| النظام السياسي في الاسلام | ||
|
النظام السياسي في الاسلام أن تقرأ حوارية فكرية معاصرة حول النظام السياسي في الاسلام يعني أن تتاح لك فرصة المتابعة التاريخية والرصد الراهن لواقع الفكر السياسي الإسلامي. وتتحول القراءة الى متعة فكرية خاصة عندما يكون المتحاورين مفكرين بمستوى الدكاترة برهان غليون ومحمد سليم العوا. حيث تحول حوارهما الى مساهمة فكرية جادة لإرهاص تنظيم سياسي للمجتمع الإسلامي. دون أن يبلغ هذا الإرهاص غايته في تقديم تصورات واضحة لتنظيم اسلامي لعلاقة الحاكم بالمحكوم أو لنظام دولة اسلامية واضحة المعالم. حسب المتحاورين طرحهما للموضوع في اطار تموقعي راهن لا يتغافل عن الواقع السياسي العالمي وعن اللحظة السياسية الإقتصادية الراهنة والأهم عن حاجات الإنسان المسلم المعاصر. وهي حاجات تدفعه دفعاً لتخطي بعض القيم المتحولة في التراث الإنساني وحتى في التراث الاسلامي. لكن الإشكالية تتعقد عندما يدفع المسلم لتخطي بعض القيم الإسلامية الثابتة. وعندها تتضح هنات النظام الإسلامي المعاصر لتبدأ محاولات التعويض. وهي تتنوع ما بين العودة عن منجزات التكيف والتموقع في العصر لغاية دعوات النكوص الى عصور غابرة ومنها ما يصل الى رفع راية الدعوة الى بروتستانتية إسلامية جديدة. وبينهما تلوينات لا حصر لها. وهكذا تتراوح الكتابات حول النظام السياسي في الاسلام ما بين الدعوة للدولة الاسلامية واستعادة دولة الخلافة وبين الدعوة لتجاوز لائحة طويلة من القيم الاسلامية الثابتة للتكيف مع ظروف العالم المعاصر وشروطه. بمراجعة الكتابات المتوافرة حول الموضوع نجد طروحات غزيرة حول هذين القطبين. وتلازمهما تهمة التعصب والارهاب لدعاة دولة الخلافة وتهمة التكفير لدعاة العصرنة. بما يفسر تهرب المفكرين والكتاب من الانحياز باتجاه أحد القطبين والمراوحة بينهما وفق الأسلوب التوفيقي دون أن ينجح هؤلاء في طرح الطريق الثالث بين هذين القطبين. وفي رأيي الشخصي أن المتحاورين كلاهما قد وقعا في فخ التوفيق هذا. حتى بدت آراؤهما متناقضة في مواضع عديدة. فإذا ما وقعنا على رأي قابل للنقاش وجدنا المحاور الآخر ينقضه ويقدم دلائل مقنعة وموضوعية لهذا النقض. وبذلك يغنى الحوار وتتاح للقاريء فرصة الدخول في صلب الإشكاليات المطروحة وعمقها. مما يخلف لديه الإنطباع بأن كل محاور يخفي الكثير مما يضمره ويضن به ليس على القاريء بل تجنباً للشبهة الجالبة للتهم. في ما يلي سنحاول أن نقدم بعض نماذج التحفظ المتبادل في هذه الحوارية فنذكر المقاطع التالية: .... الفقه الإسلامي هو التعبير البشري عن فهم النصوص القرآنية والنبوية ولا ينبغي المطابقة بينه وبين الأحكام الدينية بالمعنى القدسي للكلمة... / د. غليون. لكن غليون لا يحدد لنا اساليب التشخيص التفريقي بين الفهم البشري وبين الاحكام القدسية. وبذلك يمكن تبرير دعوة د. نصر أبو زيد للفهم القرآني والتي كانت سبباً لتكفيره. والأهم أن هذا الفهم الذاتي للنصوص القرآنية يفرع الإسلام الى قائمة طويلة ،وربما متناحرة، من الإسلامات؟. .... أن الصحيح هو أن القرآن الكريم والسنة النبوية لا يتضمنان نظام حكم محدد المعالم والتفاصيل بحيث يجب على المسلمين في كل العصور الإلتزام به والوقوف عنده... /د. العوا. وهنا يبدو الدكتور العوا وكأنه يدحض كل الدعوات الى إقامة نظام حكم اسلامي. وهو ما لا تبينه متابعة آرائه الواردة في هذه الحوارية حيث يقول: .... الشأن السياسي كله أمر إجتهاد موكول الى المؤهلين له من العلماء.... ولا يجوز للحاكم ترك الشورى وإلا كان عزله على مذهب القرطبي... هنا يوقعنا الدكتور العوا في اشكالية جديدة حيث النظام السياسي الاسلامي يقوم على الإجتهاد الموكول الى المؤهلين من العلماء. ولكن من يحدد هذه الأهلية؟. وما هي معايير تحديدها؟. وهذا الإختلاف في المعايير ألا يعتبر مدخلاً لتفتيت الإسلام الى إسلامات عديدة. وهذا ما ينتقده الدكتور غليون بإشارته الى أن الدكتور العوا ينظر للسياسة على أن لها مقام آحادي هو مقام الدولة بحيث لا يكاد يكون فيها للفرد وللمجتمع أي تأثير... في المقابل فإن هذا الإنتقاد لايحقق هدف الإجابة على الأسئلة المطروحة. فهذه الصفات هي صفات الدولة الدينية على إختلاف الأديان. فهذه الدولة هي المقام السياسي الأوحد وإليه توكل مهام الإهتمام بالفرد والمجتمع وتنظيمهما والعلاقة بينهما. ويعود د. غليون ليطرق باب الحلول فيشير الى طرح العلامة محمد مهدي شمس الدين لمبدأ "ولاية الأمة ". وهو طرح يقترح الحلول لإشكاليات شديدة التعقيد في موضوع النظام السياسي في الإسلام. لكنه ينحصر في مجال التقريب بين السنة والشيعة. والإسلام لا يقتصر على هذين المذهبين بما يعني أن المسألة تبقى اشد تعقيداً من المتوقع لدى طرح هذه المواضيع. في الخلاصة نجد أن الدكتور غليون يؤكد على أن مبدأ الدولة الدينية القائمة على الشريعة القطعية يلغي نظرية الدولة الحيدثة إلغاءً تاماً. ونجد الدكتور العوا يقر بعدم وجود نظام متكامل للحكم في الإسلام مع تأكيده على ضرورة السعي لإيجاده عن طريق الإجتهاد. وفي ذلك تأكيد على ضرورة إيلاء الشأن السياسي الى العلماء المؤهلين الذين لا نعرف معايير أهليتهم. وبذلك نعود بعد إتمام قراءة الكتاب لنتساءل عن علائم النظام السياسي في الاسلام. هذا التساؤل يفتح الباب امام الإجتهادات الشخصية للقاريء. حيث للكتاب فضله في إجراء مراجعة مسح شاملة للآراء المطروحة في المجال. لكن مسألة إعادة التركيب الراهنة لهذه الآراء هي الغائبة في الكتاب. إذ يلوح لنا رفض د. غليون لمبدأ الدولة الإسلامية وإعتراف د. العوا بعدم إكتمال أسسها النظرية. بما من شأنه أن يدفعنا لإستنتاج لاموضوعية الحديث عن نظام سياسي إسلامي. وهو إستنتاج ترفضه قطاعات واسعة من المسلمين يتجنب المؤلفان الإشارة اليها أو البحث فيها. فالدولة الإسلامية المطروحة اليوم هي الدولة المذهبية وليست الدينية. حيث الحديث عن دولة وهابية وأخرى شيعية ودرزية وعلوية ... الخ. وهذا الطرح المذهبي للدولة يعود الى نهايات العصر العباسي عندما تفتت الخلافة الى دول مذهبية تعادل حالة من الفصام (الشيزوفرانيا ) الديني الذي يستعصي علاجه في المدى المنظور. خاصة إذا ما أخذنا في الحسبان عنف الصراع داخل الجماعة الواحدة. وزيادة مقدار هذا العنف كلما ضاقت رقعة الجماعة. بمعنى أن الخلاف بين المسلمين هو أشد عنفاً منه بينهم وبين أتباع الأديان الأخرى. وكذلك الصراع بين أبناء المذهب الواحد يموت أشد تطرفاً في عنفه منه بين أتباع ذلك المذهب وأتباع المذاهب الأخرى وقس عليه. لذلك فإن نظرة سريعة لدعوات إقامة الدولة المسلمة تبين لنا مذهبية هذه الدولة وبالتالي إنتقائية تفسيرها وترجمتها للنصوص الدينية. وهي إنتقائية تنعكس على نموذج الحكم وعلاقة الدولة بالدين والقيم السياسية والتعددية والعمل السياسي للمرأة ووضع غير المسلمين وعلاقة الدولة المسلمة مع الدول الأخرى وغيرها من مواضيع الدولة المطروحة. بما يكرس مذهبية النماذج المطروحة للدولة الإسلامية. وهذا التكريس لا يمنع قيام مثل هذه الدول النقيضة التفاسير ( الإجتهادات الفكرية ) فهنالك سوابق عديدة لهذه النماذج للدولة. فقد قامت دول مثل الإتحاد السوفياتي والدول الدائرة في محوره على فهم مختلف للماركسية عن فهم دول مثل الصين ويوغوسلافيا وألبانيا وقس عليه. عداك عن التيار التروتسكي الماركسي الذي هيمن على أحزاب شيوعية عديدة في اوروبا. وهذه المقارنة يمكن دعمها بمراجعة البنى الهيكلية للحركات الإسلامية الداعية للدولة المسلمة. حيث تعتمد غالبيتها بنى هيكلية مستمدة من الماركسية أو هي تستعير بنى هيكلية أجنبية اخرى. وهذا ما يدفعنا للقول بمذهبية نظم الدولة الاسلامية المطروحة بما يستبعد مجرد الحديث عن النظام السياسي في الاسلام كنظام شامل للتصور الاسلامي للدولة. تقع الحوارية في كتاب من 312 صفحة من الحجم المتوسط وهو صادر عن دار الفكر (بيروت / دمشق) في سلسلتها " حوارات القرن". والكتاب وإن تجنب الخوض في التفاصيل التي يكمن فيها الشيطان إلا أنه يقدم حواراً فكرياً يستوجب الإطلاع عليه في اللحظة السياسية الراهنة حيث محاولة قتل الوليد المتمثل بالدولة الاسلامية (بغض النظر عن قابليته للاستمرار في الحياة) لقول المشعوذين الاستراتيجيين بأنه يشكل أخطاراً مستقبلية على مصالح الدولة الأقوى. هذه الدولة التي بشرتنا بنهاية الدولة الوطنية والتاريخ والايديولوجيا والأديان ليبقى نموذجها النموذج المحتكر لمفهوم الدولة. وبما أن المشعوذين المشار لهم أعلاه لا يجدون خطراً مشابهاً في الدولة اليهودية ( طلب بوش اعلان اسرائيل دولة يهودية) فإنه من الواجب إكمال الحوارية بمقارنة بين الدولة الاسلامية والدولة اليهودية. حيث خصوصية الشعب المختار تقبل لامبالاته بالنصوص الدينية لغاية إقامة دولة دينية علمانية مثل اسرائيل. وهي دولة تشكل مخالفة صريحة للمنطق ليبقى السؤال عن قدرة المسلمين على إرتكاب مخالفة شبيهة للمنطق؟!. |