انقلاب ضد صدام

الدور المخابراتي في احتلال العراق

العراقيون أسوأ حالاً بعد الإحتلال

     

وكالة المخابرات المركزية والانقلاب الذي لم يحدث ضد صدام.

          في صحيفة واشنطن بوست الصادرة في 16/ 5/ 2003. تحدث الصحفي ديفيد أيغناتيوس عن علاقة وكالة المخابرات الاميركية بانقلاب لم يتم في العراق يقول أيغناستون: لقد توقع عدد من المسؤولين في المخابرات الأميركية والبريطانية أن تقوم قوات عراقية بحجم فرقة بالاستسلام فور انطلاق القوات الأميركية لغزو العراق. لكن هذا الاستسلام لم يحدث ولم تلجأ وحدات بهذا الحجم إلى القوات الأميركية المحتلة. وشكل هذا التوقع الخاطئ ضربة حقيقية للمخابرات الأميركية في حرب العراق. وهناك من يرى أن هذه الضربة لم تكن الوحيدة للسي أي أي خلال السنوات العشر الماضية في العراق. خصوصا في ميدان صنع انقلاب ضد صدام. ويكشف أيغناتيوس أن انقلابا أعدته ألسي أي أي قبل احتلال العراق باسم "دياشيليس" فشل أيضاً. وكان المسؤول عن إعداد وإدارة خطة الانقلاب الذي تقرر في عام 1996 تحت اسم دياشيليس هو ستيفين رختر الذي عينته الس أي أي مسؤولا عن قسم الشرق الأدنى ومحطات التجسس الأميركية فيه. وتشجع رختر ومعه ضابط سابق في الجيش الأميركي تولى قيادة الوحدات العسكرية الأميركية التي ستلعب دورا في ترتيب الانقلاب وبعث بتقرير متفائل حول نجاح خطته. اجتمع رختر لهذا الغرض مع الجنرال محمد عبد الله شاواني وهو قائد سابق للقوات الخاصة العراقية من التركمان الذين يعيشون في الموصل. وكان لهذا الجنرال العراقي أبنان يخدمان في الجيش العراقي معه. وحين أعد السي أي أي خطة السرية مع شاوني تدخلت المخابرات البريطانية وطلبت من مدير السي أي أي، الاتصال بعراقي يعيش في الجيش العراقي ولم يقطع صلته بهم.

 محاولة انقلابية فاشلة والحصيلة إعدام 80 ضابطا:

    أرسلت السي أي أي ضابطا مساعدا لرختر هو بوب بائير في عام 1995 من أجل ترتيب العمليات السرية المطلوبة في شمال العراق بموجب ما تقوله صحيفة واشنطن بوست 16/ أيار 2003 وكان أحمد شلبي صاحب الارتباطات القديمة الجديدة مع المخابرات الأميركية أحد أعضاء هذا الفريق من الشمال. وفي آذار 1995 بدأ الفريق بتنفيذ خطة الانقلاب الذي تم كشفه من قبل صدام وإحباطه لأن المخابرات العراقية كانت قد اخترقت بعض المنفذين من أتباع شاواني.

وتقول الصحيفة أن أحمد الشلبي انطلق من شمال العراق بعد فشل الانقلاب وعاد إلى واشنطن للاجتماع بجون دويتش (رئيس الوكالة) ونائبه جورج تينيت في ذلك الوقت ليخبرهما أن المخابرات  العراقية اعتقلت قبيل ساعة الصفر العميل المصري ضابط الاتصال السري مع شاواني وابنيه حين كان يحمل لهم إلى بغداد جهاز تلفون يعمل عبر الأقمار يطلق عليه "إينمارست" وعندما شك رئيس السي أي أي بصحة ما قاله الشلبي استعان الأخير بصديقه ريتشارد بيرل لإقناع دويتش. وفي حزيران 1996 أعلن رسيما عن فشل الانقلاب حين قام صدام بإلقاء القبض على مئتي ضابط عراقي أعدم منهم 80  بينهم أبناء الجنرال شاواني. وأتهم ضابط في السي أي أي أحمد الشلبي بارتكاب أخطاء تسببت بالكشف عن الانقلاب رغم أنه حذر السي أي أي بعد اعتقال العميل المصري.

وبعد أن استلم بوش الرئاسة الأميركية تكررت عملية استخدام شاواني الذي ظل يعيش في المنفى وكذلك أياد علاوي لإقناع ضباط عراقيين باللجوء إلى القوات الأميركية عندما تبدأ باختراق الأراضي العراقية لكن هذا لم يحدث أيضا في الأسبوعين الأولين للحرب الأميركية في العراق.

ويذكر ان ستيفين رخيتر من أكثر مسؤولي الس أي أي وضباطها خبرة في المنطقة. فقد عمل في باكستان بين عامي 1973- 1976 وفي إيران عام 1976 وبقي مسؤولا عن ملف إيران حتى عام 1989 وعمل في الهند ثم في مصر عام 1986 وأصبح مسؤولا عن ملف العراق ومحطة السي أي أي المختصة بالعراق منذ عام 1992 واتخذ من عمان مقراً له في ذلك الوقت بموجب ما تقوله نشرة نيم بيز Name base الأميركية الإلكترونية. لكن ضابط السي أي أي بوب باير الذي تولى التنسيق في شمال العراق يقول في كتاب عرضت بعض نصوصه وكالة آب سي نيوز الأميركية وفي مقدمته: في نهاية عام 1994 وجدت نفسي أعيش في الطائرات مسافرا من مكان لأخر، فقد اعتدت على الوصول إلى عمان الأردن بعد الظهر لانطلق نحو الفندق واستحم ثم أمضى ليلة وأنا أتحدث مع عراقي منشق على صدام ومع آخر مثله حول ما يمكن القيام به ضده. وأحيانا أواصل الاستماع  إلى هؤلاء العراقيين الى ما بعد منتصف الليل ثم تراني أعود إلى لانغلي فيرجينيا مقر السي أي أي وأدخل مكتبي وأظل فيه طوال النهار. لقد تعودت على هذه الحياة خلال عشرين عاما كنت أجول فيها في شوارع الشرق الأوسط بنفس السرعة .

انتشار الكتابات الإسلامية المعادية

وفي لندن كنت التقي ببعض من أعرف من العرب وأنطلق نحو المكتبات العربية حيث أجد الكثير من الكتب الإسلامية التي تتحدث عن العنف ومعظمها محظورة التداول في البلدان العربية. وسرعان ما أجدها حافلة بكراهية الولايات المتحدة من أولى صفحاتها. وثمة كتب لا تضع اسم مؤلفها أو دار النشر الرسمية التي صدرت عنها باستثناء عنوان أو صندوق بريد في ألمانيا أو بريطانيا. ولم أكن أتصور أن تصبح أوروبا هي موقع نشر هذه الكتب المعادية لنا رغم أن أوروبا حليفة لواشنطن.        

وحين كنت أسأل زملائي العاملين في السي أي أي مثلي في بريطانيا عما إذا كانوا يعرفون أي إجابة مفيدة. والطريف أن محطتنا في لندن لم يكن فيها من يتحدث العربية ويقرأها بل إن المخابرات البريطانية كانت تحظر علينا تجنيد إسلاميين من داخل بريطانيا عربا أو غير عرب، خصوصا من يحمل الجنسية البريطانية منهم.

وفي ذلك الوقت من أواسط التسعينيات كانت محطات الس أي أي في بون وباريس وروما مجرد ظلال خلفتها الحرب الباردة ولم يكن فيها من الضباط ما يكفي لمتابعة الجاليات العربية وأفرادها المعادين للولايات المتحدة. ولم تكن ظروف عملنا أفضل في بلدان الشرق الأوسط ففي العديد منها لم يكن لدينا سوى ضابطاً أو اثنين. وكان هذا لا يعجب الكثير من الضباط القدامى في اسي أي أي ، خصوصا وأن الوكالة وقعت في غرام التكنولوجيا والأقمار والإنترنت والتنصت والتعقب الإلكتروني  الحديث المتطور وبدأت تعتمد على المنشورات العلنية في استقاء المعلومات.

الوكالة والبيروقراطية والفشل في الشرق الأوسط

وفي عام 1995 عينت الوكالة رئيسا لقسم العمليات في السي أي أي ،وهو القسم المهم في علميات التجسس، لم يعمل سابقا في الشرق الأوسط ولم يكن سوى موظف في التحليل فقط.لذلك لم يكن من المفاجئ أن لا يكون لنا أي مصدر معلومات شرق أوسطي في مدينة هامبورغ حيث كان يعمل محمد عطا. وهو أحد المشتركين في تفجيرات 11 أيلول واحد الذين جندوا من قام بعملية التفجيرات.

وفي نص آخر يقول بوب بائير: إن كتابي هذا يمثل قصة عن أماكن لن يسافر إليها معظم الأميركيين وعن أناس لا يعتقد معظم الأميركيين أن علينا عقد الصفقات معهم. إنه من ذاكرتي رغم إنني في الوقت نفسه سأمتنع عن ذكر بعض التفاصيل الخاصة لأن كل ضابط في السي أي أي عليه التوقيع على تعهد يعطي الحق للوكالة بمراقبة كل ما ينشره. فلقد خدمت في السي أي أي ما يقرب من ربع قرن وأنا اعتقد أن ماحدث في 11 أيلول لم يكن مجرد غلطة واحدة بقدر ما كان نتيجة لسلسة من الأخطاء. فالألمان والبريطانيون والفرنسيون والسعوديون جعلونا نفشل رغم أن معظم الفشل كا بسببنا نحن. لكن على الأميركيين معرفة أن ما حدث داخل السي أي أي لم يكن بالصدفة وبالحظ لأن السي أي أي تم تدميرها بشكل منظم عن طريق عوامل عدة. وأنا ممن يشعرون بالغضب والسخط لذلك. بل أعتقد أن علينا جميعا  الشعور بالسخط لأن المسافرين في رحلة طيران يوناتيد إيرلاينز رقم 93 شكلوا الخط الدفاعي الأول في أحداث 11 أيلول وليس وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي وغيرها من مؤسسات ندفع الضرائب من أجلها.

لقد قال لي أحد الصحفيين بعد انتهائي من هذا الكتاب في عام 2001 أن أحد كبار المسؤولين في السي أي أي أخبره سراًُ أنه عندما يزول الغبار  في النهاية سيرى الأميركيون أت تفجيرات 11 أيلول شكلت أكبر انتصار لوكالة المخابرات الأميركية وليس أكبر فشل. إذا كان هذا سيمثل التفكير الرسمي للمخابرات في الحرب ضد أسامة بن لادن فأنا سأشعر بمزيد من السخط والغضب لأنني خائف حتى الموت مما يمكن أن يظهر فيما بعد ومن المستغرب  أن يقول بعض المحللين السياسيين المختصين بشؤون المخابرات إن الانقلاب المذكور والفاشل ضد صدام تم إفشاله عمدا تمهيدا للغزو المسلح للعراق وانتظاراً لمضاعفاته التي تفوق حجم نجاح الانقلاب.

الدور المخابراتي في احتلال العراق

فضيحة المجندة جيسيكا تشرشح الإعلام الأميركي المتواطئ . 

ازدادت أخير التحليلات التي تتحدث عن فشل المخابرات المركزية  الأميركية في العثور على أسلحة دمار شامل أو في إثبات وجودها في العراق قبل احتلاله وبعده، والحقيقة أن السي أي أي لم تفشل في مهمتها الجوهرية وهدفها لأنها كانت تعرف جيداً بعدم وجود أسلحة كهذه. لكنها كانت معنية في الوقت نفسه بإقناع العالم والرأي العالم الأميركي والحليف بوجودها لكي تخدم هدف الرئيس بوش وسياسة تبرير احتلال العراق التي تبناها. وقد تجلى الدور الآخر الذي لعبته السي أي أي في مجال تسهيل مهمة  قوات الغزو الأميركية ومساعدتها في إحكام السيطرة على أهم مراكز القوة في العراق بالسرعة الممكنة عن طريق عملائها واتصالاتها. ومن بينهم عدد مهم من قادة الجيش والنظام في العراق قبيل وأثناء الغزوالعسكري وإغرائهم بالاستسلام. ولم يكن استخدام القوة العسكرية المفرطة ونوعها وانتشارها على أكبر مساحة محيطة بالعراق يعود إلى تقديرات أميركية باحتمالات وقوع معارك طويلة وشرسة بقدر ما كان يعود إلى استعراض القوة الأميركية أمام دول العالم وانتشارها في العراق لصالح مخطط يتجاوز العراق والمنطقة أيضا.  وكان فيل برينان من المجلة الإلكترونية نيوز ماكس أيار 2003 قد ألقى ضوءاً على دور السي أي أي المهم والمؤثر في اختصار المجابهة العسكرية العراقية الأميركية إلى عدة أسابيع ودون خسائر بشرية كبيرة من الجانب الأميركي. يقول برينان : ولم يكن الانهيار غير المتوقع والسريع لنظام صدام وجيشه نتيجة للحظ الذي حالف واشنطن أو للقوة العسكرية البشرية الضخمة التي عرضتها على ساحة المعركة قدر ما كان معظم أسبابه نتيجة للدور الذي نفذته السي أي أي  واتصالاتها عبر أجهزة الهواتف الخليوية مع عملاء قاموا بدورهم بإقناع وإغراء العديد من قادة الجيش العراقي بالإستسلام مقابل فوائد شخصية كثيرة لهم ولعائلاتهم. وقد تضمن المخطط العسكري لغزو العراق إرسال عدد من العملاء العراقيين ممن ربطتهم صلات واتصالات مع بعض قادة الجيش والنظام إلى بغداد، مجهزين بهواتف خليوية للقيام بمهام كثيرة منها القيام بهذه المهمة أيضا. ويشير  برينان إلى صحة الأنباء التي نشرتها إحدى الصحف اللبنانية التي استندت إلى مصادر موثقة حول هذا الدور وتفاصيله ونتائجه.

تنسيق استخباراتي لتقليل الخسائر

   ومنذ انطلاق قوات الغزو كانت عناصر المخابرات العسكرية الأميركية تنسق مع السي أي أي ورجالها في ترتيبات استسلام ولجوء  الكثير من جنرالات الجيش العراقي من أجل تقليل عدد الضحايا الأميركيين الذي قد يسقطون في هذه الحرب. وفي24 آذار ذكرت الصحيفة الأميركية يو أي تودي أن مسؤولين في المخابرات الأميركية أجروا اتصالات مع عدد من الجنرالات العراقيين لوعدهم بالمحافظة على سلامتهم وإعطائهم حق اللجوء إلى الولايات المتحدة بل وإعادتهم إلى الحكم إذا ما تعاونوا مع قادة الجيش الأميركي وسلموا قواتهم وقاموا بانقلاب على صدام أثناء الحرب. وكشفت الصحيفة أيضا أن رجال السي أي العراقيين والأميركيين تم إدخالهم سرا إلى العراق منذ كانون الأول عام 2002 للإعداد لهذه المهام والاتصالات. وذكرت مصادر في البنتاغون والسي أي أي أن هذا النشاط تولد عنه تجنيد مسؤول مهم داخل حلقة حكم صدام نفسه زود قيادة الجيش الأميركي بمعلومات مهمة حول تحركات قادة العراق ونشاطاتهم. وكلفته المخابرات بوضع قائمة تشير إلى أسماء الضباط الكبار الذين يمكن أن يتعاونوا مع مخطط استسلام الجيش بعد الغزو العسكري. وذكرت الصحيفة الأميركية أن بوش أجل موعد شن الغزو بانتظار استكمال المعلومات المخابراتية حول هذا الدور الذي طلب من السي أي أي القيام به. ففي البداية وقبل شن الحرب ظهرت ممانعة شديدة من بعض الضباط وقادة الجيش العراقي ثم تجددت الاتصالات مع هؤلاء العراقيين أثناء الغزو وبعد أيام ظهر تجاوب الكثير منهم.  وكان رامسيفلد وزير الدفاع نفسه قد أشار إلى هذا الدور البارز في أواخر آذار حين رد على سؤال يتعلق بهذا الموضوع قائلا جرت اتصالات من هذا النوع قبل أسابيع وأصبحت مكثفة الآن.

أجهزة خليوية متطورة للمستسلمين:

وكشفت صحيفة "يو إس تودي" في الوقت نفسه أن المختصين بهذه المهمة من أميركيين وعراقيين لا يعرفون عددا من الجنرالاات العراقيين الذي طلب منم التعاون فحسب بل يعرفون أرقام هواتف منازلهم ومكاتبهم في مختلف المواقع. ووزعت السي أي أي عدداً كبيرا من أجهزة الهواتف الخليوية المرتبطة بالأقمار على العملاء لوضع قسم منها في خدمة من يتعاون من الجنرالات وطمأنته على الامتيازات التي سينالها بعد تعاونه واستسلام قواته. وكان لبعض الجنرالات والمسؤولين العراقيين أقارب في الخارج جرى استخدامهم لهذا الغرض أيضا ونجح العديد منهم بترتيب صلة بينهم وبين مسؤولين في السي أي أي . وهذا ما يقود إلى صحة المقال الذي نشره وليد رباح تحت عنوان الصفقة في نيسان الماضي في إحدى الصحف العربية وكشف فيه ما تعهدت القيادة العسكرية الأميركية بتقديمه إلى الحرس الجمهوري وقادته وعدد من قادة الفرق التي ترتبت عملية استسلامها والتخلي عن صدام.

وفي مستهل نيسان قبل سقوط بغداد الرسمي والمعلن ازدادت مخاوف قيادة الجيش الأميركي من احتمالات عدم توقف المعارك أو ازدياد  مضاعفاتها على الجيش الأميركي. خصوصاً بعد عرض الأسرى الأميركيين والأثر النفسي والمعنوي السيئ الذي خلفته على القوات الأميركية داخل العراق. بالإضافة إلى هذا ظهر  بعض التردد على بعض قادة الجيش العراقي الذين توقعت السي أي أي تعاونهم في تلك الفترة الحرجة. لذلك قررت  وزارة الدفاع بالاتفاق مع المخابرات العسكرية و "السي آي آي" الى ابتكار عملية تعيد التوازن المعنوي للجيش الأميركي وتدفع الضباط العراقيين الذين ترددوا إلى  التعاون مع قوات الغزو.

فضيحة مسرحية خطف الكوماندوس الأميركي للمجندة الأميركية لينش.

في 2 نيسان الماضي سارعت جميع وسائل الإعلام الأميركية إلى نشر ريبورتاج مثير حول قيام وحدات من الكوماندوس الأميركية العاملة في العراق بإنقاذ المجندة الأميركية جيسيكا التي أسرت ووضعت في أحد مستشفيات بغداد للمعالجة بعد إصابتها بجراح. واستندت المصادر الأميركية التي عممت هذا الريبورتاج على أحاديث رجال الكوماندوس أنفسهم وعلى ما شاهده مواطنون عراقيون داخل المستشفى الذي قيل إن جيسيكا خطفت منه وأعيدت إلى المواقع الأميركية في العراق. واليوم تقول صحيفة "هيرالد تريبيون" (13/6/2003) إن وكالة الأنباء البريطانية "بي بي سي" نشرت قبل وقت قريب وثيقة مؤكدة حول "فبركة" وزيف هذه العملية من قبل البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية). فالحقيقة هي أن المستشفى الذي كانت جيسيكا داخله في بغداد كان خالياً من أي جندي عراقي لأن الجيش العراقي انسحب من كامل منطقته قبل أيام من القول بأن جنود الكوماندوس الأميركيين اقتحموه بعملية عسكرية صاعقة وحملوا منه زميلتهم الجريحة وحلقوا بها في مروحية نحو المواقع الأميركية. لكن البنتاغون والمسؤولين فيه وزعوا على وكالات الأنباء قصة كوماندوس يهبط من مروحيات ويطلق النيران ويقتحم أبواباً ويفجر مواقع حراسة على غرار أفلام جميس بوند، ثم يحمل المجندة على نقالة ويختفي من داخل بغداد وجوار المستشفى الذي يحيط به آلاف الجنود العراقيين!؟.

وتبين كما ذكرت "بي بي سي" أن إدارة المشفى العراقي أبلغت الجيش الأميركي بعد انسحاب الجيش العراقي من جواره ومن بغداد عن وجود جيسيكا وفتحوا لمن جاء لنقلها الأبواب. لكن البنتاغون قرر تصوير هذه العملية بشكل مسرحي وكأنه فيلم مثير. ولم يكتف البنتاغون و "السي آي إي" بهذا الجانب من المسرحية، بل ذكر أن جيسيكا كانت تخضع قبيل إنقاذها للتعذيب والطعن والاغتصاب ثم تبين أن جراحها البسيطة كانت بسبب تدهور عربة عسكرية كانت داخلها ولم تظهر عليها أي آثار من هذا الوصف الخيالي السينمائي الأميركي.

ويقول كارل نويس في صحيفة "مينيسوتا ديلي" (11/6/2003)؛ "صور البنتاغون ما تعرضت له جيسيكا على نحو يراد منه إرهاب العرب الأميركيين وإبراز بطولة الإنقاذ الأميركي العسكري في قصة خيالية تبين أنها مجرد أكاذيب".

وسقطت مجلة "نيوز ويك" الشهيرة في هذا الخيال حين نشرت كل ما ذكره البنتاغون كحقائق لا جدال فيها لتدفن وجهها في الرمل في ما بعد على غرار عشرات القنوات التلفزيونية والمجلات الأميركية التي جعلت من هذه المسرحية قصة ملهمة لأفلام هوليوود.

وربما كان الجنرال فانسنت بروكس أكثر من خشي من كشف هذه الدراما الوهمية حين استخدم عبارة "إن جيسيكا أعيدت إلى مواقعنا" ولم يستخدم عبارة "أنقذت" بل واعترف في مستهل عرضه بعدم وجود مقاومة داخل المشفى لكنه أراد التكامل مع مسؤوليه فقال أيضاً "جرت معارك وعمليات إطلاق نار أثناء اقتحام المشفى!؟".

العراقيون والأفغان أسوأ حالاً مما كانوا عليه قبل الاحتلال الأميركي.

حين  قامت القوات الأميركية باحتلال أفغانستان ارتكبت عدداً من جرائم الحرب تحدثت عنها الصحافة والإعلام جرت في أحد السجون وفي بعض المدن، وانتهى الأمر عند هذا الحد دون أن يتقدم أي من الأفغان بشكوى رسمية إلى إحدى المحكمتين اللتين يمكن لهما اتخاذ الإجراءات القضائية تجاه المسؤولين عن تلك الجرائم.

وبعد حرب أفغانستان توجهت القوات الأميركية نحو العراق ودخلت بغداد وارتكبت كعادتها جرائم حرب واضحة كالشمس فيها وفي غيرها من المدن العراقية. لكن المثقفين العراقيين وذوي ضحايا هذه الجرائم سارعوا للتوجه إلى المحكمة البلجيكية المتخصصة في مقاضاة من يرتكب جرائم الحرب الدولية على غرار ما قام به الفلسطينيون من ضحايا مذابح صبرا وشاتيلا تجاه شارون.

وبسبب جدية الشكوى العراقية التي يتداولها الآن القضاة في محكمة بروكسل لجرائم الحرب ضد البشرية، اضطرت القناة الفضائية الأميركية (سي إن إن) المنحازة لبوش إلى عرض عدد من الآراء حول مدى جدية ما يقوم به العراقيون ضد القوات الأميركية المحتلة وقائدها الجنرال تومي فرانكس

ففي برنامج خاص ضمن زاوية (سي إن إن) انترنيشنال) يقول مقدم البرنامج إن شكوى قضائية رسمية قدمت ضد تومي فرانكس في محكمة بلجيكية مختصة لمحاكمته بارتكاب جرائم حرب وأن محامياً بلجيكياً يمثل عائلات الضحايا العراقيين الذين أصيبوا بالقنابل العنقودية وبنيران وجهتها القوات الأميركية إلى سيارات الإسعاف العراقية. وبمجرد إعلان المحكمة البلجيكية عن هذه القضية العراقية، سارع عدد من المسؤولين الأميركيين إلى تهديد الحلف الأطلسي بممارسة الضغوط على بلجيكا (مقر الحلف) وبضرورة إنهاء هذه القضية لتجنب مضاعفات وردود فعل أميركية حادة.

ويدافع المحامي البلجيكي ممثل عائلات الضحايا العراقيين عن جدية هذه الشكوى قائلاً في مقابلة مع (سي إن إن) : "إنها جدية ترى ما لدينا من حقائق ستضطر إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة.

فقد خرق المتهمون في الجيش الأميركي مواثيق جنيف بشكل سافر. ولدي ثلاثة أمثلة تدل على ذلك: الأول هو إطلاق النار على سيارات الإسعاف وقتل من فيها. وهناك أمثلة أخرى جرى فيها إطلاق نيران على مدنيين في مواقع غير عسكرية ولا تحمل أي تهديد، ثم هناك قضية قصف مكتب قناة الجزيرة وقتل الصحفي فيه، وهناك قضية استخدام القنابل العنقودية المحرمة وقتل المدنيين بواسطتها. ولدينا ثلاثة أطفال عراقيون ظهرت في أجسادهم دلائل على  قصفهم بهذه القنابل، ما أدى إلى إصابتهم بجراح صعبة".

وزير الخارجية البلجيكي بين ناري الداخل وأميركا.

وكان وزير الخارجية البلجيكي لويس ميشيل قد ارتبك في البدء حين سئل عن مدى موافقته على إجراءات مقاضاة قائد القوات المحتلة وأعلن أن ما تقدم به المحامي البلجيكي يعتبر "استغلالاً سيئاً للقانون". لكن المحامي جان فيرمون أكد بعد هذا التصريح أن ميشيل تسرع وسوف يعيد النظر في ما قاله بعد الاطلاع على  دلائل الإدانة لأنه بعث نسخة من لائحة الاتهام له.

ومع ذلك ظهر خوف جدي في أوساط قيادة الجيش ووزارة الدفاع الأميركية من مثل هذه الإجراءات التي قد تشجع بنظرهم العراقيين على تقديم المزيد من الشكاوى. ففي نفس برنامج (سي إن إن انترنشينال 17/5/2003) حاول ستيوارت بيكر المستشار القضائي في "وكالة الأمن القومي الأميركية السخرية من هذه الشكوى وقال إن الولايات المتحدة عارضت محكمة تعد أكبر من المحكمة البلجيكية وهي محكمة الجنايات الدولية ومقرها هولندا.

واعتبر بيكر أن ما يجري مجرد حملة سياسية ذات أهداف سياسية تشنها الدول التي عارضت الحرب الأميركية على العراق، وأن واشنطن تتوقع مثل هذه الحملات بعد احتلالها للعراق. وأعرب بيكر عن الاعتقاد بأن إدارته ربما تنجح في إقناع بلجيكا بإسقاط هذه الدعوة القضائية. ويبدو أن بيكر أدرك خطورة مثل هذه الدعاوى وتأثيرها داخل العراق وضد القوات الأميركية فيها فاقتراح على المحامي البلجيكي عرض ما لديه من دلائل على السلطات العسكرية القضائية الأميركية قبل رفعها للقضاء البلجيكي. ونفى المستشار القضائي الأميركي مع ذلك وجود جرائم حرب ارتكبها الجيش الأميركي في العراق. وقال إن تومي فرانكس هو المسؤول الأعلى للقوات وإذا ما ارتكبت جرائم حرب حقاً فإن هذا سيعرضه للمسؤولية، لكن هذه الأعمال لم ترتكب بنظره.

ومنظمات أميركية تؤكد الانتهاكات.

لكن الصحافي المحامي فرانسيس بويل وهو أميركي أيضاً يؤكد وجود دلائل أميركية مستقلة على استخدام القنابل العنقودية ضد العراقيين المدنيين في بغداد وأن منظمة أميركية لحقوق الإنسان لديها أدلة جلية على ذلك، وهي قامت بإدانة هذا العمل. 

وطلب بويل من وزارة الدفاع الأميركية تحديد الشخص الذي أعطى الأوامر باستخدام هذه القنابل الوحشية ضد المدنيين. ورفض بويل اتهام فيرمون محامي الضحايا العراقيين بوجود دوافع سياسية تحركه ضد الأميركيين بل إنه اتهم الجنرال فرانكس بنوع من التواطؤ لأنه أعلن في بيان رسمي عن مسؤولية القوات الأميركية في حماية المدنيين في بغداد، ومع ذلك لم يحدث ما يدل على حمايتهم. واستشهد بويل بأعمال السلب والنهب التي جرت للمنشآت المدنية العراقية بتشجيع من القوات الأميركية نفسها وأمام عدسات القنوات التلفزيونية، واعتبر أن هذه أدلة ثابتة على ارتكاب جرائم حرب أيضاً.

وترى مصادر قضائية دولية أن الإدارة الأميركية لم تشكل أي لجنة تحقيق حول هذه الخروقات والمخالفات ولذلك يصبح أي إجراء قضائي تتخذه المحكمة البلجيكية بهذا الشأن قانونياً.

ويقول بويل، وهو من كبار رجال القانون الأميركيين والبروفسور في جامعة إيلينوي، إن القوات الأميركية ملزمة في كل حرب تشنها بعدم مخالفة ثلاثة أنظمة يقرها الجميع وخصوصاً الولايات المتحدة وهي "أنظمة وقواعد "هيغ" هولندا الصادرة في عام 1907، ومواثيق جنيف (1949)، والنظام العسكري الصادر باسم "آرمي فيلد مانوال، (اللائحة الداخلية للجيش) رقم (27-10) وجميعها تدين الجيس الأميركي بارتكاب مخالفات في العراق.

الإدارة الأميركية تغوص في وحول أفغانستان والعراق.

وما بين أفغانستان والعراق لا تزال إدارة بوش تغوص في وحول لا يقدر أحد موعد الخروج منها. وإذا كان رامسفيلد قد أعلن قبل أسبوعين فقط أثناء زيارته للدول المحتلة من قبل قواته أن أفغانستان وصلت إلى درجة الاستقرار والبناء فإن واقع الأمر الآن يدل على أن حكومة قرضاي غير مستقرة وتحكمها النزاعات والتنافس على  السلب. وبالإضافة إلى ذلك، تقول منظمة مراقبة حقوق الإنسان الأميركية حديثاً إن الأفغان لا يعيشون أي حالة أمن واستقرار بل إن وضعهم قبل سنة كان أفضل من وضعهم الآن، وثمة مقاومة مستمرة ضد الوجود الأميركي لا يبدو لها حل في الأفق المنظور.

وفي الآونة الأخيرة بدأ المسؤولون الأميركيون يحذرون من عدم تشكيل حكومة عراقية أياً كانت لأن العراق لن يكون طيّعاً أمام أي مشروع. فالعراقيون باسم حقوق الإنسان والديمقراطية نفسها يمكن أن يشكلوا أكبر الأخطار على الوجود الأميركي كله في منطقة الخليج التي لا تعرف