المركز العربي للدراسات المستقبلية
 

   مقالات الدكتور جيمي بيشاي

   
الرئيس جورج بوش والإبن الضال إرث الاستشراق باق بعد رحيل إدوارد سعيد
   

 

الرئيس جورج بوش والابن الضال:

PRODIGAL SON REVISOTED 

د.جيمي بيشاي

 تحية الإعجاب والتقدير للباحثين في " سيكولوجية الحروب العربية " وهي أيضا "سيكولوجية الحروب الأميركية " إنه عدد متميز من مجلة الثقافة النفسية المتخصصة. وهو وجدير بأن يكتب بماء الذهب أو الشموع المضيئة وفيه مقال الدكتور يحي الرخاوي " الثورة المجنونة" أثار في نفسي السؤال: من هو المجنون؟.

" من الذي رمى بالشوك في مضجعي ، فنبت مكلوم الحشا موجعا؟

للشاعر علي الجازم في قصيدته عشية قيام الحرب العالمية. من هذا المجنون الذي يريد تغيير خارطة المنطقة وثوابت ثقافاتها بقوة التدخل العسكري الذي يتحدى الشرعية الدولية ؟ إن أكثر المعلقين السياسيين في الولايات المتحدة يصفون الرئيس بوش الابن بأنه القائد الأوحد الذي بز والده في السعي نحو تحرير البشرية والعالم العربي على وجه أخص من الإرهاب الذي شنته القاعدة ومن صدام حسين الذي يهدد العالم بأسلحة الدمار الشامل. وكمواطن أميركي من أصل عربي أشعر بأن الوضع بحاجة إلى تفكيك لشخصية هذا المجنون وهل هو الابن الضال كما ورد في الكتاب للقدس في سفر لوقا 15- 11 وذلك لأن هذه القصة كان لها تفسير خاص في عقلية اليمين المسيحي الذي اعتنقه الرئيس بوش بعد فترة ضلال وسكر وعربدة في شبابه الجامعي، ولكنه تاب وحدث له غسيل مخ قد يؤدي لعقدة لأبن الضال.

سياسة جورج ووكر بوش:

إن الرئيس  بوش وقد فاز بالانتخاب "عفواً " أصبح من أشد مناصري  ضعاف النفس وشاركهم بالتعتيم على الأهداف الحقيقية للحرب. ولتسويقها عبر الحرب النفسية أو الدعاية لها كما ورد في مقال الدكتور محمد حمدي الحجار سيكولوجية  الحرب النفسية الأميركية.

باستطاعة أساليب الدعاية الشاملة MASS MEDIA  إرهاب الشعب الأميركي وتبرير الحرب ضد صدام الذي صورته الدعاية على أنه يخطط لقتل الأميركيين، بالتعاون مع تنظيم القاعدة. وأقنعته بأنه هيئة الأمم المتحدة عاجزة عن حل هذه المشكلة ويحاول جورج بوش أن يكون هو المخلص الذي يحل كل مشاكل كل العالم.

ثم طالعت مقال الدكتور عبد الستار إبراهيم: بكاء أفهمه.... وبكاء لا أفهمه: عندما بكى الكبيسي وعندما بكى بوش" . حيث يقدم دراسة شاملة لكلمات ما نعرفه عن زعماء مثل مارتن لوثركنج " أرى الغد وأملك الحلم" وشارل ديجول " أنا فرنسا وفرنسا أنا".

وعبد الناصر " كتب علينا القتال ولم يكتب علينا الاستسلام " وكلمات  قيلت في الوقت المناسب، ومن الشخص المناسب وفي المكان المناسب.

والدكتور عبد الستار يشير بذلك إلى وحدة الزمن المعاش التي يلزم  أن يتعامل بل في الدراسات النفسية لتفكيك النص، والبكاء أيضا هو نص يمكن تفكيكه والتفكيك في المفهوم ما بعد الحداثي هو التحليل النفسي.

والعلاقة بين انخداع النفس وديمومة العلائم المرضية سواء كانت هستيريا أو صدمة نفسية PTSD للتفكك بحاجة بدون الاعتماد على نظرية مسبقة. أي أن التفكيك لا يقتصر على تحليل جنسي لعقدة الأب Oedipn’s Complex مثلا كما فعل فرويد في تحليله شخصية الرئيس الأميركي Wilson  ولسون. الذي عربه الدكتور محمد النابلسي ونشره مركز الدراسات النفسية تحت عنوان: " التحليل النفسي للرئيس الأميريكي وودرو ولسون ". ووجدت نفسي بحاجة لمراجعة كتاب النابلسي عن تحليل " الحرب النفسية في العراق" ووجدت أوجه شبه واضحة بين تحدي ولسون لعصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى وتحدي بوش الابن،  لهيئة الأمم المتحدة حاليا. وربما استطاع كليمانصو الفرنسي أن يكشف القناع عن العقد النفسية في شخصية ولسون في حين لم يستطع شيراك أن يصمد أمام التهديدات الاقتصادية الأميركية وحاول أن يجامل بوش وأن يعترف بالأمر الواقع بانهيار الحكم الشرعي للعراق.

 يقول الدكتور عبد الستار أن بوش يكن عندما رحب بالجنود الصغار الذين عادوا بعد تحقيق النصر،وأنه أحتار في تفسير السبب في هذا البكاء. ثم يتساءل هل هي نشوة النصر أم يقظة الضمير والإحساس بالمأساة التاريخية التي ارتكبها في حق المسيرة الحضارية الإنسانية التي هزت ضمير العالم؟. أنا أنظر لهذا البكاء سواء أكان بكاء حقيقيا أم ملفقاً على أنه نص بحاجة  لتفكيك بدون مسبقات نظرية سواء أكانت هذه المسبقات دينية أو نظرية على أسلوب التحليل النفسي. ولكن وبالاستعانة بالأساطير والقصص الديني يمكن مراجعة كل ما أوردته شبكة الانترنيت عن قصة الابن الضال"  ،وهي تتعدى المائة راجعت عشرة منها، ولعل أهمها بحث أوردته شبكة التحليل النفسي عبر مقال في 14 صفحة بعنوان Oedipus the prodigals  عدد إبريل 28(2) 213 227 بقلم كالتبين هما PAROEKIS F HASEGELLL .وقبل الموازنة بين صدمة بوش بعد حرب العراق وصدمته الأولى بتهديد والده بحرمانه من الميراث إذا لم يكف عن شرب الخمر يحسن إيجاز القصة في سطور قليلة، " إنسان كان له ابنان الأول أنفق نصيبه من الميراث في العبث مع الزواني " حتى جاع وكان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله فلم يعطه أحد ما يسد جوعه من الخرنوب. فرجع إلى نفسه وقال أقوم وأذهب إلى أبي وأقول له يا أبي: " أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقا بعد أن  أدعى لك أبناً ".

ورحب به الأب ترحيباً واسعاً واغتاظ من الابن الأصغر الذي كان يعمل في حقل أبيه ولم يغادره أبدا وقال لأبيه" ها أنا أخدمك منذ سنين هذا عددها وقط لم أتجاوز وصيتك وجدياً لم تعطني قط لأفرح مع أصدقائي. ولكن لما جاء ابنك هذا الذي أكل معيشتك مع الزواني وذبحت له العجل المسمن فقال له: يا بني أنت معي في كل حين وكل ما هو لي فهو لك، ولكن ينبغي أن نفرح ونسر لأن أخاك هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد.

وهناك تفسيرات كثيرة  لهذه القصة، والتفسير الغالب في اليمين المسيحي أنها تمثل محبة الأب وأن رحمة الله تتسع للخاطئ  إذا تاب، وهو تفسير معقول في نطاق اللاهوت المسيحي، الذي يقول هكذا أحب الله العالم حتى أرسل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من آمن بالأب.

ولكن التحليل النفسي الجديد وفق أسلوب لاكان ( Lacan.J ) مثلاً يدخل في صميم فقه الله ويفكك مفهوم الأب ولغته. ومفهوم الموت (كان ميتا فعاش ، مفهوم مسيحي للقيامة). ومفهوم العلاقة بين لغة الأب ، العالم العليم مسبقاً، ولغة الإبن الذي كان ضالا فوجد. وهذه العلاقة أشبه بعلاقة الأب القديمة بالابن الأكبر في الدراسات الأنثروبولوجية التي أبرزها فرويد في عرضه لمفهوم عقدة أوديب.

خطر على بالي هذا الخاطر أثناء مشاهدة عناق وتماسك الأيدي Holding hands  بين الوالد بوش وبوش الابن أثناء حفل تأبين ضحايا 9/11 في كاتدرائية واشنطون. كان بوش الابن أقل المتحدثين إقناعا وطلاقة في لسانه. واعتاد الأميركيون التغاضي عن تعثره وأخطاءه اللغوية. ولكن هذه العثرات اللغوية التي تميز بها جورج بوش الابن أضفت عليه سمة الرئيس الملهم. بخلاف والده الذي كان لا يتعثر في كلامه ولكن الأميركيين رفضوه وأسقطوه في الانتخابات عام 1992 واختاروا بأغلبية  ساحقة كلينتون صاحب اللسان المعسول. ولم يشأ بوش الأب أن يعلق كثيرا على علاقته بابنه ولكنه أشار إليه مرة كأبن أو OUR BOY كما أنه كان يثور  في كل مرة يعلق فيها النقاد على لباقة كلينتون في الكلام ومقارنته برطانة بوش المعيبة في الخطاب. وهدد كلينتون في أحد المرات بأنه إذا انتقد ابنه مرة أخرى فإنه أيضا سوف يفضحه في علاقته بمونيكا،  هناك إذاً إعتراف ضمني لم يصرح به بوش وهو اعتراف الأب بأن الابن GW جورج ووكر لا يزال شابا فجاً لا يعرف الكلام. وأن الأب ، لأنه هوGHW جورج هربرت ووكر وليس جورج ووكر، وراء إبنه. ولكن هيهات أن يصل سليط اللسان كلينتون ،ابن الممرضة، إلى مستوى جورج هربرت سليل آل بوش الكرام BRAHMIN  أو البراهمة. والصراع للسيطرة واضح من هذا السياق. حيث قصة الابن الضال قابلة للتفسير من وجهة النظر التالية بالنسبة للابن. بمعنى أن الهداية ممكنة إذا اعترف بالخطأ وأن رحمه الأب تتسع للمذنب متى اعترف بالذنب. 

أما من جهة الأب فإنها تؤكد هيمنة الأب على الابن. وإذا كانت هذه السيطرة قد تزعزعت بسبب ثورة الابن على أبيه وتبديده ثروته. فإنها ثورة لعاجز عن الاستقلال عن أبيه. وبالتالي فهي تزعزع الشعور بالثقة بالنفس، وتعمق مشاعر الذنب ويصبح البكاء الطبيعة لكل سلوك سواء كان النصر أو الهزيمة. والواقع حاليا يشير إلى صدمة كثيرة الشبه بصدمة فيتنام. لأن العراق لم يرحب بمقدم القوات الأميركية ووقع بوش الابن تحت وطأة حرب استنزاف  تهدد ثقة الشعب الأميركي  بالرئيس الملهم.

ولعل بوش الابن الآن يراجع نفسه ويقول ما قاله الابن الضال: أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقا بعد أن أدعى لك ابنا... ذلك أن بوش الأب صرح عن طريق مدير مكتبه سكوكروفت بأن شن الحرب على العراق ستثير مشاكل معقدة لا ناقة للأميركان فيها ولا جمل. كما أورد نفس الكلام وزير خارجية الأب جيمس بيكر. لكن بوش الابن لم يتقبل نصيحة أبيه بوعي كامل. ولعل بكاءه هو بمثابة التعبير عن قصوره في  بعد النظر أو الحنكة السياسي التي يتمتع بها الأب .

إلا أن عقدة مستمدة من الأسطورة الإغريقية المعروفة (أوديب) لا بد وأن تكون لها أوجه اختلاف كثيرة مع الأسطورة الواردة في لوقا 15 والتي تغلب عليها السمة العبرانية لعلاقة الأب بالإبن دون أي ذكر للأم أو الزوجة. كما هو الحال في عقدة أوديب حيث تصبح الأم زوجة لأوديب وهذا مصدر العقدة. بينما نجد في الإبن الضال عودة الوعي بسيطرة الأب وعجز الابن عن أن يشب عن طوقه ويحتل مكان أبيه كما هو الحال في الأسطورة الإغريقية.

ولعل أكثر ما يميز اليمين المسيحي عن المذاهب المسيحية الأخرى تعلقه بالنص العبراني وبالأسطورة اليهودية. التي ترى أنها الأصل وإن المسيحية دين الأبن أو الفرع العاجز عن التحرر من سيطرة دين الأب. وكان فرويد قد أوضح هذه العلاقة في كتابه " موسى والتوحيد ". وكيف أنها تقسم إلى حد ما بوجود عقدة أوديب بصور متنوعة في الأديان المختلفة.

 هذا تمهيد لدراسة أكثر تعمقا في العلاقة بين عقدة أوديب وعقدة الابن الضال، والتفكيك الأب وسيرة حياة بوش الابن إلى جانب تحليل واللغوي لخطاب كل منهما واعقد أنها تصلح مادة لأطروحة دكتوراه  إلى جانب كونها قد تفيد في المحادثات الدبلوماسية الجارية حاليا في ديترويت بين العرب والأميركان.

 

د. جيمي بشاي

مدير مستشفى المحاربين القدماء – بنسلفانيا

الولايات المتحدة

 

 

قصة الابن الضال كما وردت في الكتاب المقدس .

ترجمة الأباء الياسوعين

 لوقا 15- 11.

إنسان كان له ابنان: فقال أصغرهما لأبيه يا أبي أعطيني القسم الذي يصيبي من المال،فقسمه لهما بمعييته  وبعد أيام ليست بكثيرة جمع الابن الأصغر كل شيء وسافر إلى كورة بعيدة وهناك بذر ماله بعيش مسرف. فلما أنفق كل شيء حدت جوع شديد في تلك الكورة أبنه يحتاج  فمضى والنص بواحد من أهل تلك الكورة فأرسله إلى حقوله ليرعى خنازير وكان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب  التي كان الخنازير تأكله فلم يعطه أحد.

فرجع إلى نفسه وقال كم من أخير لأبي يفضل عن الخبز وأنا أهلك جوعا، أقوم واذهب إلى أبي وأقول له يا أبي أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقا بعد أن أدعي لك ابنا. اجعلني كأحد أجراك فقام وجاء إلى أبيه وإذ كان لم يزل بعيدا رآه أبوه ينتحي وركض ووقع على عنقه وقبله، فقال له الابن يا أبي أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقا بعد أن أدعي لك ابنا فقال الأب لعبيده أخرجوا أكله الأولى، والبسوه واجعلوه خاتما في يده وحذاء في رجليه وقدموا العجل المسمن واذبحوا فنأكل ونفرح لان ابني هذا كان ميتا فعاش. وكان ضالا فوجد.

فابتدءوا يفرحون وكان ابنه الأكبر في الحقل، فلما جاء وقرب من البيت سمع صوت الآلات الطرب ورقصا فدعا واحدا من الغلمان وسأله ما عسى أن يكون هذا فقال له أخوك جاء فذبح أبوك العجل المسمن لأنه قبله، سالما، غضب ولم يرد أن يدخل فخرج أبوه يطلبه إليه فأجاب وقال لأبيه ها أنا أحترمك  سنين هذا عددها وقط لم أتجاوز وصيتك وجريا لم تعطني  قط لأفرح مع أصدقائي ولكن لما جاء ابنك هذا الذي أكل بمعيشتك مع الزواني ذبحت له العجل المسمن فقال له يا بني أنت معي في كل حن ولكما لي فهو لك ولكن كان ينبغي أن نفرح ونسر لأن أخاك هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد.
عودة للرئيسية

 

إرث الاستشراق باق بعد رحيل إدوارد سعيد.

1935- 2003

د. جيمي بشاي

كان من حسن حظي أن تعرفت صيف 1935 وأنا في السادسة والعشرين من العمر على شاب وسيم يصغرني تسع سنوات اسمه إدوارد سعيد.

واليوم 25-9-2003 رحل عنا هذا العملاق الأديب والفيلسوف الذي لم يكتف بالبرج العاجي كأستاذ ومتفرغ للنقد الأدبي بجامعة كولومبيا بنيويورك وأختار أن يكون رائداً للفكر العربي في كتابين له هما: الاستشراق والثقافة والإمبريالية. حيث قلب التصورات الغربية عن الشرق رأسا على عقب. واستطاع بتفكيك خطاب الاستشراق زلزلة قواعد مؤسسة معرفية كاملة كانت لها سطوة السلطان.

واستطاع سعيد على حد تعبير كمال الوريدي ،الذي عرب الاستشراق، العصف بكل التصورات الأيديولوجية. التي ساهمت في ترسيخ هيمنة الغرب الرمزية والفعلية على الشرق وفهمها المغلوط له. واستطاع سعيد أن يحقق هذا في رحلة عمر لم تتعدىال 17 عاماً. ولم يخطر على بالي وأنا أتحدث مع هذا الشاب على عتبات مدخل  كاتدرائية جميع القديسين ،المجاورة للمتحف المصري، بأنه سيصبح أبدع وألمع باحث عربي مناضل من أجل العدالة والمساواة للشعب الفلسطيني. وعدم الانصياع أو الخنوع لمنطق القوة والهيمنة الذي تمارسه إسرائيل بالاتفاق مع سياسة الولايات المتحدة منذ فرض دولة إسرائيل عام 1948 على الأراضي الفلسطينية حتى الآن. والتقينا صيف 1953 في القاهرة لاعتزامنا الاشتراك في الكنيسة الأسقفية. وكان إدوارد يمضي العطلة الصيفية مع أسرته في القاهرة  قادما من جامعة برنستون. وكنت أنا قد عدت من بعثة فولبرايت بعد حصولي على ماجستير في علم النفس من جامعة بنسلفانيا. واذكر أنه قال لي في ذلك الوقت إنه كان مترددا ما بين دراسة الطب ودراسة الأدب المقارن. واستقر على دراسة النقد الأدبي تابع دراسته بعد ذلك في جامعة هارفارد حيث حصل على الدكتوراه بأطروحة نشرها فيما بعد بعد عن الكاتب الإنجليزي من أصل بولندي جوزيف كونراد. وكان لقاؤنا الأول على عتبة الكاتدرائية المطلة على النيل ،التي حل مكانها حالياً فندق هيلتون النيل، من اللقاءات لا تنسى. وما يزال حوارنا هناك عالقا بذهني ولم يغب عن ذهن إدوارد سعيد ،تواضعاً منه، بدليل نشره لهذا اللقاء في صفحتين في سيرة حياته بعنوان خارج المكان. ومع إني لست بقامته سواء كان ذلك من الناحية الثقافية أو الاجتماعية إلا أنه كان كريماً معي دائماً وعبر بأسلوبه الرائع عن الأسباب الوجودية التي حملتني على الاشتراك في الكنيسة. وتعجبت لدقة الوصف عند الاطلاع على كتابه كما أدهشتني مقدرته الفائقة أن يجهر بالحقيقة على آخر مداها. حين يتحدث عن الشرق مع الغرب أوعن والديه وأساتذته. وكان والد إدوارد سعيد من كبار رجال العمال. فقد كان صاحب الدار الوحيد للطباعة وتوزيع أدوات المكتبات STANDARD STATIONARY  التي أسسها في قلب القاهرة بشارع عدلي المجاور للمعبد اليهودي. ولم يكن انضمام إدوارد سعيد للكنيسة بدوافع فلسفية أو شخصية أو وجودية وبعد قرار الفيلسوف الفرنسي  جبريال مارسيل ،كما هو الحال بالنسبة لي، وإنما كان لمرضاة والدته مسز سعيد. التي كانت تحتل الصفوف الأمامية في الكنيسة وعرف عنها الورع والتقوى والتبرعات السخية  للكنيسة. وسار كل منا في طريقه بعد حفل التدشين للأعضاء الجدد. وعملت في الخمسينيات بعض الوقت مدرسا لعلم النفس بالجامعة الأميركية ثم هاجرت لأميركا بصفة مستديمة منذ عام 1960 كما ظل إدوارد سعيد في أميركا بعد انتهاء دراسته في هارفرد وتعيينه أستاذاً للأدب المقارن بجامعة كولومبيا ولم أشاهده بعد ذلك اللقاء الأول والأخير في القاهرة. إلا أنني راسلته عدة مرات بدافع السؤال والإعجاب بإنتاجه الأدبي الغزير الذي أضفى على الخمسين كتاباً. وإن كان اشهر كتاب له ما يزال هو الاستشراق  الصادر عام 1978 والذي أعيد طبعه عدة مرت بعد ذلك. وفي هذا الكتاب ،الذي يعد حاليا أحسن مرجع لدراسة الاستشراق في كل جامعات العالم، يحاول إدوارد سعيد تفكيك البنى Stitches  السياسية للإمبريالية الغربية والأميركية. التي تختزل الحضارات إلى تعميمات مطلقة وسرديات كبرى. بحيث ينحصر فكر الدراسة الأميركية والغربية لهذه الحضارات في نطاق محدد ودائرة مفرغة لا يحيد عنها. فالإسلام مثلا هو دين البداوة والفطرة. والمسيحية هي دين المحبة واليهودية هي دين العدل...ألخ. أما الشرق فهو مهد الروحانيات والغرب مهد الدينونات والتقدم التكنولوجي... ألخ.

وهذه التعميمات الكبرى تحدد وتجمد الفكر أكثر مما تتيح له فرص التحرر من هذه الكليشهات. وبالتالي تصبح استغلالاً للفكر سواء أكان ذلك في الفكر الشرقي أو الفكر الغربي.

والاستشراق يقابله الاستغراب كما يقول حسن حنفي وكلاهما يشكل عقبة في سبيل التفاهم العالمي. ويعترف إدوارد سعيد أنه تأثر بمنهج البنيوية الذي أرساه كل من ليفي شتراوس و ميشلي فوكوني فرنسان ونعوم شومسكي في الولايات المتحدة. حيث كل حدث اجتماعي أو سياسي ،في فلسفة البنيوية، بحاجة للتفكيك أو التحليل لإدراك العلاقات بين الدال والمدلول ، وبين الجزء والكل، وبين اللغة والفكر. وتلعب اللغة دوراً هاماً في تحقيق التفاهم بين الناس وبين الحضارات. إلا أن لغة الاستشراق هي لغة استملاك  الخطاب الأخر ، والكلام نيابة عنه، وهذه عملية إحالة الجزء إلى الكل، أو التعميم المطلق بحيث يفترض أن هناك سيد ومسود. وأن الأنا الغربية وحدها هي الكل في الكل. في حين أن المجتمعات النامية هي الآخر العاجزعن إيجاد فلسفته الخاصة. وهو سيظل تابعاً يدور في أفق الأنا الغربية. والجديد في الاستشراق عند إدوارد كان في متابعته لدراسات الاستشراق في القرنين الماضيين. التي كانت تقوم على قانون التشابه بين الأشياء والأجناس وترتيبها في مستويات نشوئه وارتقائه. بحيث تبدو بعضها أكثر ملائمة للحقيقة من غيرها، ولم يعترف المستشرقون السابقون بضرورة الفصل بين الذات المفكرة وموضوع الفكر وبأن الحادث الاجتماعي أو النفسي ،كما قال جاك لاكان، إنما يدرك بحسب السياق الموجود فيه.

وما أورده مستشرق لامع مثل رينان 1823-1892، عن الإسلام لا يمكن فهمه بدون مراجعة المناخ الاجتماعي للفكر الفرنسي في ذلك الوقت. كما لمنهج فقه اللغة plnlogy الذي استخدمه رينان في تفكيك المسيحية. والذي كان وليد المناخ الفكري في أوروبا وما تركه الفلاسفة أمثال لينز وهيجل وبرجسون عن المسيحية. بحيث بات هذا الفكر يلائم تفكيك المسيحية ولا يلائم تفكيك الإسلام. من هنا فإن كتاب رينان عن الإسلام يعبر عن فكر رينان أكثر مما يعبر عن مفهوم الإسلام الكلي. ودراسة الذات المفكرة منهح جديد مستمد من فقه اللغة والتعمق في فهم الزمان الوجودي والعلاقة بين مفهوم الشعور واللاشعور كما فسرها جال لاكان 1901- 1981 . وذلك بحيث يتعين على المفكر أو الباحث دراسة لغة اللاشعوري وهو فكر أو بحث عن سلوك فرد سوى أو مجنون. والمفكر مثل رينان يتأثر هو  داخلاً بما هو متخيل. وهذه الذات المفكرة في حوار مستمر مع فقه اللغة التي تستخدم في التعبير. فلو أن رينان كتب أبحاثاً بالعربية لما جاءت على النحو الذي جاءت به بالفرنسية. فالذات المفكرة تخضع لشروط الزمان والمكان كما تخضع لفقه اللغة. وحصاد الفكر لا يشكل حقيقة ثابتة وإنما يعبر عن صيرورة وجدل مستمر بين مواضع مختلفة للذات المفكرة. وموضع رينان يختلف عن موضوع خليفته ماسينيون في دراسة الإسلام.

وموضع الذات الداخلي في نشأة كل من رينان وماسينيون يختلف ما بين الناسخ والمنسوخ، و/أو ما بين ما هو في اللاشعوري وما ورد في الشعور. والذات التي تفسر نصاً مقدساً ليست هي نفس الذات التي تراقب وتحلل ظاهرة طبيعية كالجاذبية الأرض. لأن النص الديني يحمل لغة غامضة  MYSTERY  أو هي تتغير بتغير الزمان والمكان للذات المفكرة. في حين أن الجاذبية الأرضية تظل ثابتة كما هي منذ الأزل وحتى يوم القيامة. لكن استخدام كلمة القيامة ترد في إطار المفهوم المسيحي ويقابلها كلمة دينونة في المفهوم الإسلامي. ولهذا السبب يقول إدوارد سعيد أن قول كبلخ ينم عن ثبات فكرة الاستشراق في ذهن الأوروبي. فهو يرىأن " الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا حتى يوم الدينوية ". وهذا تعريب لي قد يجافي الأصل الإنجليزي الذي يحمل  معان مختلفة. إلا أن فكرة الثبات واردة بشكل قاطع في حين أن الأبحاث الحديثة ترى أن هناك حضارة إنسانية واحدة تبدو مختلفة باختلاف اللغة والزمان والمكان ولكنها ليست ثابتة كشرق وغرب، بحيث لن يلتقيان إلا في يوم الدينونة.

والجدير بالذكر في الفكر الاستشراقي لأدوار سعيد هو استخدام منهج فقه اللغة وما يعرف باسم الآركيولوجية المعرفية ARCHEOLOGEE DU SAVOIR   التي مهد لها ميشيل فوكو في كتابه "الألفاظ والأشياء". حيث أماط اللثام عن الانفعال الكبير في الحضارة الغربية الذي يمثل ما يعرف حاليا برصيد الحداثة أو ما بعد الحداثة. و/أو هو زوال السرديات الكبرى، والنظريات التي كانت تقوم على فكر كانط الذي يوحد كل النظم الممكنة واللغوية والبيولوجية والاقتصادية  والسياسية ويضعها في إطار خارج الذات المفكرة. وكأن  حصاد المعرفة والاتجاه الذي يرمي إليه إدوارد سعيد في الاستشراق يختلف عن كل ما ورد في دراسات الاستشراق السابقة له. سواء أكانت غربية مثل دراسة رينان أو جوستاف لوبون "حضارة العرب" أو عربية مثل دراسة إسحاق موسى بن حنين أو كرد على " الإسلام والحضارة العربية". فدراسة إدوارد سعيد هي دراسة لاركيولوجية المعرفة في كتب المستشرقين خلال القرنين السالفين. بحيث يمكن تفسير الطابع المميز لكل هذه الدراسات عن طريق دراسة الذات المفكرة وما تخضع له من شروط وهي تفكر. وما يؤول إليه هذا الفكر متى تم استيعابه على مستوين: المستوى الأول هو مستوى المستعمر (الذي يحيل الأفكار إلى تطبيقات سياسية من شأنها التحكم في ثروة الشعوب المستعمرة) والمستوى الثاني على صعيد فكر النخبة المتعلمة من الشعوب المستعمرة  (التي تفرض على نفسها رقابة داخلية لا تسمح لها بتنظير أو تفسير يختلف عن تفسير المستشرقين الأوروبيين للفكر الإسلامي  أو العربي). وهذه الرقابة الداخلية ليست بحاجة لمدرسة إنجليزية تثبت هذه التفرقة بين الشرق والغرب لأنها موجودة في كل من مرافق الحياة بما في ذلك اللغة العربية التي باتت لغة شعرية كما وصفها المستشرقون وغير قادرة على استيعاب المصطلحات العملية الجديرة الواردة من الغرب. وبذلك تتحول الذات المفكرة في العالم العربي إلى ذات ناقلة تعتري كل محاولة للنهوض بالتراث العربي الإسلامي. وإذا شبت عن الطوق شابت دون أن تبرع أو تزدهر. لأن هذه الذات أصبحت مفصومة لا قبل لها بالنشأة الطبيعية التي أتيحت لأقرانها في الغرب. وهذا الكلام إنما يعبر عن خبرتي الناقصة.

ويكاد يكون إدوارد سعيد الوحيد بين المفكرين العرب الذي ظل يعالج شعوره الكمين الدفين بأنه خارج المكان، وبلا وطن يأوي إليه، بل وبدون اعتراف العالم بأنه محروم من حق العودة إلى مدينته القدس. هذا الحق الذي يتمثل الجوهر الأساسي في حقوق الإنسان. هذا الحق الذي تغنى به شعراء مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأذكر هنا قول أحمد شوقي:

          ويا وطني لقيتك بعد يأس كائن لقيت  بك الشباب.

لقد فرض الاستشراق هيمنته على الفكر ورسم لي مسيرة الحياة بحيث أصبح الاستشراق والاستغراب صنوان لا يفترقان. وكل محاولة لكتابة تاريخ قادة الفكر في العالم العربي لم تحقق هدفي المنشود. لأن القارئ العربي بدوره قد فرض رقابة داخلية على نفسه. فأصبح أكثر تقبلا لتفسير الكتب الإنجليزية أو الفرنسية من الكتب العربية لهؤلاء الرواد. والويل للرأي العربي الذي يخالف السياسة الأميركية الراهنة التي تحالفت مع الصهيونية الإسرائيلية بحيث استطاعت أن تطرد شعب فلسطين من أرضه وتحرمه من حق العودة، بتهمة الإرهاب!. كل هذا يحدث يوميا وتنشره الصحف في جميع أنحاء العالم ولا يتحرك القارئ سواء أكان في الشرق و الغرب، لأن الرقابة الداخلية لفكر الاستشراق أصبحت مسيطرة.

انظر إلى اللعب بالألفاظ في الهيمنة على الفكر. حيث يستخدم التحالف    COALITION الأميركي الإسرائيلي أحدث الأسلحة لتدمير البيوت على رؤوس الآمنين. ويطلقون لفظ التحرير على هذه العمليات المشينة. وفي نفس الوقت يتهمون بالأجرام كل من ألقى حجارة على من اغتصب أرضه. وهنا تقول الأركيولوجيا التحليلية أن هذا نوع من الانفصام أو البارانويا أو هو مزيج بينهما. ولكن الباحثين الأنثروبولوجيين - الاجتماعيين في الجامعات الولايات المتحدة يقبعون في صمت رهيب أمام هذه الألفاظ والمصطلحات.

إنهم مثلي يمارسون الرقابة الداخلية التي ترسخت في ذهني منذ نعومة أظافري. وأستطيع أن أقول هذا في مجلة " الثقافة النفسية المتخصصة" ولكني لا أستطيع أن أقوله في مجلة علمية أميركية[1]. على الرغم من كوني مهاجر عتيق وعشت في أميركا أكثر مما عشت في الوطن العربي. لكني ما زلت استمتع بحق العودة الى مصر في حين أن إدوارد سعيد لم يسمح له بزيارة القدس إلا بعد عناد وتوسط من  صديقه الموسيقار الإسرائيلي SBARENBOIM سبيربناوم. الذي اشترك في حفل التأبين الأخير لإدوار سعيد. الذي جرى في كنيسة شهيرة مطلة على نهر الهدسون وتعرف باسم RIVEISIDE CHURCH وهي مجاورة لجامعة كولومبيا وكلية اللاهوت الملحقة بها وتعرف باسم UNION THEOLOGICALSEMINARY    . وهي التي درس بها الفيلسوف الوجودي بول تليخ P. TILLICH وعالم النفس الأميركي رولو ماي R. MAY  واحتفل نفر كبير من طلابه وأبنوه بالخطب بالشموع والمضيئة طوال الليل وحتى الصباح متوجهين إلى الكنيسة RIVERSID . حيث اشترك في تأبينه لفيف من رجال الفكر ورجال الدين وكان من بينهم كل من القس جيمس فروبس  FORBES والقس جيمس مفكر جيرالد J. FITESGERALD وصديق الأسرة اللبناني فؤاد بهنان، وصديق اسمه DANIEL BARENBOIN الذي عزف موسيقى كلاسيكية من موتسارت وباخ وبراهمس من البيانو.

وقدم ابن ادوار وديع سعيد كلمة الشكر بالنيابة عن الأسرة بينما قرأت ابنته نجلاء سعيد قصيدة للشاعر كافنفس بعنوان مقدم البرابرة NAITIG FOR THE BARABAIANS  . وبها أصداء من مسرحية بيكت متى يأتي جودو WAITING FOR GODOT .والقصيدة تفيض بالعبوس والمرارة. لأن أمل البشرية في العدل والمساواة والحرية تحطم  تحت ضغوط ومؤامرات سياسية مشتركة ما بين الاتحاد الأميركي والإسرائيلي. وعبرت عن معالم هذه المؤامرة بين الرئيسين بوش وشارون الكاتبة والروائية المصرية أهداف سويف في مقال لها بالأهرام ويكلي بعنوان: THE ISRAELISATION OF AMERICA . وأثار هذا المقال أيضاً ضجة كبرى. لقد استطاع إدوارد سعيد أن يكافح المرض اللوكيميا الذي كان يرزح تحته عبر أكثر من عشر سنوات ،وظل مكافحا شهماً شجاعاً وذكياً ومخلصاً لعلمه ولوطنه يتحدى الرقابة على الذات التي يمارسها أكثر المثقفون العرب وأنا واحد منهم.

فالثقافة الغربية التي تلقاها المثقفون العرب في الجامعات الأوروبية أو الأميركية تضع نفسها في موقف منظر فوق العادة. بحيث تكون الأولوية في الفكر للأنا الغربية التي تحيل الواقع إلى مادة لا تفكر ولا تعي إلا ما تورده الأنا. ويرى إدوارد سعيد أنه لن يتم تحرير الفكر العربي إلا عن طريق تخطيط ثائر يفكك منطق القوة الإمبريالية وقناعاته. التي من شأنها إعاقة مسيرة التقدم في العالم العربي والإسلامي على وجه أخص ولكنه ينطبق على كل الدول النامية.

صدر كتاب " الاستشراق " لادوار سعيد عام 1978 وترجم إلى أكثر من 36 لغة وأحدث زلزلة في الفكر سوف تضيء الطريق أمام الأجيال القادمة ومع أني أحمد الله أنه منحني عمراً أطول منه إلا أنني كنت أود لو عاش بعدي ليرى الآثار الحميدة التي أنجزها في تطوير الفكر العربي وداعا يا ادوار وفي رحمة الله.

 

د. جيمس بشاي .

مدير مستشفى المحاربين القدماء – بنلسلفانيا

الولايات المتحدة       


عودة للرئيسية

[1] وقدمت بنسخة إنجليزية لإحدى المجلات العلمية وجاءني الرد بضرورة حذف كل ما يشين بإسرائيل من ورئيس التحرير صديقه ول أنه كان رئيس تحرير عادي لما سمعت من رد على الإطلاق