المركز العربي للدراسات المستقبلية
متابعة لعملية السلام في الشرق الأوسط
خطة فك الإرتباط
خارطة الطريق
حول إتفاقية جينيف / الرأي والرأي الآخر
جدار الفصل العنصري الإسرائيلي

 

خطة فك الإرتباط
إتفاقية جينيف
قمة بوش والعرب
سيكولوجية التفاوض
تقرير ميتشيل
سيكولوجية الإنتفاضة
 

انسحاب اسرائيلي من شمال غزة

الخارطة.. تسوية أم هدنة

 الخارطة  الاختبار الوحيد لشارون نص غير رسمي لخارطة الطريق

انسحاب بيت لحم يبدأ الأربعاء

النص الأميركي لخارطة الطريق

  حول إتفاقية جينيف / الرأي والرأي الآخر

 الإتفاقية إستكمال لمحادثات طابا إتفاقية السلام الممكن
مهرجان جينيف/ عطوان جينيف الإفتراضية/ عزمي بشارة
 
الخارطة وجهات نظر
الإحتيال في واي ريفير
إتفاقية أوسلو

جولة كيسنجر

 شائعة التطبيع

حماس بعد الرنتيسي
المتابعة الأميركية       من هي حماس؟
الشرق الأوسط/ رؤية أميركية

قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بمسألة الشرق الأوسط

خارطة الطريق / وجهات نظر

النص الأميركي لخارطة الطريق

الخارطة.. تسوية أم هدنة

محادثات  الانسحاب من غزة

الشرق الأوسط/ رؤية أميركية

مفاوضات"شمال غزة -بيت لحم" واشنطن تواصل الضغط

انسحاب اسرائيلي من شمال غزة

انسحاب بيت لحم يبدأ الأربعاء

نص غير رسمي لخارطة الطريق
     
     
     

 

تسوية أم هدنة

نقاش في جدوى خارطة الطريق

    صقر ابو فخر

السفير في 14 / 6 / 2003

        الصراع في فلسطين حالة خاصة في تاريخ الصراعات في العالم، وهو يختلف، اختلافا جوهريا، عن أي صراع آخر بين دولتين متجاورتين. والصراع الفلسطيني الاسرائيلي لا يشبه البتة النزاع الهندي الباكستاني، او العراقي الإيراني على سبيل المثال، او حتى صراع المحور والحلفاء في الحرب العالمية الثانية. فالصراع بين دولتين متجاورتين او متباعدتين كان ينتهي، في الكثير من الأحوال، بانتصار أحد الطرفين على خصمه، فيبادر المنتصر الى سحق الطرف الآخر وتدمير عناصر قوته، ثم يفرض شروط المنتصر عليه. وفي العادة تدوم شروط المنتصر، وهي نفسها شروط الاستسلام، ما دامت موازين القوى ووقائع الأحوال مستقرة. لكن، ما إن تتبدل الأوضاع حتى يبدأ المهزوم بالتملص من قيود الهزيمة استعدادا للتخلص منها سلما أم حربا. وفي هذه الأثناء تكون وقائع جديدة قد نشأت وأحوال متجددة قد برزت. وفي جميع الحالات يستمر الخصمان في لعبة صراع الإرادات والمصالح من غير أن يحاول أي طرف محو الطرف الآخر نهائيا.

أما الصراع في فلسطين فهو ليس على هذا الغرار البتة، لأنه ليس صراعا بين دولتين يمكن حله بمقادير من التفاوض او الحروب، بل هو صراع بشري واجتماعي وجغرافي وتاريخي وسياسي وحضاري في آن، وهو صراع موغل في التاريخ وممتد في الزمن معا، وهو يتضمن، في جملة ظواهره، فورانا غير محسوب للنوازع الدينية والعقيدية وللمنازعات الثقافية المتشابكة. ومن مظاهر اختلاف الصراع الفلسطيني الاسرائيلي عن <<نظائره>> من الصراعات الأخرى، أن الصراع في فلسطين هو، أولا وأخيرا، صراع على فلسطين، أي على الارض الفلسطينية نفسها، بين مجموعتين بشريتين تستند كل واحدة منهما الى عناصر تاريخية ودينية وثقافية، صحيحة كانت هذه العناصر أم زائفة، ولها، في الوقت نفسه، عمق بشري وسياسي يشد أزرها ويقوّي بقاءها. وهذا الأمر يجعل الصراع ممتدا في الزمن ولا ينتهي إلا بواحدة من نتيجتين: إما الإبادة او الترحيل.

التسويات السياسية ضرورية أحياناً

في سنة 1948 انتصرت الصهيونية انتصارا ساحقا على العرب، فعمدت قواتها، لا الى الإبادة، بل الى ترحيل الفلسطينيين عن ديارهم. وكان ذلك الانتصار ثمرة ما يقارب المئة سنة من الصراع المحتدم الذي خاضته أوروبا للسيطرة على الولايات العثمانية. وفي سياق هذا الصراع تمكّنت أوروبا من صوغ حل للمسألة اليهودية يقضي بترحيل اليهود الى فلسطين. وهذا الحل أدى، في النتيجة، الى ظهور المسألة الفلسطينية بقوة، وأسس صراعا جديدا وممتدا. فإذا كانت الصهيونية تمكنت من تحقيق انتصارها على العرب في سنة 1948، فإن هذا الانتصار لم يكن إلا ذروة الطور الأول من صراع سياسي وعسكري وجيو استراتيجي طويل، وكان، في الوقت نفسه، بداية لطور جديد من صراع متجدد وممتد في الزمن ايضا.
مهما يكن الأمر، فإن الصراع في فلسطين، الذي هو ليس صراعا تقليديا مثل معظم الصراعات المشتعلة في العالم اليوم، لن ينتهي أبدا بفرض شروط المنتصر على المهزوم، فهذه حالة متخيلة لا علاقة لها بحقائق التاريخ او بالواقع او بمجريات الأمور. أما الواقع فيشير الى منعطفات تظهر في خضم هذا الصراع الممتد، وتصبح فيها التسويات السياسية ممكنة وضرورية أحيانا. وهذه التسويات لا تلغي الصراع بتاتا، إنما تنقله من مرحلة الى مرحلة أخرى مختلفة، وتزوده بطرائق مغايرة لمتابعة الصراع، لأن أي تسوية لا تبيد الآخر او تطرده نهائيا سيكون من شأنها إبقاء العنصر البشري فوق الجغرافيا نفسها، ما يعني استمرار الصراع حتما. هكذا كانت الحال مع التسوية التي جاء بها قرار التقسيم رقم 181 في سنة 1947، والتي قبِل بها العرب عمليا مع أنهم رفضوها قولا، والدليل أن جيوشهم لم تتجاوز الحدود الجغرافية لقرار التقسيم قط، ومع ذلك استمر الصراع ولم يتوقف. وهكذا كانت الحال بعد المعاهدة المصرية الاسرائيلية في سنة 1979، وبعد اتفاق أوسلو في سنة 1993، وهكذا ستكون الحال، بالتأكيد، لو جرى تنفيذ <<خريطة الطريق>> او أي خريطة أخرى من التسويات المماثلة.

في أي حال، فإن التسوية الآن، مهما يكن مضمونها او شكلها، تعني أمرا واحدا هو أنها ليست انتصارا تاريخيا لإسرائيل، بل هي صفقة تاريخية بين طرفين تتخلى اسرائيل بموجبها عن الاستيطان، ويتخلى الفلسطينيون، لقاء ذلك، عن حق العودة للاجئين. ومن علامات الهذيان السياسي الاعتقاد أن في الامكان إرغام اسرائيل على تفكيك الاستيطان وترحيل المستوطنين ثم إرسال أربعة ملايين لاجئ إليها في الوقت نفسه. إن هذا التصور يحتاج لتحقيقه الى حرب ساحقة منتصرة، أي هزيمة مروّعة وتامة لإسرائيل، وهذا بعيد المنال في الواقع العربي الراهن.

مَن يكسب الجولة؟

القصد من هذا الكلام شبه النظري هو الولوج في النقاش السياسي المحتدم الآن على <<خريطة الطريق>> ومخاطرها وتبعاتها. ولا شك لديّ في أن نص <<خريطة الطريق>> هو نص سيئ ولا يمكن الدفاع عنه مطلقا، ولا سيما إذا قمنا بعملية المطابقة او المضاهاة مع نصوص الميثاق الوطني الفلسطيني (1968) او برنامج النقاط العشر (1974) او وثيقة الاستقلال (1988) او حتى اتفاق أوسلو (1993). لكن، في السياسة، لا يجوز أبدا مناقشة قضايا جدية وخطيرة بالقراءة النصية وحدها. إن قيمة أي نص لا تكمن في عباراته ومفرداته فقط، بل في الدينامية السياسية التي يصنعها، وبالأبواب التي من المحتمل أن يفتحها حينما تكون العملية السياسية وصلت الى استعصاء تام. ولا ريب عندي في أن أرييل شارون والتيار الذي يمثله في المجتمع الاسرائيلي، هما أكثر من يرفض، في الجوهر، خريطة الطريق حتى بنصوصها البائسة التي نُشرت على الناس. لكن شارون رجل سياسة أولا وأخيرا، وهو الأول بين مجموعة من المتساوين الذين يصنعون القرار السياسي في إسرائيل. ولأنه كائن سياسي اختار أن يقبل خريطة الطريق بدلا من أن يرفضها ويصطدم بالادارة الاميركية، فاختار أن يصطدم، مؤقتا، ببعض وزرائه وببعض التيارات السياسية الاسرائيلية بدلا من أن يخوض نزاعا مع الرئيس جورج بوش الذي لا يكاد يقبل أي منازعة في هذه الأيام. وأحسب ان شارون يراهن على الجانب الفلسطيني في إفشال عملية التنفيذ الشائكة لخريطة الطريق. فإذا فاز في رهانه هذا فستكون لديه، عندئذ، الذريعة القوية، من بين ذرائعه، وهي كثيرة، ليقول للرئيس بوش وللإدارة الاميركية وللمصريين والأردنيين أيضا، ولا سيما إذا وقعت مصادمات فلسطينية فلسطينية، ان الفلسطينيين غير مؤهلين لتأسيس دولة خاصة بهم، وهم غير قادرين على التزام ما يتعهدون به، بل هم عاجزون عن أي شأن. وحينذاك لن يجد مصاعب في إقناع الولايات المتحدة بإطلاق يديه في التعامل مع الشعب الفلسطيني بما يراه ملائما من العسف والقصف والتدمير والترحيل، ولن يضيره أبدا أن يعيق الفلسطينيون خريطة الطريق تحت أي حجة عقيدية أم مبدئية أم سياسية.

اللاعبون في سباق الإرادات

اللاعب في سباق المسافات الطويلة يعرف أن عليه ان يستمر في الجري بلا أي توقف. فالاستمرار في السباق يمنحه احتمالا من بين احتمالات متتالية، كأن يكون ترتيبه الأول او الثاني او الثالث مثلا. لكن هذا اللاعب لو خرج من الشوط، فتسقط فورا جميع الاحتمالات دفعة واحدة، وسيكون ترتيبه الأخير حتما. ولا تختلف الحال في السياسة عما هي عليه في سباق المسافات الطويلة، فاللاعب الفلسطيني مرصود للجري، وعليه ان يستمر في الجري بلا توقف حتى لو لم يكن يسجل نقاطا في بعض المراحل. وفي هذا الحقل من المقارنة فإن القيادة السياسية المحنكة والمجربة تحاول ألا تصل الى <<ستاتيكو>> تكون فيه الخيارات المتاحة قاصرة على خيار واحد فقط، بل تعمل، بلا كلل، كي تكون بين يديها، في أي لحظة، عدة خيارات تتنقل بينها حينما تتبدل الوقائع.

غير أن الوضع الفلسطيني، اليوم، يكاد يصبح مغلقا تماما على الخيارات كلها، وكأن القيادة الفلسطينية ما عادت تمتلك إلا خيارا واحدا فقط هو خريطة الطريق، او تخرج من السباق. وخروج القيادة الفلسطينية من سباق الارادات يعني أمرا واحدا في واقع الحال، هو تحطيم إرادة الشعب الفلسطيني ولو إلى حين. ان قبول القيادة الفلسطينية خريطة الطريق لم يكن خيارا بين عدة خيارات، بل هو الممكن الوحيد بعدما تخلى معظم العرب عن فلسطين وقضيتها وشعبها. ولعل في جملة الأسباب التي أدت الى هذا الوضع هو غياب السياسة والتفكير السياسي عن معظم الفصائل الفلسطينية المقاتلة، وغلبة التفكير الأيديولوجي والغوغائي على المسلك السياسي. فالسياسة، في نهاية المطاف، هي فن ابتداع المخارج من المآزق القاتلة، وفن اختراع البدائل من الاستعصاءات السياسية، وهي فن الممكن لا فن المستحيل، بل هي فن تحويل التضحيات الى أوراق سياسية رابحة. والمؤسف ان الحركات السياسية الفلسطينية، ولا سيما ذات الطابع العقيدي، قومية كانت أم إسلامية أم يسارية، برعت في تبديد التضحيات الفلسطينية الجبارة وحوّلتها هباء، لأنها لم تتمكن من فهم الفارق بين الصراع الممتد والتسويات المرحلية والهدنة المؤقتة. وخريطة الطريق هي من هذا الطراز: إنها ليست تسوية، بل هي هدنة مؤقتة. وللأسف، فإن السجال الفلسطيني المحتدم اليوم على خريطة الطريق يقدم أفضل برهان على غياب العقل السياسي وسطوة العقل الاحترابي. ولعل المشكلة تكمن هنا بالذات، أي في الفجوة بين غياب السياسة وحضور الاحتراب.