المركز العربي للدراسات المستقبلية

 

استئذان بالانصراف رجاء ودعاء... وتقرير ختامي

محمد حسنين هيكل :

       لقد كان يرد على بالي منذ سنوات أن الوقت يقترب من لحظة يمكن فيها لمحارب قديم أن يستأذن في الانصراف، وظني أن هذه اللحظة حل موعدها بالنسبة لي، ففي يوم من أيام هذا الشهر (سبتمبر 2003) استوفيت عامي الثمانين وذلك قول شهادة الميلاد وهو دقيق يومئ بحمد الله إلى عمر طويل مديد لكن هناك مع ذلك قولا آخر أكثر صوابا هو حساب زمان العمل على مساحة العمر، والحقيقة أنه في حالتي تواصل دون انقطاع لأكثر من ستين سنة (قرابة اثنتين وستين) لأن تجربتي معه بدأت بالتحديد يوم 8 فبراير 1942 حين رأى أستاذنا في مادة جمع الأخبار أن يعرض على أربعة من تلاميذه (تكرمت المقادير وكنت أحدهم) فرصة التدريب العملي تحت إشرافه في جريدة الإجيبشيان جازيت وهو يومها مدير تحريرها، وهي وقتها وبسبب ظروف الحرب وزحام الجيوش أوسع الجرائد الصادرة في مصر انتشارا (رغم لغتها الإنجليزية).

 

وكانت فكرة هذا الأستاذ وهو سكوت واطسن أن التدريب العملي يعطي تلاميذه إمكانية الجمع بين الدراسة والممارسة وذلك تأهيل ناجز ونافع. وكان الرجل خبيرا عارفا، فقد كان قبل التدريس مراسلا صحفيا غطى الحرب الأهلية في أسبانيا (1939936) وفي تلك المهمة زامل أسماء علت ولمعت في آفاق النجوم (من طراز أرنست همنغواي وجورج أورويل وآرثر كوستلر وأندريه مالرو وغيرهم) ولم نكن وقتها ندرك ما فيه الكفاية عن هؤلاء الرجال ولا عن المعركة الإنسانية الكبرى التي نبهوا العالم إليها خبرا ورأيا، لكن شخصية أستاذنا وما تميزت به من الحماسة المشبوبة بالنار تكفلت بتعويض النقص في معارفنا حتى أتيح لنا فيما بعد أن نستوعب تلك الرابطة الدقيقة العميقة بين الحرف والموقف.

وعلى أية حال فإنه من 8 فبراير 2003 وحتى سبتمبر 2003 مشت الدراسة والممارسة بسرعة ومسافة فلكية باعتبار متغيرات العصور والعلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

وكان تقديري أن أي حياة عمرا وعملا لها فترة صلاحية بدنية وعقلية وأنه من الصواب أن يقر كل إنسان بهذه الحقيقة ويعطيها بالحس قبل النص واجبها واحترامها، ثم إنه من اللائق أن يجيء مثل هذا الإقرار قبولا ورضا وليس إكراها وقسرا، كما يستحسن أن يتوافق مع أوانه فلا ينتظر المعني به حتى تتطوع مصارحة مخلصة أو تداري مجاملة مشفقة لأن انتظار المصارحة مؤلم وغطاء المجاملة مهين.

وكذلك حاولت من سنوات أن أنبه نفسي بين وقت وآخر إلى مزالق الانتظار، وضمن ما فعلت أنني وضعت حدودا لما أكتب بأفضلية أن يتساءل الناس لماذا لا يكتب هذا الرجل أكثر بدلا من أن يكون سؤالهم لماذا يكتب هذا الرجل أصلا وعلى نفس المنوال فإن ما يساورني الآن يتلخص في أفضلية أن يتساءل الناس لماذا يستأذن هذا الرجل في الانصراف متعجلاً بدلا من أن يكون سؤالهم لماذا يتلكأ هذا الرجل متثاقلا.

وللحق وذلك اعتراف بالفضل واعتزاز بأصحابه فإن كثيرين تكرموا بجهدهم في تحويلي عما رأوه اتجاهي، راغبين إقناعي بأني ما زلت جسدا وفكرا قادرا على الاستمرار مع إشارات عطوف إلي أنه ليس من حق محارب أن يلقي سلاحه مهما تكن الأسباب ولا من حق كاتب أن يتخلى عن قلمه ما دام استطاع، وكان جوابي مقدرا وليس معاندا أن عدد السنين حقيقة حساب ودوران أي عجلة طوال الوقت طاقة مستنفدة مؤثرة على صلب معدنها ذاته ولو تعطل الناس مع حاصل الجمع أو تمنوا لو تتحمل المعادن إلى الأبد فذلك ليس من شأنه إلغاء قواعد الحساب أو تعطيل قوانين إجهاد المواد واستهلاكها.

ومن باب الدقة فإن هاجس الانصراف حتى بدون استئذان ومض لأول مرة في خواطري مساء يوم 28 سبتمبر 1970 في غرفة نوم جمال عبد الناصر نفسه وكان ذلك الصديق الكبير أمامي على فراش نومه وقد تحول في دقائق إلى فراش موته.

ولم يكن سبب ما لمع برقا في خواطري مجرد التفجع والأسى وكان هناك منه كثير لكن السبب أنني وقد أدركت هول ما جرى بعد فترة من العجز عن التصديق تلفت حولي ولمحت أو خيل إلي أنني لمحت ما أثار عندي ظنونا غامضة.

كنا في غرفة النوم أو الموت سبعة رجال بالعدد من حول جثمان الراحل الكبير الذي تقدم نحوه كبير أطبائه وسحب الملاءة على وجهه في حركة بدت وكأنها فعل رمزي يقطع بالنهاية مهما كان العجز عن تصديقها.

وتردد الكلام همسا في الغرفة عن الإجراءات والترتيبات لهذه الليلة الحزينة وما بعدها ولمحت في عيون البعض تعبيرات أو إشارات توحي ربما بنذر غير محددة في أجواء هذه اللحظة لكنها بعد مفاجأة الأحزان قد تصبح خطيرة!

ومن الإنصاف أن ما لمحته في العيون والإيحاءات لم يكن ظاهرا بوسواس طمع في إرث سلطة أو علو موقع بل لعل العام أو ما يبدو عاما بدا طاغيا على الخاص أو ما يبدو خاصا لأن المنطق الظاهر كان شدة الحرص على الرجل الكبير الراحل والعزم على تكملة مسيرته كهدف مقدس يتسابق الجميع عليها وفاء بأحقية يستشعرها كل منهم ويرى نفسه أهلا لها بمسؤولية وظيفة أو قرب اتصال، لكن البشر هم البشر وفي أعماق نفوسهم فإن شدة الحرص والتفكير بأفعال التفضيل تحرض أصحابها وتدفعهم إلى سباق يعتقد كل منهم فيه أنه الأجدر والأولى وهنا موضع الالتباس وربما الاشتباك.

والواقع أن طرفات العيون وإيحاءاتها مما خيل إلي أنني لمحته راحت تفصح عن نفسها أكثر حين نزلنا إلى صالون بيت جمال عبد الناصر نستكمل كلامنا تاركين الراحل الكبير لأسرته تحيط فراشه في وداع أخير.

وفي صالون الدور الأول من البيت انضم إلينا نحن السبعة الذين وقفنا حوله لحظة النهاية تسعة أو عشرة رجال على الأكثر في يدهم مفاتيح السلطة والقرار في البلد واستؤنف الكلام عن الإجراءات والترتيبات وعن غد وبعد غد وما يجري ويكون، وراحت وساوسي تتنبه مهموما بأن ما أرى وأسمع قد يكون نذير احتكاك قادم حتى وإن حاول البعض تفاديه أو كبته حتى لا يأخذ وزر الفتنة على نفسه أو على الأقل كي لا يكون بادئا بها في ظرف لا يتحمل المجازفة.

وخطر ببالي أن صداقتي الحميمة لجمال عبد الناصر وحماستي لمبادئ مشروعه مرتبطة على نحو ما بثقة مباشرة فيه والآن وقد غاب فإن علي أن أراجع وبحزم. وبدا لي دون ظل من شك أنني لا أريد أن أكون طرفا في صراع، فالسلطة من البداية ليست حلمي ولا بين مطالبي ومع احترامي لبعض من أرى حولي وعلاقة ود بيني وبين معظمهم فإن النقطة الحرجة في الموقف أن درجة قربي من جمال عبد الناصر لا تسمح بحياد، فضلا عن أن الحياد قرب مصائر الأوطان هرب أو تهرب، ومن ناحية أخرى فلم يكن سرا أيامها أن علاقاتي ببعض أطراف السلطة مشدودة وخلافاتي مع الاتحاد الاشتراكي وتنظيمه الطليعي متوترة وحساسيتي من تصرفات أجهزة الأمن والتأمين كما هي في كل العصور جزءا من التكوين المهني والنفسي لصحفي يتمنى الحرص على تخوم مهنته وتلك أمور تترتب عليها نتائج في أجواء صراع على السلطة لأنالاستقطاب عندها يكون حادا وعنيفا يفرض: إما انحيازا غير مقنع إلى طرف أو عداء لا مبرر له مع طرف آخر، وعليه فأمامي أحد موقفين: إما الانصراف فور تشييع الراحل الكبير إلى مرقده الأخير وإما الانسياق إلى صراع لا أريده بوسائل لا أملكها ولا أريد امتلاكها.

وغداة تشييع الجثمان بعثت لرئيس الجمهورية بالنيابة أنور السادات كتاب استقالتي من الوزارة وكانت تلك خطوة أولى على طريق الانصراف (حتى من الأهرام) وعندما تقابلنا في المساء (من السابعة إلى الثالثة بعد منتصف الليل) فتح لي أنور السادات قلبه بغير تحفظات صريحا مع نفسه ومع الحقيقة ومع الظروف والملابسات (ولا أزيد). وخرجت من قصر العروبة أستقبل نسمات فجر (3 أكتوبر 1970) شبه مقتنع بأنه ليس وقت الانصراف من الساحة بعد مستأذنا أو بغير استئذان (فقد وافق الرئيس المرشح أنور السادات على ما طلبت بشأن الوزارة وكان يعرف قبل غيره أنها تكليف مؤقت لمهمة معينة ولأجل محدد سنة لا تزيد في ظرف رآه جمال عبد الناصر مهيأ لاختراق سياسي يتوازى مع الذروة في حرب الاستنزاف ،

وعليه فقد وافق أنور السادات على نص استقالتي وكتب بخط يده ردا بالغ الرقة واللطف عليه لكنه اشترط بقائي في مجلس وزرائه إلى ما بعد الاستفتاء على رئاسته حتى لا يقول الناس إن أقرب أصدقاء جمال عبد الناصر لم يطق الصبر يوما عليه وكان الرجل في ذلك سمحا محبا ومقبلا). ولم يطل الحديث بيننا عن الأهرام فقد كان قوله الفصل إن ذلك هو المستحيل ذاته لأن الأوضاع كما أرى والاحتمالات كما أقدر ثم إن البلد في حالة حرب هي بضروراتها أكبر من موقف أي رجل ومن رؤيته لدوره ومن آرائه واجتهاداته!.

وكنت وقتها في السابعة والأربعين.

ومرت سنوات عصيبة تفجر فيها صراع مراكز القوى (وقد كان مثل عواصف الخماسين ثارت أوائل صيف ثم انصرفت) وتعقدت الصلات مع الاتحاد السوفياتي (فقد استحكم التوتر وكان يمكن تفاديه) وتشابكت العلاقات مع الولايات المتحدة (وكان متاحا إدارتها باقتدار يستغني عن الرهان) وكان الأهم من ذلك كله أن شمس أكتوبر 1973 طلعت أخيرا وعلت وسطعت!

وفي تلك الظروف وقفت بكل جوارحي إلى جوار أنور السادات وليس في سمعي غير النداء الغلاب للمعركة محاولا ومدعوا إلى خدمة التخطيط الإعلامي لها والتحضير السياسي قبلها وأثناءها وبعدها، وبلغ اعتزازي مداه حين عهد إلي أنور السادات بكتابة التوجه الإستراتيجي الصادر عنه بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية إلى القائد العام المشير أحمد إسماعيل علي يبلغه رسميا ومعه هيئة أركان الحرب بالمطلب الاستراتيجي المراد تحقيقه بقوة السلاح ابتداء من الساعة الثانية بعد ظهر يوم السبت 6 أكتوبر 1973، ومرت الأيام والساعات مشحونة وفي الساعة الثانية من بعد ظهر يوم السبت 6 أكتوبر 1973 انطلق الشباب والرجال على جسور العبور.

كان التوجيه الاستراتيجي من صفحتين اثنتين، بدأ بتحليل الوضع في المنطقة مع استمرار حالة اللاسلم واللاحرب ووجود أراض عربية محتلة، وضغوط تعبئة عامة وكاملة للموارد والبشر بلغت مداها، ثم انتقل إلى عرض للظروف الدولية والإقليمية وما تسمح به وما لا تسمح، ثم ينتقل التوجيه مباشرة إلى تحديد الهدف الذي كلفت القوات المسلحة بتحقيقه وهو: كسر نظرية الأمن الإسرائيلي التي اعتمدت عليها الدولة الصهيونية منذ قيامها وتمكنها من الاعتماد على تفوق عسكري تعتبره رادعا في حد ذاته، وأنه مع كسر نظرية الأمن الإسرائيلي بفعل عمل عسكري مسلح لديه الحافز والوسائل مع الخبرة والعلم يتحقق ميزان قوة مختلف يكون مدخلا إلى صراع إرادات شامل سياسي وعسكري يمكن الاستناد إليه في مواصلة تحرير الأراضي العربية المحتلة، والعودة إلى خطوط 4 يونيو 1967 وفق شرعية قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

ثم ينتقل التوجيه الاستراتيجي في فقرة تالية إلى تأكيد ثقة القائد الأعلى للقوات المسلحة والتي سبق له اعتمادها ووضع توقيعه عليها تاركا لقيادة القوات حرية التصرف الميداني مخولة بكل الصلاحيات التي تكفل لها إدارة العمليات بأعلى كفاءة.

 

نتائج

وكانت هناك يوم صدور التوجيه الاستراتيجي ثلاث خطط محددة:

أولاها: الخطة جرانيت (1) وهدفها عبور قناة السويس بقوة خمس فرق من المشاة والمدرعات تعمل تشكيلاتها تحت إمرة ثلاثة من قواد الجيوش يختص كل منهم بمنطقة على الخط الطويل الممتد من بور سعيد إلى السويس والمهمة للثلاثة عبور قناة السويس بقوة السلاح والتمسك بثلاثة رؤوس كباري عرضها عشرة كيلومترات على الأقل كي تظل في حماية حائط الصواريخ حتى تسيطر على رؤوس الكباري التي تبدأ منها الطرق الرئيسية الثلاثة: الجنوبي والأوسط والساحلي.

 والخطة الثانية: هي جرانيت (2) وهدفها التقدم بعد إتمام السيطرة على رؤوس الكباري في ظرف ثلاثة أيام إلى احتلال مضايق سيناء والسيطرة عليها (بالذات مضيق الجدي) والتمسك بها تحت أي ظرف، لأن ذلك يطرد القوات الإسرائيلية إلى مناطق مكشوفة تماما وفي الغالب يفرض عليها التراجع إلى خط أم كتاف على الحدود بين مصر وفلسطين.

وأما الخطة الثالثة وقد أطلق عليها الاسم الرمز (الخطة 2000( فهي مجهزة لاحتمال قيام القوات الإسرائيلية الخاصة باختراق قناة السويس في اتجاه معاكس (من الشرق إلى الغرب) بقصد النفاذ وراء الجيوش المصرية الثلاثة والقيام بعمليات كوماندوز لمهاجمة وتدمير أو شل فاعلية قواعد الصواريخ من طراز سام (2) وسام (6) وحرمان قوات العبور من حمايتها.

ومن الغريب أن تفاصيل هذه الخطة تشير بالتحديد لمنطقة الدفرسوار والخطة تعهد إلى احتياطي القيادة العامة، وهو من فرقتين من المشاة الميكانيكية المتحركة تظل غربي القناة، ولا تشارك في العبور لتكون لها حرية الحركة في أي لحظة إزاء أي مفاجأة.

(وهذه الخطة كانت وراءها قصة تقارب الخيال ولعلها تستحق أن تحكى ذات يوم بتفاصيلها وأبطالها).

وقد تم وضع الخطط الثلاث قبل رحيل جمال عبد الناصر وصدق بتوقيعه على أولاها ثم وقع خلفه أنور السادات على جرانيت(2) والخطة (2000). عندما قدمهما إليه الفريق محمد فوزي وزير الدفاع وقتها في شهر مارس 1971.

ومن الإنصاف أن يقال إن هذه الخطط وبالذات جرانيت (1) و(2) لحقت بها زيادات وتعديلات في السنوات ما بين 19731970 وأن هذه الزيادات والتعديلات رفعت مستواها ودعمتها بخبرات مستجدة وقفزات كبيرة بتكنولوجيا السلاح، خصوصا في استخدامات الصواريخ، والفضل عائد إلى الرجال الذين تولوا وزارة الدفاع في تلك السنوات ورؤساء أركان الحرب وقادة الأسلحة والتشكيلات مما أضاف إلى فكرة الخطة وتفاصيلها،

وغيرت أحيانا أسماءها وجعلتها علامة بارزة في التاريخ العسكري).

وليس هناك أدنى شك في أن الساعات المجيدة من الثانية بعد الظهر إلى السابعة مساء حققت الهدف الاستراتيجي المطلوب، فقد كانت الدبابات السورية تندفع بقوة عبر الجولان نحو بحيرة طبرية، كما كانت جسور العبور على الجهة المصرية مشهد عز في التاريخ العربي المعاصر.

ولعشرة أيام متواصلة كانت القوات العربية على الجهتين تعطي بجود وسخاء أفضل ما عندها كفاءة وشجاعة ودما وبالفعل تغيرت الموازين!.

وطوال أيام الحرب من 6 وحتى 20 أكتوبر كنت مع الرئيس السادات كل مساء وحتى قرب منتصف الليل في قصر الطاهرة وكان يقيم فيه أيامها ومعه مكتب اتصال يحتل بدروم الدور الغاطس تحت الأرض.

وكتبت له خطابه الذي ألقاه في مجلس الشعب يوم 16 أكتوبر 1973، وعندما عاد بعد إلقائه اتصلت به من الأهرام أبلغه بما أعلنته رئيسة وزراء إسرائيل من أن جيش الدفاع (الإسرائيلي) يواصل عملياته ويتقدم غرب القناة (وكانت تلك أول أنباء عن الثغرة) وطلب أن أنتظره على التليفون دقيقة يتصل فيها بالمشير أحمد إسماعيل وعاد إلي ومعه طمأنينة لم أحسبها كافية،

وطلب إلي أن أتصل بنفسي بأحمد إسماعيل وأسمع منه وفعلت ومرة أخرى عاودني الشعور نفسه.

وفي يوم 17 أكتوبر حضرت معه لقاء واحدا ضمن ثلاثة لقاءات أجراها مع رئيس الوزراء السوفياتي إليكس كوسيجين وكان قد جاء في زيارة سرية للقاهرة ولم يكن ما سمعته مشجعا.

ومساء 20 يناير ظهر الخلاف بيننا علنيا في موضوع قبول قرار مجلس الأمن رقم 338 فقد أبديت تحفظات عليه وفي حضور المهندس سيد مرعي والسيد حافظ إسماعيل والدكتور أشرف مروان.

وطرحت تعديلات على نص القرار لم يقبل بها.

وطرحت أهمية التشاور مع سوريا قبل قبول القرار، وكان رأيه أن السوفيات سوف يقومون بإخطارهم وعلقت بأنهم شركاء لنا في الحرب وليسوا شركاء السوفيات ولم يقتنع.

ورجوته كخط دفاع مأمون أن ينتظر حتى يجيء المراقبون الدوليون لضبط خطوط وقف إطلاق النار، خصوصا أن فريقا منهم جاهز في قبرص ووصوله إلى هنا مسألة ساعات مع تذكر تجربة أن الإسرائيليين لن يحترموا قرارا من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار بل سوف يستغلونه إلى أبعد مدى يستطيعون الوصول إليه.

ورد علي أمام الجميع: بأن لديه تعهدا أميركيا مكتوبا بتوقيع نيكسون وهذا في نوعه أنفع وأجدى ألف مرة من أمم متحدة لا تحل ولا تربط!.

وقلت ما مؤداه: إنني مشارك لسنوات طويلة في اتصالات ومحادثات مع إدارات أميركية متعاقبة منذ سبتمبر 1952، وبالتالي فقد خبرت مراوغات السياسة الأميركية وتعلمت أن أسمع ثم أبحث ثم أشك، ثم اكتشف أن الكلام في الخطاب الأميركي شيء والفعل نقيضه إذا لم يحاذر من يفهم الأمر!

ورد بما ملخصه: ان الاتصالات هذه المرة على مستوى آخر غير مسبوق! فهي بينه وبين الرئيس نيكسون (رئيس الولايات المتحدة وقتها) وهي تحتوي على تعهدات مكتوبة موقعة بإمضاء رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم. وأضاف مؤكدا: إن الاتصالات هذه المرة تختلف في كل شيء عن كل ما سبقها.

(ولم أكن أعرف شيئا عن هذه الاتصالات حتى عثرت على نصوصها في واشنطن بعد خمس عشرة سنة!)

وعدت مرة أخرى عارفا أنني أضغط على الرجل إلى درجة تقارب الإلحاح، فأشرت إلى سابق تجارب إسرائيل مع العرب في استغلال قرارات وقف إطلاق النار بعد صدورها، متجاهلة نداءات دولية وحججا واتهامات توجه إليها بالغش والتدليس. ولكنها تظل متمسكة بما خطفته أو نشلته في حماية قرار دولي أطاعه العرب وأصرت هي على عصيانه، ورد الرئيس السادات بلهجة واثقة: إطمئن. قلت لك هذه المرة مختلفة لأن رئيس الولايات المتحدة بنفسه يدير الأزمة وقد كتب إلي بما يبدد شكوكك وشكوك غيرك يبلغني أن طائرات الاستطلاع من طراز يو تو التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأميركية سوف تحلق فوق خطوط القتال طوال اليوم حتى تصور المواقع على الجانبين، وتكشف وتحدد أي الطرفين يغش وأيهما يلتزم. وإذن فإسرائيل لاتستطيع التلاعب. وإذا حاولت فهناك لأول مرة من يستطيع أن يشكمها ويضعها في مكانها في الصندوق! وواصلت الجدل معه شاعرا أنها الفرصة الأخيرة.

شرحت له مخاوفي من احتمال انفراط عمل عربي مشترك وصل إلى درجة من التعبئة يمكن البناء عليها لإعادة بناء نظام عربي قادر يجعل الأمة بالفعل كما قال هو قبل أيام القوة السادسة في العالم. ورد وفي صوته نبرة صدق: بأنه لابد أن أعرف أنه يختلف عن جمال (عبد الناصر) فهو لا يريد إقامة إمبراطورية، ومطلبه أن يستريح هو ويستريح الناس من عناء الحروب ليبدأوا عهدا من الرخاء يراه مقبلا.

ومع أن ذلك الخلط بين عمل عربي مشترك ومطلب إمبراطوري مصري روعني فقد مضيت أجادل بأننا ما زلنا وسط حرب لم تنته بعد. ووجه نظره إلي قائلا وهو يضحك بطريقته الشهيرة ما نصه: سجل عندك هذه آخر الحروب. ثم استطرد بما مؤداه أنني ما زلت اتكلم على قديمه ولم استوعب بعد أنها حاجة جديدة.

ونزل علي وجوم، والغريب في الأمر أنني كنت ما زلت قادرا على فهم جزء من مشاعره:

كان عبء قرار الحرب عليه ثقيلا.

وكانت أيام القتال بالنسبة له شاغلا ملحا.

ثم إن الرجل في النهاية سمع مني كل ما قلته دون أن يعلو صوته، كما فعل مثلا مع السيد حافظ إسماعيل الذي حاول لفت نظره إلى خشيته من أن يكون العسكريون قد نقلوا إليه أخبارا متشائمة ورد عليه الرئيس السادات بعنف أحرج الرجل المهذب والمنضبط.

وفوق ذلك فقد انهمرت على الرئيس السادات في تلك الفترة رسائل ثلاث من ملوك المنطقة وكأنها تعزز تعهدات نيكسون.

وكنت رأيت بعض الرسائل الواردة إليه من الملوك الثلاثة واستأذنته في صور منها وأذن.

كانت رسائل الملوك الثلاثة التي انهمرت عليه فجأة كثيرة:

 رسائل من محمد رضا بهلوي شاه إيران، وفي إحداها يقول: إن ما تحقق في ميدان القتال يكفي وإن التمادي بعد ذلك خطر وأنه في محادثة تليفونية مع الرئيس نيكسون فهم منه أن أميركا لن تسمح بانتصار عربي بالسلاح السوفياتي لأن تلك مسألة تتصل بالاستراتيجية العالمية وإدارة الحرب الباردة.

ثم يقول الشاه إن أي انتصار كبي،ر على فرض إمكان تحقيقه، يمكن أن يكون دافعا إلى مطالب شعبية يصعب الوفاء بها لأن شهية الدهماء faR-fiR حسب وصفه سوف تطالب بمكاسب لا تقابلها موارد وذلك أقرب طريق إلى القلاقل الداخلية وحتى إلى العصيان والثورة!

 رسائل من الحسن الثاني ملك المغرب وفي إحداها يقول الملك إن معلوماته تؤكد له أن الجماعة في تل أبيب (يقصد القيادة الإسرائيلية) تعلموا درسا، وأنه يعرف عن يقين وعن طريق الحزب الملكي من المهاجرين واليهود المغاربة من رعاياه، وبعضهم في مواقع السلطة أنهم في إسرائيل جاهزون لسلام حقيقي على أساس انسحاب إلى خطوط 4 يونيو 1967.

ورسائل معظمها شفوي من فيصل بن عبد العزيز ملك السعودية يحملها إليه السيد كمال أدهم (مدير مخابراته وأهم مستشاريه) لكن الملك في رسائله يلمح ولا يصرح وهو في كل رسالة خصوصا إذا كانت مكتوبة يترك القرار لحكمة الرئيس واثقا في حكمته وحسن تدبيره.

وكان قصارى ما أفصح به الملك فيصل عن فكره هو استشهاده بالآية الكريمة التي تقول وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، وقد وصلت هذه الرسالة في يوم وصول هنري كيسنجر نفسه إلى القاهرة.

وكنت أستشعر مدى تأثير رسائل الملوك الثلاثة على الرئيس السادات.

وفي نهاية ليلة طويلة وعصيبة خرجت من قصر الطاهرة شاعرا بأننا على أبواب أزمة في علاقاتنا هي بالتأكيد الأعمق.

وعندما وصل هنري كيسنجر إلى القاهرة أول مرة يوم 7

نوفمبر 1973 وطلب أن يقابلني حاولت أن أعتذر بواسطة السفير أشرف غربال وهو وقتها المستشار الصحفي لرئيس الجمهورية. خصوصا بعد أن قرأت نص مشروع النقاط الست التي عرضها على الرئيس السادات ونالت موافقته في لقائهما الأول، وبالفعل اعتذرت عن غداء أقامه له السيد حافظ إسماعيل (مستشار الرئيس للأمن القومي وقتها) في نادي التحرير لكن السفير أشرف غربال عاد إلي بعد قليل يبلغني أن الرئيس السادات يطلب مني أن أقابل كيسنجر واتصلت بالرئيس ولكنه كان قاطعا لأننا في هذه اللحظة يجب أن نكون صفا واحدا وكلمة واحدة.

وحضرت بالفعل حفل عشاء في بيت الصديق العزيز الراحل إسماعيل فهمي (وزير الخارجية وقتها) وكان العشاء تكريما لكيسنجر واتفقنا على أن يغادر وزير الخارجية الأميركية حفل العشاء في الساعة العاشرة وألحق به بعد ربع ساعة إلى جناحه في الدور الثاني عشر من فندق هيلتون النيل حيث يقيم والوفد المرافق له وجلسنا لحديث طويل دام ساعتين ونصف ساعة.

وصباح اليوم التالي اتصلت بالرئيس السادات وذهبت إليه في الساعة الحادية عشرة صباحا وكان لا يزال في سريره بعد حمام ساخن وهو بعد الحمام يرتدي البرنس الأبيض وفوقه غطاء أبيض مطرز باللون نفسه.

وحاولت أن أروي له من أوراق كتبتها تفصيل ما دار بين كيسنجر وبيني وأهمها مخاوفي من أن مشروعه لحل الازمة خطير (خطوة بعد خطوة والبلاد العربية المعنية واحدة بعد واحدة وأية مفاوضات لابد أن تجري تحت إشراف أميركي لا دور فيها للاتحاد السوفياتي ولا لأوروبا إلا عندما يحل دور المراسم والتشريفات) وأبديت أن كيسنجر نفسه يصعب الاعتماد عليه لأنه بالضرورة منحاز وانحيازه طائفي وفكري وسياسي محكوم بصراع الحرب الباردة وليس بسلام عادل في صراع الشرق الأوسط.

وكان رد الرئيس السادات أن كيسنجر هو الرجل الوحيد الذي يستطيع أن ينجز المهمة، فهو الساحر الذي أنهى حرب فيتنام وفتح باب الصين والذي لا يتفاوض حتى في الاتحاد السوفياتي إلا مع الزعيم ليونيد بريجنيف ولا أحد غيره. ثم إن كون كيسنجر يهوديا يجعله مهيأ للضغط على إسرائيل إذا اقتنع وهو (أي الرئيس السادات) واثق من قدرته على إقناعه وفي ذهنه تصور كامل لما ينوي أن يعرضه عليه. (ولم يدخل في التفاصيل).

وخرجت من قصر الطاهرة يومها شاعرا بأنها نهاية النهاية وعلي أن أحدد موقفي.

وكتبت مجموعة مقالات كنت أعرف مسبقا بأنها لن ترضيه (وقد صدرت فيما بعد على شكل كتاب بعنوان مفترق الطرق).

وكانت بالفعل مفترق طرق أقولها بشيء من الحزن ما زال معي حتى الآن يقينا بأن فرصة لا مثيل لها تضيع وهي لا تلحق به مظنة الخيانة، (كما يرى البعض) لكنها تكشف عن أن الرجل تعامل مع المجهول مراهنا على تصوراته الخاصة في ظروف لاتحتملها الحقائق يومها ولا التقويم الموضوعي للمواقف، وكانت مخاوفي غالبة.

وفي الوقت نفسه فقد داخلني إحساس قوي بأن هذه التوجهات الجديدة تضع شرعية أكتوبر على طريق صدام مع شرعية يوليو، ومع أن يوليو كانت في حاجة إلى مراجعة فإن الصدام يصعب اعتباره مراجعة وقد قلت ذلك بنفسي للرئيس السادات عندما شاء بسماحته أن يعاود الاتصال بي وفعل ذلك فجأة صباح يوم في أكتوبر 1974 بعد قطيعة تسعة شهور، وبعد أسابيع وصل إلى حد أن عرض علي منصب نائب رئيس الوزراء في وزارة السيد ممدوح سالم وكذلك قلت بنفسي للسيد ممدوح سالم في مكتبه في وزارة الداخلية ما مؤداه إنني أرى أمامي شرعيتين متصادمتين دون أن أقتنع بمبرر أو سبب وكنت أتصور أنه يمكن البناء على الايجابي لشرعية سابقة يضاف إلى منجزات شرعية لاحقة، وذلك يصحح ويرفع ولا ينقض أو يزيح، وإنه إذا كان هناك تصادم بالفعل بين شرعيتين فإن اختياري معروف وموقعي محدد، كانت شرعية أكتوبر تملك انتصارا لا شك فيه ولكنها في الوقت نفسه قادرة على الاستناد إلى ما لا يقبل الجدل من شرعية يوليو (الثورة تأميم قناة السويس بناء السد العالي مشروعات التصنيع الحقوق الاجتماعية للعمال والفلاحين وهم أغلبية الشعب حتى بالعدد إلى جانب إخراج الاستعمار البريطاني والفرنسي من شرق العالم وغربه، وايقاظ مشاعر أمة وتحريك إرادتها).

ولا أملك غير أن أقف وراء ما اقتنعت به صوابا كان أو خطأ لأن الخلاف لم يكن مجرد تباين في وجهات النظر وإنما كان مفترق طرق حقيقيا ونهائيا لا دخل فيه لعامل ذاتي لأن الرجل على المستوى الانساني كان شخصية جذابة ومثيرة.

وفي الحقيقة والواقع أن موضوع الخلاف بيننا صدر عن رؤى مغايرة وأحيانا متناقضة.

كان اعتقادي ولا يزال أن أي إنجاز عسكري عظيم يتحول إلى استعراض بطولي بالدم والنار ما لم تستطع كفاءة السياسة تعزيز وتوظيف فعل السلاح، ومن ناحيته فإن أنور السادات بحقه الرئاسي وشجاعته في اتخاذ قرار القتال تصرف باعتقاد أن ما تحقق في الميدان يعطيه فرصة مناورة أوسع ومع الولايات المتحدة الأميركية بالذات وفي حسابه أنها تملك مفاتيح الحل أو 99% من الأوراق كما أعلن أيامها.

 وكان خوفي وإلى الآن أن الأمة بكاملها وشعوب الدنيا حتى بمشاعرها أضافت إلى تلك المعركة من مواردها وجهودها وأعصابها واهتمامها ما لا تسهل تعبئته مرة أخرى، وعليه فإن الصمت مستحيل خصوصا إذا جاء من رجل شاءت له الظروف أن يكون في قلب الوقائع مشاركا وليس متفرجا كل ما يهمه الحصول على خبر أو الانفراد بسبق!

وكان الأصعب والأقسى شعور جازم وملح بأن طريقة إدارة العملية السياسية بعد المعركة العسكرية سوف تضبط أحوال المنطقة وتمسك بتوازناتها لخمسين سنة قادمة على الأقل لأن أطراف الصراع أعطوا قصاراهم ووصلوا إلى الحافة، فإذا استطاع أحدهم في لحظة حرجة دفع الآخرين إلى السفح فقد سيطر على الساحة وأملى إرادته على المستقبل!

 وكان قلقي أن إدارة العملية السياسية بعد القتال سوف تكون معيارا متوازنا سياسيا وأخلاقيا لكرامة السياسة المصرية وتوازن خطها فليس يعقل أن يكون سلاح الحرب بما تحقق من نصر عالميا (سوفياتيا أوروبيا) بنسبة 99% ثم تسلم أوراق الحل السياسي بعده بنسبة 99% إلى مشيئة أميركية تتسيد وتستولي.

وأخيرا كان جزعي أن نفس طريقة إدارة العملية السياسية خصوصا إذا تنازلت إلى حل منفرد بين مصر وإسرائيل سوف تؤدي إلى عواقب بعيدة المدى من النواحي الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وربما يتحقق مطلب عزل مصر في حصن ركن معزول من شمال شرق أفريقيا وتنفرد إسرائيل بالمشرق العربي قوة رئيسية في غرب آسيا وذلك هو المطلب البعيد المدى للفكرة الصهيونية وأصدقائها.

ومن الأمانة أن أذكر في هذا الموضع أن عبد المنعم رياض (شهيد مصر الشجاع) ذلك الجندي المتميز الذي تولى الإشراف على رسم الإطار الأولي لخطة أكتوبر 1973 رأى ولعلها الرؤيا ومبكرا جدا جوهر الحقائق السياسية الكامنة في الأزمة واستوعب شروطها الواجبة وما زال صوته في سمعي ونحن نمشي بعد الظهر ذات يوم في الغابات المحيطة بقصر زيدوفا قرب موسكو يقول ما مؤداه: ان المعركة القادمة مهما كانت حدود ميدان القتال ليست معركة العودة إلى سيناء أو الجولان وإنما هي معركة المستقبل ويضيف: إنها ليست معركة في المكان المحدود وإنما معركة في الزمان غير المحدود.

وكان عبد المنعم رياض شبه ملهم فيما قال ولمن شاء أن يستوثق كيف كان ذلك الجندي المستنير بعيد النظر أن يقرأ الكتاب الأخير لهنري كيسنجر وهو بكامله نصوص حرفية لتسجيلات صوتية للأحاديث التليفونية التي أجراها وزير الخارجية الأميركية أيام حرب أكتوبر 1973.

وقيمة الكتاب أنه وثيقة أصلية سجلت في الثانية واللحظة(حتى بالنكات والشتائم) وهي تزيح الستار بالطول والعرض عن حقيقة ما جرى وليس لدي مجال لشك في أن هذه الوثيقة وما فيها مما سقط عنه حجاب السرية أخيرا قبل أسابيع هي الكلمة الأخيرة النهائية والحاسمة في قضية السلاح والسياسة أكتوبر 1973.

على أنه من سوء الحظ أن عبد المنعم رياض رحل قبل أن يجيء الظرف الذي تحسب له مبكرا دون أن يعيش ويتأكد من صدق ما رأى بالبصر والبصيرة من أمر تلك العلاقة بين السياسة والسلاح!.

(وعلى الهامش فإن أي قارئ مدقق للكتاب الوثيقة سوف تلفت نظره محادثة تليفونية مسجلة بين وزير الخارجية هنري كيسنجر ووزير الدفاع جيمس شيلزنغر دارت وفي الساعات الأولى التي تأكد فيها نجاح الهجوم المصري والسوري (6 أكتوبر 1973) بأكثر مما كان متصورا أو متوقعا أو محسوبا.

على صفحة 29 من كتابه التسجيلي للأزمة يرد نص المحادثة التالية بين هنري كيسنجر وزير الخارجيةوجيمس شيلزنغر وزير الدفاع.

يوم 7 أكتوبر 1973 الساعة 45:3 بعد الظهر:

كيسنجر تكلمت مع الرئيس الآن، صدمة الهجوم المصري السوري عن ضرورة إمداد اسرائيل بكل ما تحتاجه أيا كان بدون أن يكتشف أحد حقيقة ما نقوم به.

شيلزنغر لا أستطيع أن أضمن ذلك في الظروف الراهنة، لأن الجميع متنبهون.

كيسنجر ولكننا فعلنا ذلك سنة 67 ولم يستطع أحد أن يكشف السر حتى الآن وعلى فرض أنهم عرفوا فذلك لا يهم لأن اسرائيل في خطر.

شيلزنغر هل أنت مستعد لاستعمال حاملات الطائرات؟!

كيسنجر ليس هذه الساعة ولكن مجموعة الحاملات لديها الأمر بأن تتحرك نحو شرق البحر الابيض.

ومع أني عشت لأرى وأختلف وأبتعد فقد ظلت تحكمني في هذا الموقف وغيره وقبله وبعده قاعدة لا تقبل التجاوز ملخصها أنه:

من حقي ومن حق غيري أن نطرح آراءنا وندافع عنها، لكن الكلمة الأخيرة بالتأكيد ملك المسؤول الشرعي المكلف بها فإذا وصلت الخلافات إلى درجة لا تحتمل فليس أمام أي صاحب رأي إلا أن يقف ويرفع صوته ليسمع ويرفع يده ليبين مكانه.

وكذلك رفعت صوتي ورفعت يدي وتركت موقعي في الأهرام دون أن يخطر ببالي هاجس الانصراف من الساحة، بل كان العكس هو الصحيح فقد وجدت نفسي أواصل الكتابة خارج مصر في مواجهة حسبتها قدرا مقدورا، موضوعها دور السياسة بعد السلاح في حرب أكتوبر1973 وكنت أقدر أنني سوف أتعرض لحملات جامحة.

وعاهدت نفسي من وقتها وإلى الآن ألا أرد على أحد مهما كان القول، وأيا كان القائل، وكثيرا ما ذكرت نفسي تلك الأيام وبعدها بحكاية رواها لي السير انتوني ناتنج وزير الدولة البريطاني الأسبق، الذي استقال من وزارة انتوني إيدن ابان حرب السويس 1956، احتجاجا على تورط رئيس الوزراء انتوني إيدن الذي خلف تشرشل على رئاسة المحافظين ورئاسة الوزارة في مؤامرة سرية للعدوان الثلاثي على مصر، شريكا فيها لرئيس وزراء فرنسا غي موليه ورئيس وزراء إسرائيل دافيد بن غوريون!

كان ناتنج عند أول الحكاية التي سمعتها منه سياسيا صاعدا وعضوا مستجدا في مجلس العموم، ورأى أن يذهب لمقابلة الزعيم البريطاني ونستون تشرشل وهو يعرفه صديقا لوالده اللورد ناتنج الكبير وضيفا على قلعة الأسرة في إسكتلندا. وكان غرض النائب الشاب الصاعد أن يسمع من صديق الأسرة الأسطوري نصيحة تنفع مستقبله.

ورد تشرشل بإنه سوف يجيب بلغة الطير، عارفا أن والده من هواة مراقبة الطيور، ثم تكلم السياسي المجرب العجوز:

استغل كل طاقتك وإرادتك حتى تقوي جناحك ليحملك إلى الفضاء العالي، حيث تحلق النسور هناك الحرية وهناك الخطر إذا لم تستطع فلا تسمح لنفسك تحت أي ظرف بطلب الأمان في قفص ببغاء تنطق برطانة يدربونك عليها (في الحزب)، ثم يكون دورك أن تكررها وتعيدها كلما مروا عليك، وطلبوا منك أن ترقص وتغني حتى يراك السيد (زعيم الحزب) ورفاقه، وربما أبناؤه أيضا وقد يصفقون لك، ويضحكون، ثم يتركونك حيث أنت ويذهبون ومعهم بسمة من تسلل وتله.

وفي حكاية ناتنج أن تشرشل نظر إليه في عينه بعد أن أنهى درسه، ثم صاح فيه: نسر إذا استطعت ببغاء أبدا مهما تحملت!

وأقر بأن تلك الحكاية التي رواها لي أنتوني ناتنج عادت من حافظتي إلى ذاكرتي في مواجهة ما تعرضت له من حملات تلك السنوات من السبعينيات، ولعلها كانت مؤثرة علي حين اخترت الصمت عزوفا عن مشادات وجدتها إهدارا للحبر بلا معنى، واستهلاكا للورق دون جدوى!

واكتفيت بأن قلت كلمتي ومشيت، وخطاي على الأرض لا فضاء النسر، ولا قفص الببغاء.

وكانت تلك مرحلة أخرى من العمر، وكنت وقتها في الخمسين!

أسباب متعددة

.. وسؤال عما بعد!

لعل هذا الموضع من سياق هذا الحديث مناسب لعرض كشف حساب يتصل بجانب آخر من تلك المرحلة:

عندما بدأت التدريب العملي مع الدراسة النظرية رفيقا لثلاثة من الزملاء غيري في جريدة الإجيبشيان غازيت قررت إدارة التحرير أن تصرف لكل منا بدل انتقال قدره جنيه واحد كل أسبوع أي أربعة جنيهات في الشهر.

وعندما عدت إلى الغازيت بعد الاشتراك في تغطية معارك العلمين بعين وطنية لحرب عالمية تجري على تراب مصري تحول بدل الانتقال الأسبوعي إلى مرتب شهري مقداره اثنا عشر جنيها في الشهر ثم زاد إلى ثمانية عشر جنيها في الشهر أوائل سنة 1945.

وعندما التحقت بالعمل في آخر ساعة مع الأستاذ محمد التابعي كان المرتب الذي تحدد لي خمسة وثلاثين جنيها في الشهر.

وعندما انتقلت مع آخر ساعة إلى أخبار اليوم 1946 وقد أصبحت سكرتيرا لتحريرها تحدد مرتبي ب: خمسة وأربعين جنيها في الشهر.

وعندما عملت مراسلا متجولا لأخبار اليوم مسؤولا عن تغطية الشرق الأوسط وتقلباته وفيها قضية فلسطين والحروب الأهلية في إيران والبلقان والانقلابات السورية وعمليات العنف التي غطت وجه العالم العربي بالدم عدت لأجد مرتبي مئة جنيه في الشهر.

وعندما أصبحت رئيسا لتحرير آخر ساعة أواخر سنة 1951 جرى تعديل مرتبي ليصبح مئتي جنيه في الشهر مع نسبة في أرباح المجلة توازي 4% مما يتحقق لها بعملي فيها.

وفي مايو 1952 أضيفت إلى عهدتي مهمة إدارة تحرير جريدة أخبار اليوم وأعلن رسميا عن رئاستي لتحرير آخر ساعة ووصل مرتبي إلى 360 جنيها في الشهر.

(في نهاية 11 سنة من العمل في أخبار اليوم استحقت لي مكافأة نهاية خدمة 7442 جنيها مصريا).

وعندما عرض عليّ أول عقد لرئاسة تحرير الأهرام سنة 1956 سرى تنفيذه بعد عام وضعت إمضائي عليه مقتنعا (لأسباب ليس هذا أوانها) وكان العقد بمرتب قدره ستة آلاف جنيه في السنة تضاف إليها حصة في أرباحه مقدارها 2,25% إذا استطاع جهدي تعويض خسائر عشر سنوات سابقة.

ولم يكن جمال عبد الناصر متحمسا لانتقالي إلى الأهرام بل كانت الأفضلية عنده أن أقبل رئاسة تحرير الجمهورية بأحقية أنها جريدة الثورة التي صدر امتيازها باسمه، ولم أتحمس للعمل في جريدة ثورة، وإنما كانت حماستي لجريدة طبيعية لها أصحاب ولها قراء.

 

وعندما أعلنت القوانين الاشتراكية وضمنها ربط الحد الأعلى للمرتبات بخمسة آلاف جنيه سنويا نقص مرتبي ألف جنيه في السنة وذابت تلك النسبة المقررة لي في أرباح الأهرام وكانت قد بدأت تعطي ما دعاني إلى توظيف حصتي منها في شراء مجموعة أسهم في الشركة المالكة للأهرام لكن قانون تنظيم الصحافة جعل من هذه الأسهم صكوكا تذكارية أتأملها الآن بعض المرات وأتبسم!

وعليه فإنني لمدة خدمة طالت في الأهرام سبع عشرة سنة كنت أتقاضى خمسة آلاف جنيه مصري في السنة تحول إلى حسابي كل شهر في البنك الأهلي (الفرع الرئيسي) بما صافيه 286 جنيها و450 مليما (بعد الاستقطاعات القانونية وضريبة كسب العمل).          عودة للرئيسية