين عليه التكيف مع حقائق دولية جديدة.
اللعب
على التناقض بين الصين وكوريا الشمالية :
يمكن
القول باختصار بأنه لا يمكن أن نتحمل أبدا استمرار تسامح الصين مع كوريا
الشمالية. لأن الصين لديها أسباب هي أيضا للخوف من ترسانة كوريا الشمالية
النووية. خاصة وان الحدود القارية التي بذلك جيانغ جهودا ديبلوماسية من أجل
ضمان أمنها أصبحت الآن محاطة بالقوات الأميركية. ولقد تحولت كوريا الجنوبية
ومنطقة أسيا الوسطى بسهولة وسرعة إلى النطاق الأمني الأميركي على نحو مندمج
جزئيا. أما في منطقة شرقي آسيا (حيث توجد منطقة الثقافة الكونفوشية) التي
لم تكن في الماضي إلا معادية لمبادئ الديمقراطية والغربية فقد بدأنا نشهد
الآن زوال عدد من الأحزاب السياسية والأوتوقراتطية المحلية هناك. ناهيك عن
التغيرات الكبرة التي حدثت في الصين الوطنية (تايوان) والتي عززت الشعبية
التي تمتع بها قادة الكومنتانغ. أما الهند فقد بدأت تسير نحو وجود جيل جديد
من القادة الذين تجاوزوا الحرب الباردة وحركة عدم الانحياز.
وفي الجانب
الآخر تغيرت الباكستان بسرعة هائلة بعد أحداث 11 أيلول. وإذا كان برويز
مشرف يسير الآن على خيط رفيع من بين الخيوط القوية ،ولم يعد له ما يقوله
بشأن حدوده الشمالية الغربية، فإن الغموض نفسه في إسلام أباد يمكن اعتباره
تحسناً بالمقارنة مع وضع الباكستان في التسعينيات.
ولا شك أن
الوضع الدولي الذي ساد بعد أحداث 11 أيلول ،والأمر الواقع الذي تولد عنه،
لا يشكل خيارا واقعيا للصين. مثلما لم يكن الخيار المفضل لدى بغداد. وإذا
كان الحزب الشيوعي الصيني يعتز بنفسه بسبب صبره ونظرته البعيدة للتاريخ
فإن خمسة الآف عام ماضية ربما تبرهن على تحرك واقع متسارع في ظل عالم يعيد
خلق ارتباطه من جديد. ولقد كانت الصين يقيناً مجرد مشاهد جانبي أثناء
المناورات حول الحرب الأميركية على العراق. وكانت قانعة بإعطاء فرسنا الدور
القيادي رغم أنها لم تكن ترغب علنا على الأقل بإلزام نفسها جديا بمشروع
إحباط إدارة بوش.
وعلى الرغم
من أن الصين يمكن أن تعرف ما يجري في كوريا الشمالي وما تقوم به هناك (وهو
ما لا أعرفه) إلا أن المظهر الخارجي يوحي بأن بكين لا تزال تكافح من أجل
التواصل مع سرعة الأحداث. لكن الصين التي تضع لنفسها خياراتها الاستراتيجية
في عالم ما بعد الحرب الأميركية على العراق يمكن لها حقاً التطلع إلى
إقامة علاقات عميقة مع القوى المعادية للولايات المتحدة الموجودة في الشرق
الأوسط الكبير .
سياسة
الاستظلال بالقوى العظمى:
إن
لبكين مصالح كثيرة وفديمة في المنطقة. و من أهم هذه المصالح ما يتعلق
بتعزيز النمو الاقتصادي الصيني. أي استيراد الطاقة والمزيد من الطاقة.
ويبدو أن قادة إيران لديهم أسباب كثيرة تدفعهم إلى البحث عن قوة عظمى
ترعاهم وتقوم بمهمة التصدي للهيمنة الأميركية في المنطقة. وهنا لا بد من
الاستشهاد بما يقوله برنارد لويس ف آخر كتاب له "أزمة الإسلام" حيث يرى أن
سياسة الحكام المسلمين في المنطقة تميزت بكسب ود الدولة العظمى التي تعادي
دولة عظمى أخرى. وذلك منذ غزو نابليون بونابرت عام 1798 لمصر وحتى الآن.
ففي الحرب العالمية الثانية تحالف عدد من الحكام مع ألمانيا النازية. وفي
الحرب الباردة تحالف آخرون مع الاتحاد السوفياتي. وما زال في الشرق الأوسط
من يميل إلى البحث عن حليف جديد في الحرب ضد الغرب ولا يهمه من سيكون هذا
الحليف سواء كان الصين أو أوروبا. وهنا لا بد من التأكيد على أن أي حلف بين
الإسلاميين وبين الشيوعيين في الصين ،حتى لو كان غير متين، يمكنه أن يؤدي
حقا ومع الزمن إلى تعقيد عملية توسيع فرض السلام الأميركي في العالم. كما
أن ذلك من شأنه في النهاية تشكيل دليل على وجود توازن حقيقي للقوى بالمعنى
التقليدي والحس الواقعي. ولهذا السبب ينبغي على الولايات المتحدة بذل كل ما
في وسعها من جهد من أجل منع حدوث هذا التحالف.
مأساة
نظام القطب الواحد:
إذا
كان من الصواب الاعتقاد أن في مقدور الولايات المتحدة تحقيق أهدافها
الاستراتيجية الطويلة المدى فإنه من الصواب التساؤل حول كيفية قيامنا
بتحقيق هذه الأهداف بطريقة آحادية لا تكون بمظهر يدل على أننا نفعل ذلك
لوحدنا. فالمطلوب منا خلق " آحادية" أصيلة تظهر فيها عدم الرغبة بتنفيذ
المهام إلا عبر ائتلاف واقعي. فمن الصعب تصور إمكانية قيام الولايات
المتحدة بالاحتفاظ بقيادتها للعالم دون التعرض لأخطار تنشأ عن صورة "تمددها
الإمبريالي" ما لم تشكل مؤسسات دولية جديدة. أو ما لم تخلق إصلاحات أساسية
في المؤسسات الدولية الراهنة على الأقل. فحتى القوة العظمى الوحيدة ستظل
بحاجة إلى شركاء استراتيجين معها.
وأن مأسسة
نظام القطب الواحد الأعظم الذي تخلق واشنطن مؤسساته لا يعد هدفا لا يمكن
تحقيقه. ولكي تبدأ الولايات المتحدة بتحقيق هذا الهدف علينا إدراك أن
الأميركيين يتمتعون بالخبرة في إنشاء المؤسسات الدولية التي ساعدت على حل
الأزمات أثناء فترة الحرب الباردة. وعلى الرغم من الفشل الحديث الذي تعرضت
له المنظمات الدولية مثل حلف الأطلسي "الناتو " والأمم المتحدة إلا أنه هذه
المنظمات أثبتت أنها تشكل وسيلة وأداة نافعة للسياسة الأميركية. وبالإضافة
إلى ذلك هناك الكثير من الدول التي تقبل بامتداد النفوذ والسلام
الأميركيين. فبريطانيا العظمى الشهيرة باتباع النظام الدولي الليبيرالي
،على غرارنا ، هي من الدول القليلة بعد الولايات المتحدة القادرة على شن
العمليات العسكرية في أنحاء العالم. وهناك دول أوروبا الشرقية الجديدة
والهند التي يعيش فيها ما يزيد على 120 مليون مسلم والتي لا تزال قلقة
تجاه بعض المسائل مع الصين والدول المهمة اقتصاديا في شرقي آسيا مثل
اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان واستراليا. ولا شك أن المصالح والمبادئ
المشتركة بين الولايات المتحدة وهذه الدول توفر أفضل قاعدة لتشكيل نظام
دولي أكبر من النظام الذي خلقناه بعد الحرب العالمية الثانية. وهذا النظام
سيتحقق فيه هدفنا العريض. ومثل هذا الحلف لا يشكل ائتلافاً أكثر ثروة
واتساعاً من أي حلف قبل خمسين سنة فحسب بل إن قائمة الدول التي يحتمل أن
تعاديه ستكون أضعف مما كانت تمثله قوة الاتحاد السوفياتي .
وإذا كانت
الصين تتمتع بإمكانية تحولها إلى الند العالمي للولايات المتحدة. وفي
مقدورها الآن تعقيد الاستراتيجية الأميركية في مناطق مختلفة إلا أن موازين
القوى العالمية تميل كفتها لصالح الولايات المتحدة. فما هي إذن نوعية
المؤسسات الدولية التي يمكن أن تساعد على خلق السلام الأميركي والمحافظة
عليه؟
إن أزمة
العراق تدل على عدم تناسب الأمم المتحدة وحلف الأطلسي للقيام بهذا الدور أو
تحقيق الهدف. والمعروف أن الأمم المتحدة قد تم تصميمها وبناؤها من أجل
حماية الدول المستقلة من تحديات الشيوعية الثورية. وهذا ما جعلها تسير وفق
آلية الترقب والتوازن بوجود حق النقض الفيتو لعدد من الأعضاء الدائمين في
مجلس الأمن. وكانت عاملاً مساعدا في تقييد التصرفات السوفياتية وحماية
النظام الليبيرالي في الغرب وحمل حلف الأطلسي نفس هذه المهام للوقوف في وجه
الخطر الذي يمثله الاتحاد السوفياتي وقوته العسكرية.
لكن أزمة
العراق أظهرت جلياً أن الأمم المتحدة وحلف الأطلسي وبنية كل منهما وفرا
شرعية لنظام صدام حسين وشكلا عرقلة أو تعقيدا في محاولة تحرير العراق وخلق
نظام سياسي جديد فيه. ولذلك يصبح المطلوب الآن في ظل النظام العالمي الجديد
للسلام الأميركي خلق المنظمات التي تحمل الشرعية في أهدافها وليس في
أعمالها وإجراءاتها. وهذا يستدعي إما إصلاح الأمم المتحدة أو القيام بإنشاء
منظمة بديلة تل محلها وتعطي قيمة للحرية أكثر من إعطائها قيمة للاستقرار.
وتكرس نفسها لمساعدة الشعوب على التحرر وضمان حرياتهم الفردية السياسية
بدلا من تحمل أنظمة القمع ولا بد من إنشاء حلف أطلسي جديد يحدد كتحالف يمكن
له ينشر قواته ويستخدامها في مهام جديدة من أجل تحقيق أهداف جديدة وليس
حلفا دفاعياً. ومن المطلوب أميركيا من أجل توسيع منطقة السلام الأميركي في
العالم القيام بتعزيز الروابط الدستورية العسكرية خارج أوروبا وبطريقة
تتجاوز العلاقات الثنائية التي سادت في الماضي. وعلى الإدارة الأميركية
البدء بتشكيل تحالفات عسكرية إقليمية أخرى تشبه إلى حد ما حلف الأطلسي في
مناطق أخرى تضم فيها دولا أخرى.
تعقيب
على التقرير / الدراسة
صدر هذا التقرير في نشوة الإحتلال الأميركي للعراق وقبل مواجهة الولايات
المتحدة لمشاكل جدية هناك. وها نحن نقرأه بصورة رجعية
بعد خمسة أشهر على صدوره لنجد فيه المثال على التزلف ومسح الجوخ للرئيس
بوش. هذا التزلف الذي يعتبره متخصصو علم النفس السياسي كواحد من أهم
التحديات التي تواجه أي رئيس أميركي. وهو تحد ينقلب الى الكارثية في حالة
بوش. فهذا المتدروش ،على يد الصوفي الطهراني بيل غراهام، يعتقد نفسه المسيح
المخلص. ويحتاج لإعتراف أكبر عدد ممكن من ماسحي الجوخ بمسيحانيته.
نحن نوافق ما يورده التقرير حول ضرورة تغيير نظام الأمم المتحدة ومعها حلف
الأطلسي. ولن ننساق الى معارضة هذه الضرورة لمجرد صدورها عن تقرير يميني
متعصب أميركي. فبمراجعة دور الأمم المتحدة في الأزمة العراقية لنجد أنها
شرعت حصاراً أميركياً لمدة 13 عاماً على الشعب العراقي. الذي كان المتضرر
الوحيد من الحصار. ثم جاء التصميم الأميركي على الحرب العراقية لتقف الأمم
المتحدة عاجزة كلياً عن التدخل لحماية دولة مؤسسة لها ومتحملة لعقوباتها
وقوانينها وحصارها الأميركي الصنع والإخراج. ثم وجدنا هذه المنظمة الدولية
تضطر لتشريع إحتلال العراق تحت وطأة الخوف من الفراغ والفوضى. وحصل
الأميركيون على القرار دون أن يوفروا كثيراً في حجم الفراغ والفوضى. أيضاً
وافقت المنظمة على رفع الحصار عن العراق وهو تحت إحتلال... الخ من قرارات
صادرة عن هذه المنظمة تحت ضغط تحولها المزمن الى واحدة من المؤسسات الفرعية
الأميركية. فهل نعارض بعد كل ذلك الدعوة الى ضرورة إصلاح هيكلية هذه
المنظمة ؟.
قد نعارض الاتجاه الذي يطرحه التقرير لهذا الإصلاح دون معارضة دعوة الاصلاح
نفسها. والأمر نفسه ينسحب على إصلاح حلف الأطلسي. الذي حوله تعديل 26 / 4 /
2003 من حلف دفاعي الى حلف هجومي يحمي مصالح دول الأطلسي. وهو التعديل الذي
إستغلته الولايات المتحدة في حرب كوسوفو وفي أزمة تيمور الشرقية لتعود
فتنقلب عليه وتتحداه في حربها على العراق. والأوروبيون أنفسهم تمردوا على
هذا الإستغلال وبدأوا العمل للخلاص من هذا التعديل الإنتقائي الذي يكاد
يحول أوروبا الى مجرد ضاحية أميركية.
أما عن عقيدة بوش فإننا لا نزال بحاجة لمن يشرحها لنا. فهل أصبح بوش منتجاً
لإيديولوجيا جديدة!؟. أم أنه وهم المسيحانية !؟. أم تراه أمل تسليم أميركا
الى الأثرياء من صناع السلاح وتحويل بقية الأميركيين والعالم الى عبيد !؟.
أو أن الأمر لايتعدى مسح الجوخ وإطلاق صفة العقيدة على مجموعة حماقات !؟. |