|
ضباط القوات يهاجمون أعلن ضبّاط <<القوات اللبنانية>> المحظورة في بيان وزعوه أمس باسم <<ضباط المقاومة المسيحية>>، عدم الاعتراف بما <<يسمى بكتلة نيابية اطلق عليها اسم كتلة <<القوات>> لأننا نعلم جيداً ان هؤلاء مرتزقة والعديد منهم لهم ملفات اخلاقية معنا سنعلنها في وقتها كعلاقات جورج عدوان اللااخلاقية>>، آملين من <<السيدة ستريدا جعجع اتخاذ موقف صريح وتقديم استقالتها من الكرسي النيابية او عدم التكلم باسم <<القوات اللبنانية>> كونها غير منتسبة لها انما صفتها زوجة الدكتور سمير جعجع>>. وأمل الضباط من <<الجميع في لبنان عدم التعاطي مع هذه الشلة المرتزقة الواقفة على ابواب قصر قريطم والمختارة من أجل بضعة نقود ومنصب>>. وأعلن الضباط أنهم <<أنشأوا مكتباً تأسيسيا لهم برئاسة القائد غسان توما ليتولى شخصياً كافة الامور وليعطي التوجيهات اللازمة>>. وذكّر بيان هؤلاء الضباط الذين لم يذكروا أسماءهم بشعارات كانت مستخدمة خلال الحرب وقالوا بأنهم <<مؤمنون بأنّ المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار ومن أجل ذلك قدمنا دماءنا على مذبح الحرية من اجل نصرة لبنان الذي نريد، ويجب ان لا ننسى دماء الشهداء وعلى رأسهم القائد الرئيس بشير الجميل>>.
الأرقام تثبت معادلات سياسية
قديمة وتكشف توازنات شمالية جديدة
هدأت طبول المعارك الانتخابية وأهازيج الفرح بالانتصار التي صمت الآذان، وبدأ الخاسرون بالتعاطي العقلاني مع النتائج، وبإخضاعها للدرس والتمحيص الدقيق سعياً لقراءة موضوعية لما جرى في هذه الانتخابات من ظروف أسفرت عن هذه النتائج وما رافقها من شحن وحيثيات وعصبيات كانت سبباً رئيسياً في الزخم الذي عرفته العملية الانتخابية اقتراعاً وأجواء طاغية. وإذا كان الرابحون، أو بعضهم على الأقل، قد أفاقوا من <<سكرة>> الفوز والزهو بالانتصار، فإن الهواجس التي بدأت تنتابهم أصبحت مربكة لهم بقدر فرحهم بالفوز خصوصاً بالنسبة للفائزين في طرابلس والمنية. <<ماذا بعد هذه الثقة الكبيرة؟ هل نستطيع تلبية الوعود التي أطلقت عشية الانتخابات>>؟ أما الخاسرون، وهم كثر في الشمال، فقد خرج بعضهم يدرس ما أنتجت هذه الانتخابات من حسابات سياسية للمستقبل، وما أظهرته من أرقام كشفها التصويت الحزبي للوائح بغض النظر عن أسماء من فيها. وقد أظهرت الأرقام أن كلاً من <<تيار المستقبل>> و<<التيار الوطني الحر>> محور رئيسي في بيئته، ويتقاسمان قسماً رئيسياً من الشارعين الإسلامي والمسيحي، ولكل منهما تأثيره البالغ في الناخبين على الضفتين، ولا يمكن لأحد تبعاً لذلك إلا التوقف عند هاتين الظاهرتين الناشئتين كقوتين رئيسيتين في الشمال، فضلا عما يمثله سليمان فرنجية في البيئة الشمالية المسيحية حيث نال أعلى الأرقام في الأقضية المسيحية في الدائرة الثانية. الدائرة الأولى : لقد أدى الاندفاع القوي للتيارين الحريري والعوني إلى تراجع نسبي للقوى السياسية المحلية، مما يدفعها إلى قراءة المتغيرات والتأسيس عليها لاستعادة زمام المبادرة الذي فقدته في هذه الانتخابات لصالح قوى لها امتدادها على مساحة لبنان وإن كان لكل منها أرضية طائفية يستند إليها للانطلاق نحو تحقيق مكاسبه وطموحاته، خصوصاً أن القوى المحلية ما تزال رغم ما أصابها متجذرة في الشارع ولا يسهل تجاوزها حتى في ذروة قوة التيارين الجديدين اللذين وجدا نفسيهما محكومين بالتعاطي والتحالف مع القوى المحلية لضمان حشد القوى والدخول في المعركة بأرضية تعطيها شرعية الانطلاق، باستثناء ما حصل في الدائرة الأولى وتحديداً في عكار حيث اعتمد <<تيار المستقبل>> على قوته فقط وعلى الحضور القوي الذي كرّسه النائب سعد الحريري في المهرجانين الانتخابيين والجولات المكثفة التي قام بها أركان فريق عمل التيار الحريري في منطقة عكار. لكن التيار كان محكوماً بالتعاطي في الضنية مع قاسم عبد العزيز وفي بشري مع <<القوات اللبنانية>> التي انطلقت من أرضية حزبية وقلبت الطاولة على القوى التقليدية والعائلية. وفي المقابل أظهر <<التيار الوطني الحر>> قوة حضور لا بأس بها في عكار، لكنه نظراً لطراوة عودته وجد نفسه محكوماً بالتعاطي والتحالف مع غالبية القوى السياسية المحلية في كل من عكار والضنية وبشري، وبرغم ذلك لم يتمكن هؤلاء جميعاً من مواجهة المد الجارف ل<<تيار المستقبل>> في كل القرى الإسلامية في عكار والضنية التي قفزت فوق العلاقات الشخصية والعائلية والرغبات الفردية في معظم الأحيان لتتجاوب مع عواطفها التي نجح سعد الحريري في تجييشها لمصلحة معركته. وإذا كانت نتائج الانتخابات في الدائرة الأولى قد شكلت انقلاباً تاريخياً بإحداث تغيير في عشرة مقاعد نيابية دفعة واحدة من أصل أحد عشر مقعداً، فإن الغياب الطوعي والمدوي لنائب رئيس الحكومة السابق عصام فارس احتجاجاً على قانون الانتخاب كان أبرز عنوان سبق إعلان النتائج، وسيكون لهذا الغياب أثر كبير سيبدأ بالظهور بعد أشهر قليلة بما قد يؤدي إلى إعادة الحسابات والقفز فوق ما حملته نتائج الانتخابات التي جاءت لتعلق موقتاً دور القوى السياسية المحلية، من دون أن تستطيع إلغاءها بالكامل نظراً لحضورها الذي ما زال مؤثراً في مناطقها. فالنائبان السابقان وجيه البعريني وطلال المرعبي أكدا برغم الخسارة أنهما يمثلان شرائح كبيرة في عكار ولا يمكن مواجهة تحالفهما بسهولة، بينما خرجت منطقة وادي خالد بالكامل من دائرة الحضور النيابي بعد أن كان لها في المجلس السابق نائبان تسبب صراعهما بجزء من تلك الخسارة. كما أن خسارة النائب السابق جهاد الصمد لم تلغ حضوره وتأثيره في منطقة الضنية، بينما كشفت نتائج بشري أنها دخلت مرحلة تغيير حقيقي من التمثيل العائلي إلى دور جديد قديم ولكن بشكل رسمي هذه المرة ل<<القوات اللبنانية>>... وفي لغة الأرقام تكشف نتائج الدائرة الأولى أن اللائحة الثالثة، <<لائحة القرار الوطني>>، كان معدل أصواتها في كل الدائرة بمناطقها الثلاث نحو عشرة آلاف صوت، أما المواجهة بين اللائحتين الأساسيتين، <<لائحة الوحدة الوطنية 14 آذار>> و<<لائحة الإرادة الشعبية>>، فتكشف فوارق كبيرة بين اللائحتين لصالح <<الوحدة الوطنية>> التي تضم تحالفاً بين <<تيار المستقبل>> و<<القوات اللبنانية>> بنحو واحد وأربعين ألف صوت في مجمل مناطق الدائرة من عكار إلى الضنية وبشري. الدائرة الثانية : خرجت مناطق الدائرة الثانية في الشمال، التي تضم طرابلس والمنية وزغرتا والكورة والبترون، بمفارقات كبيرة وبجروح لن يكون سهلاً علاجها في وقت قريب. فالانتخابات أقصت عملياً ثلاثة أقطاب رئيسيين في الشمال انضم اثنان منهما طوعاً إلى قافلة المنكفئين والمعتكفين المقاطعين، وانضم الثالث قسراً إلى لائحة النواب السابقين، بينما كانت لائحة الخارجين من السباق الانتخابي المثخنين ب <<ظلم ذوي القربى>> طويلة. وفي المحصلة انضم الرئيس عمر كرامي باكراً إلى قطب شمالي آخر سبقه في الممانعة لقانون الانتخاب وخرج من المعركة الانتخابية إرادياً، لكن موقف الرئيس كرامي تطور إلى المقاطعة الطرابلسية، ثم جزأها إلى مقاطعة <<المحازبين>> ومشاركة ل<<الأنصار>>، في تلاق مع موقف علني ل<<الجماعة الإسلامية>>. أما الرئيس نجيب ميقاتي فقد انكفأ طوعاً وراضياً، موقتاً، بموقعه في رئاسة الحكومة، مرتاحاً من معركة مرهقة وظروفها غير مناسبة، فكان يحصد من أدائه في الرئاسة الثالثة ما يفيض عن مكاسب الرابحين والخاسرين معاً من المعارك الانتخابية. أما القطب الثالث الذي انضم قسراً إلى قائمة المغيبين فكان سليمان فرنجية الذي خسر مقعده النيابي، لكنه ربح زعامة يستحيل القفز فوق حقيقتها وما تمثل في زغرتا والكورة والبترون مع شريكه الجديد <<التيار الوطني الحر>>، الذي خرج من هذه المعركة محصَّناً بأرضية صلبة أفرزتها حالة التعاطف الشديد معه في منطقتي الكورة والبترون. وكان فرنجية و<<التيار الوطني الحر>> رابحين كل الجولات الانتخابية منذ بدء التحضير لها، إلا أنهما خسرا الجولة النهائية بالضربة القاضية وفي الساعة الأخيرة من يوم الاقتراع التي ارتفعت فيها نسبة المقترعين في طرابلس فجأة من نحو 35% إلى نحو 45%، أي عشر نقاط تماماً، وبما يقدر بنحو عشرين ألف صوت في ساعة واحدة فقط، إضافة إلى ما حصل في منطقة المنية التي تجاوزت نسبة الاقتراع فيها ما يوازي ال 60%، كان ثلاثة أرباعها لصالح اللائحة المقابلة له. كل هذا يفسر أسباب خسارة فرنجية وجميع شركائه وحلفائه في اللائحة عن كل المقاعد في طرابلس والمنية وزغرتا والكورة والبترون، ولولا تلك النسب المرتفعة في التصويت لكان هناك حديث آخر في النتائج، خصوصاً أن فرنجية حصد من مدينة طرابلس أصواتاً تزيد عن الأصوات التي حصل عليها في العام 2000، لكن نسبة عالية من هذه الأصوات كانت من الناخبين المسيحيين والعلويين، وهذا ما أزعج فرنجية الذي كان تعرض لحملة شرسة في المدينة. لكن فرنجية حظي بأصوات مرتفعة جداً في زغرتا وتمكن من تجيير معظمها لحلفائه في اللائحة كلها، فكان وحليفيه اسطفان الدويهي وسليم كرم رابحين في قضاء زغرتا خاسرين في الدائرة، تماماً كما الأمر بالنسبة لحليفه في الكورة فايز غصن الذي خرق في الكورة وخسر في الدائرة، ولمرشح <<التيار الوطني الحر>> جبران باسيل الذي خرق في البترون وخسر في الدائرة. أما بالنسبة لمرشحي طرابلس النائبين السابقين عبد المجيد الرافعي وأحمد كرامي ومحمد الجسر وصفوح يكن ونواف كبارة والنائب السابق أحمد حبوس وفايز كرم ورفلي دياب، فقد فاجأت الأصوات التي نالوها الجميع حيث كان معظم المراقبين يظن أن لا قدرة لهم على المنافسة داخل المدينة فأتت النتائج لتؤكد أنه لولا الساعة الأخيرة المفاجئة من يوم الأحد في طرابلس والنتائج التي خرجت بها المنية لكانت إمكانية حصول اختراقات أمراً طبيعياً. لكن نتائج هذه الانتخابات التي أبعدت أقطاباً كبارا، أفرزت أيضاً مراكز قوى جديدة وأقطاباً جدداً لن تكون حسابات انتخابية وسياسية في المستقبل من دون مراعاة موقعها ودورها وحضورها، خصوصاً في طرابلس والكورة والبترون، حيث خرج <<التكتل الطرابلسي>> الذي يضم النواب محمد الصفدي ومحمد كبارة وموريس فاضل وحليفهم النائب مصباح الأحدب ليعوضوا توازناً أخلت به نتائج هذه الانتخابات بعد أن احتلوا المراكز الأولى على صعيد الأصوات في الدائرة الثانية، وبات الصفدي تحديداً، الذي جاء ترتيبه الأول في الدائرة، واحداً من أبرز القوى السياسية المؤثرة في الشمال ليخلق توازناً مع شريكه النيابي في المدينة: <<تيار المستقبل>>. أما في الكورة فقد أسفرت النتائج عن تكريس أمر بات متعارفاً عليه بموقع النائب فريد مكاري ومرجعيته لقضاء الكورة كزعيم أوحد له بعد أن أصبح أول نائب يستمر أربع دورات انتخابية متتالية في القضاء ويحصد فيه أعلى الأصوات. وفي البترون أثبت النائب بطرس حرب أنه بات ثابتاً في قوة حضوره وتمثيله لمنطقته، من دون اغفال حضور التيار الوطني الحر حيث حقق مرشحه جبران باسيل اعلى الارقام. وفي لغة الأرقام تكشف النتائج أن <<لائحة المصالحة والإصلاح>> التي ضمت تحالفاً واسعاً من <<التكتل الطرابلسي>> و<<المستقبل>> و<<القوات>> و<<قرنة شهوان>> و<<اليسار الديموقراطي>> و<<التجدد الديموقراطي>> تفوقت عموماً على منافستها <<لائحة قرار الشعب>> التي ضمت تحالفاً من النائبين السابقين الرافعي وكرامي في طرابلس وفرنجية في زغرتا والكورة والبترون، و<<التيار الحر>> و<<القومي>> والحزب الشيوعي وقوى محلية اخرى، وكانت الفوارق بين اللائحتين نحو 25 ألف صوت. لكن هذه الفوارق كان معظمها في طرابلس حيث كان الفارق بين اللائحتين في المدينة وحدها لصالح <<المصالحة والإصلاح>> نحو 23 ألف صوت، وكذلك في المنية حيث تفوقت أيضا <<المصالحة والإصلاح>> بنحو 13 ألف صوت. في المقابل، تفوقت <<لائحة قرار الشعب>> في زغرتا على <<المصالحة والإصلاح>> بفارق بلغ نحو 9 آلاف صوت، وفي البترون تفوقت <<قرار الشعب>> بفارق ألف صوت تقريبا، في حين كان الفارق أكثر ضآلة لصالح <<قرار الشعب>> في الكورة حيث بلغ نحو خمسمئة صوت. |
|
الحــريري يضع لبنان في دائــرة الحــرب الأهليـــة لبنان القديم يقاوم التغيير /عرّابين قدامى للبنان جديد
*آلان غريش
21
يونيو 2005 لوموند ديبلوماتيك فمن هو هذا المنقذ الرفيع الشأن؟ إنه رجل مجهول تقريباً، قدمته صحيفة "لوريان لوجور" على أنه "اختصاصي بالاتصالات"، ولا تتعدى سيرة حياته أسطراً عدة. فالسيد سعد الحريري، البالغ من العمر 35 عاماً، هو الابن الثاني لرئيس الوزراء الذي اغتيل في 14 شباط/فبراير عام 2005، هو مجاز من جامعة جورجتاون في واشنطن. كان المدير العام لشركة "سعودي اوجيه" التي يبلغ حجم أعمالها ملياري دولار وتستخدم 000 35 موظفاً. هو مسلم سني تربطه علاقات بالأسرة المالكة في السعودية، وخصوصاً بالأمير عبد العزيز بن فهد، ابن الملك ووزير الدولة النافذ. اما مواصفاته السياسية؟ فلا أحد يسأله عنها. ولم يسمه لمنصبه هذا أحد الأحزاب او المنظمات، بل هي "العائلة"، وهي الكلمة التي لا يرى فيها أحد هنا أي إيحاء تحقيري، التي أعلنت في بيان عن قرارها لعامة الشعب. وينص هذا القرار على نقطتين. أولاً السيدة نازك الحريري أرملة رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، سوف تتولى "الاشراف وإدارة كل المؤسسات الخيرية والاجتماعية التي كان يرعاها شهيد لبنان" وثانياً إن ابنه سعد "سوف يتولى المسؤولية والزعامة التاريخية في كل القضايا الوطنية والسياسية من أجل مواصلة طريق إعادة الاعمار الوطني على كل المستويات". وفي الوقت الذي أعلن فيه عن ولادة "لبنان جديد" ديموقراطي، لم يرتفع أي صوت للتعبير أقله عن مفاجأة ما من هذه الوراثة الاقطاعية النمط. ولا ليتساءل عن استبعاد شقيقة الرئيس القتيل، السيدة بهية الحريري، النائبة أساسا؟ً والتي لعبت دوراً بارزاً في أشكال التعبئة الشعبية التي أعقبت اغتيال شقيقها. إلا ان السيد سعد الحريري طمأن الصحافيين الذين جاءوا يشدون أزره: "لن يتغير شيء، فكل ما كان يفعله أبي سوف أستمر فيه وسوف نواصل طريقه فيما خص المؤسسات الاعلامية والخيرية [1]." وهذا ما اثار ارتياح العديدين، في بلد تلقت فيه كل الوسائل الاعلامية المهمة والكثير من الصحافيين مساعدات مالية من رفيق الحريري... والمفارقة غريبة، ففي بلد يقيم فيه 000 20 جندي سوري،كانت وسائل الاعلام تتمتع بحرية حرم منها سائر العالم العربي، وخصوصاً في الدولتين اللتين "رعتا" التحول الديموقراطي في لبنان، أي مصر والسعودية. لكن ظل هناك أمران محرمان هما دور أجهزة المخابرات السرية السورية واللبنانية، وموقع رفيق الحريري وثروته ومسؤوليته عن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وبنوع خاص عن دين الدولة الهائل. وقد رفع الحظر عن القضية الأولى فقط... وراح الجميع يعلن جهاراً: لقد قلب لبنان نهائياً صفحة الانقسامات. ففي غضون أشهر تسارعت الأحداث بشكل بات من المتعذر معه إدراك ما يحدث. ففي أواخر آب/أغسطس عام 2004، جاء قرار الرئيس بشار الأسد بتمديد ولاية حليفه الرئيسي في لبنان الرئيس إميل لحود ليسرع في مجرى الأحداث. وقد فاجأ هذا الأمر المفروض حتى أقرب حلفاء دمشق الذين لم يبلغوا به إلا في الدقائق الأخيرة. وكان إجراء مماثل قد اتخذ في العام 1995 سمح للرئيس السابق السيد الياس الهراوي بالحكم ثلاث سنوات إضافية بدون أن يتسبب ذلك بأي عدائية لا داخلية ولا دولية. غير أن الظروف الاقليمية والدولية تغيرت. وقررت فرنسا والولايات المتحدة عدم السماح بالأمر وفي 2 أيلول/سبتمبر عام 2004، صادق مجلس الأمن في الأمم المتحدة، بالغالبية الدنيا المفروضة (9 أصوات مقابل 15)، على القرار 1559 دعا فيه القوات السورية الى الانسحاب من لبنان كما دعا الى نزع سلاح الميليشيات (والمقصود ضمنياً حزب الله والمجموعات الفلسطينية المسلحة). ويذكر هنا أنه بعد فترة تردد قدم رئيس الحكومة رفيق الحريري استقالته تعبيراً عن معارضته قرار دمشق. ثم جاء اغتياله في 14 شباط/فبراير عام 2005، والذي حملت غالبية وسائل الاعلام مسؤوليته الى أجهزة المخابرات السورية مباشرة، ليفجر فورة شعبية عارمة حول ثلاث مواضيع: الحقيقة (في موضوع الاغتيال) واستقالة قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية وانسحاب القوات السورية. وبلغت التعبئة أوجها في 14 آذار/مارس في مظاهرة ضخمة في بيروت نزل فيها الى الشارع مئات آلاف اللبنانيين. فهل شكل هذا بداية المصالحة بين جميع الطوائف، المارونية والسنية والشيعية والدرزية؟ هذا الصورة عن "ثورة الأرز"، المماثلة للـ"ثورة البرتقالية" في اوقرانيا أو لـ"ثورة الورود" في جورجيا، روجتها كثيراً وسائل الاعلام الوطنية والدولية. لكن كالعادة هي تكاد تمحو التاريخ الخاص بهذا البلد، وعدم فهمه إلا عبر قراءة تبسيطية متمثلة في الحرب بين الخير والشر، بين الديموقراطية والتوتاليتارية. ولا شك في أن غالبية الشعب كانت قد ضاقت ذرعاً بوجود القوات السورية وتضاعف تدخلات دمشق. كما أن الأخطاء المتلاحقة التي ارتكبتها القيادة السورية، والتي اعترف بها الرئيس بشار الأسد في الخطاب الذي ألقاه في 5 آذار/مارس معلناً سحب قواته، وحجم تدخل أجهزة المخابرات في الحياة الداخلية قد فاقمت من حالة الاستياء والعدائية، بالرغم من الدور الذي لعبته سوريا في وضع حد للحرب الأهلية أو من اجل مساعدة مقاومة الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان. لكن لا بد أن يصدم المراقب بهذا الواقع: فالزعماء انفسهم المسؤولون عن الحرب الأهلية، ومعظمهم تعاون مع سوريا قبل أن ينقلب عليها، قد برزوا في واجهة الأحداث. ففي هذه الأشهر الأخيرة لم تبرز أي شخصية سياسية جديدة، وظل آل الجميل وجنبلاط والحريري وفرنجية وشمعون الخ. يمسكون بخيوط اللعبة. ولم يتقدم أي منهم بأدنى اقتراح من أجل إصلاح نظام سياسي قائم على الطائفية والعشائرية والفساد. وشعارهم الوحيد، "سوريا مسؤولة عن كل المساوئ في لبنان"، يغتذي من شائعات أبعد ما تكون عن التصديق، مثل القول بأن 000 800 عائلة سورية تعلق على شبكة الكهرباء اللبنانية دون أن تسدد أبداً بدل استهلاكها... أما الفساد؟ يصرح أحد علماء الاقتصاد: "نحن نحمل مسؤوليته الى السوريين فقط، كما ألقينا في العام 1983 كل مآسينا على الفلسطينيين. وبالنتيجة أن أحداً لا يتساءل عن المبالغ التي نهبها المسؤولون اللبنانيون. فكيف حصلت زيادة الدين العام في ظل حكومة الحريري الاولى بين 1992 و1998 من 3 الى 18 مليار دولار؟" فلبنان ينتظم على أساس طائفي، وهو نظام يعود الى ما بعد الحرب العالمية الأولى عندما انتدبت عصبة الأمم فرنسا في العام 1920 لإدارة البلاد. والطوائف الرئيسية بين الطوائف السبع عشرة المعترف بها هي من الجانب المسيحي: الموارنة (كاثوليك) والروم الأورثوذوكس والروم الكاثوليك، ومن الجانب المسلم: السنة والشيعة، يضاف اليهم الدروز. وينص دستور العام 1926 الذي فرضته باريس في المادة 95: "بصفة انتقالية ومن أجل تأمين العدالة والوفاق تتمثل الطوائف بالتساوي في الوظائف العامة وفي تشكيل الوزارات." وفي الواقع أن هذا النظام، الذي جرى التأكيد عليه عند الاستقلال في العام 1943، قد ضمن السيطرة السياسية للطائفة المارونية. حيث تم الاتفاق شفهياً على أن يكون رئيس الجمهورية مارونياً، ورئيس الوزراء سنياً ورئيس مجلس النواب شيعياً. ووزعت مقاعد النواب على قاعدة معادلة لهذا التوزيع: 60 في المئة لمختلف الطوائف المسيحية مقابل 40 في المئة للطوائف الاسلامية. وفي اتفاق الطائف عدلت هذه النسب لتساوي بين المسيحيين والمسلمين، وقد بات هؤلاء يمثلون غالبية سكانية تقدر بأكثر من 60 في المئة. هذا الاتفاق الذي تم التوصل اليه في العام 1989 وضع حداً، تحت رعاية سوريا، للحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد منذ 13 نيسان/أبريل عام 1975 وسقط فيها عشرات آلاف الضحايا. وهو ينص بنوع خاص على "أن إلغاء الطائفية السياسية هو هدف وطني أساسي يتطلب إنجازه عملاً منهجياً وعلى مراحل". وكان من المترض، بعد انتخاب مجلس النواب الجديد أن يصار الى "تشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية مؤلفة، بالاضافة الى رؤساء مجلس النواب ومجلس الوزراء، من شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. وتقوم مهمة هذه الهيئة على دراسة واقتراح الوسائل الكفيلة بالغاء الطائفية، وتقديمها الى البرلمان ومجلس الوزراء، ومراقبة تنفيذها في المرحلة الانتقالية." كما أن فيه إشارة تتعلق بالحلول إذ هو يقترح أنه "بعد انتخاب البرلمان الوطني الأول على أساس غير طائفي، يصار الى تشكيل مجلس شيوخ تتمثل فيه مختلف العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته بالمسائل الجوهرية". وقد أجريت انتخابات تشريعية جديدة في العام 1992 تولى بعدها رفيق الحريري رئاسة الوزراء، غير أن الاصلاحات السياسية جمدت. فالحرب الأهلية الطويلة والعنيفة التي كان الهدف الأساسي منها التخلص من الطائفية السياسية، أفضت الى نتائج معاكسة، فوحشية النزاع أجبرت كل فرد على اللجوء الى جماعته [2] . فالانتماءات العشائرية أو الدينية كانت تحمي أكثر من الاصطفافات الايديولوجية. يضاف الى ذلك أن العفو الذي منح بعد العام 1989 الى قادة الميليشيات لم يساعد المجتمع في إعادة النظر في تاريخه، وعزز الفكرة القائلة بأن حرب لبنان كانت "حرب الآخرين"، أي حرب الفلسطينيين أو الاسرائيليين أو السوريين. وقد تقوقع النظام السياسي في طائفية قاهرة أكثر مما كانت عليه قبل العام 1975، وبالنسبة الى العديد من الشباب ضمناً. فأحمد، الطالب في الجامعة الأميركية المشهورة أساساً بطابعها المتعدد الطوائف، يقول معترفاً: "نحن لا نختلط فيما بيننا، فالأصحاب من الدين ذاته يجتمعون فيما بينهم. ومع أننا تحركنا معاً غداة اغتيال رفيق الحريري فان الحذر قد يزداد، فالكل يتساءل في نفسه عما يفكر فيه الآخر، وعما ينوي..." ولم ينفذ أي من الاجراءات التي نص عليها اتفاق الطائف سوى إلغاء ذكر الطائفة على بطاقة الهوية. وفيما تضعف الأحزاب اليسارية المتعددة الطوائف (الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي الخ)، فان معظم الأحزاب الأخرى تنتظم اكثر من أي وقت مضى على أساس طائفي، فحركة "أمل" و"حزب الله" للطائفة الشيعية، و"السنة" المحرومون من قائد وطني، اجتمعواحول رفيق الحريري، والحزب الاشتراكي بزعامة السيد وليد جنبلاط ليس اشتراكياً إلا بالاسم، وهو يتميز قبل كل شيء بالانضواء الدرزي في صفوفه. اما بالنسبة الى الموارنة فانهم "توحدوا" منذ العام 2000 ضمن مجموعة عرفت بـ"لقاء قرنة شهوان" يضم القوات اللبنانية من اليمين المتطرف، والتيار الوطني الحر التابع للجنرال عون (وقد عاد الى البلاد في أوائل أيار/مايو الماضي بعد نفي دام حوالى15 سنة)، ورئيس الجمهورية السابق أمين الجميل، وحزب الوطنيين الأحرار التابع لعائلة شمعون، وبعض النواب المستقلين. وفي هذا النظام يخلف الأبناء الآباء، وتطغى العلاقات العشائرية على أشكال التضامن السياسية. فالزعامات المارونية التقليدية التي همشت وانقسمت بعد اتفاق الطائف وجدت دورها محجوباً بدور البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، الذي استقبل في واشنطن وباريس كممثل للـ"طائفة المارونية". فهو طرف أساسي في كل المفاوضات الجارية ويعطي رأيه في كل المواضيع ومن ضمنها قانون الانتخابات. وهو، مع مجلس المطارنة الموارنة، يدين هذا القانون لأن المسيحيين "ينتخبون 14 نائباً فقط فيما النواب الخمسون الآخرون ينتخبهم المسلمون بسبب نظام اللوائح [3]". وبذلك يرى البطريرك صفير على الأرجح أنه يفترض بلبنان أن ينشئ هيئات ناخبة منفصلة، يصوت فيها الموارنة للموارنة، والدروز للدروز والخ. فهل يجوز الكلام على الديموقراطية؟ وقد شكلت ساحة الشهداء، رمز "ثورة الأرز" التي هزت البلاد منذ مطلع السنة، نقطة التقاء لمجمل التحركات الداعية الى انسحاب القوات السورية. وقد ضربت فيها قرية من الخيم، سميت "مخيم الحرية"، على غرار ما حدث في كييف أو في تبيليسي. لكن مع أن انسحاب القوات السورية قد انجز في 26 نيسان، لم يعد المكان يجتذب الكثير من الناس. لكن حالياً تخلى بضع مئات من الشبان، معظمهم من الطلاب، عن العلم اللبناني ليحملوا علم القوات اللبنانية مطالبين بطلاق سراح "شهيد الحرية"، السيد سمير جعجع الذي لم يتردد أحد النواب الأميركيين في تشبيهه بالسيد نلسون مانديلا [4] . وفي الوقت نفسه تقام الاحتفالات في المدن والقرى المارونية للمطالبة باطلاق سراح القائد السابق للقوات اللبنانية المسجون منذ أحد عشر عاماً. وتشعل عشرات الآلاف من الشموع عن نية "الشهيد". وقد صعد عشرات الآلاف من المتظاهرين من بيروت وضواحيها الى بكركي في الجبل، مقر البطريركية المارونية في شمال شرق بيروت. وقد ختم التحرك بقداس احتفل به النائب البطريركي العام في الكنيسة المارونية المطران رولان أبو جودة. وهل من يعرف من هو سمير جعجع؟ نستعين بأسطر قليلة من صحيفة باللغة الانكليزية [5] للتذكير بأنه مسؤول عن اغتيال رئيس الوزراء السابق رشيد كرامي والعديد من منافسيه على الساحة المسيحية وخصوصاً داني شمعون، نجل رئيس الجمهورية السابق كميل شمعون، وطوني فرنجية (نجل رئيس الجمهورية السابق سليمان فرنجية)، وزوجته وابنته البالغة من العمر ثلاث سنوات. وقد استثنى قانون العفو الصادر عام 1991 جرائم الحرب المحالة الى المجلس العدلي. وكان السيد جعجع الاستثناء الوحيد في هذه الناحية ولذلك تشدد القوات اللبنانية على هذه "الظلامة". أليس ان الكثير من سائر المجرمين ما يزالون احراراً؟ ولو أن محكمة الجزاء الدولية كانت موجودة في ذلك الوقت، ما من شك في أن العديد من المسؤولين السياسيين الحاليين، سواء من المعارضة أم من أولئك المسمون موالاة (مؤيدون لسوريا)، كانوا مثلوا امام محكمة لاهاي. لكن البلاد تفضل تناسي تاريخها، ذاك أن المواقف من الماضي متباينة، وخصوصاً من الحرب الأهلية (1975-1989)، وقد تم التخلي مؤخراً عن وضع كتاب مدرسي موحد في مادة التاريخ. يقر الطالب أحمد بـ"اننا لا نعرف هذا التاريخ غير المدرج في المنهج. وكل واحد يتعلمه بحسب رواية طائفته ونحن نتفادى الخوض في الموضوع فيما بيننا." وحتى الان لم تتم أي تصالح على هذا الموضوع. إلا ان السيد جعجع ليس كغيره من المجرمين وحسب، فهو قد شجع، مع رئيسه بشير الجميل، القوات الاسرائيلية على اجتياح البلاد في حزيران/يوينو عام 1982 بقيادة الجنرال أرييل شارون وزير الدفاع آنذاك. وعندما بدأ جيش الدفاع الاسرائيلي حصاره لبيروت أوضح بشير الجميل للاسرائيليين أنواع المساعدة التي يقدمها لهم: "لقد بدأنا بقطع المياه والكهرباء. ونحنمستعدون للذهاب أبعد من هذا بكثير، حتى عسكرياً إذا تطلب الأمر. وإذا لم يكن لمعركة بيروت أن تقوم بدوننا، فسأقاتل الى جانبكم. لكن سوف أقدم لكم عوناً أكبر عندما تصبح السلطة بين يدي ." [6] وفعلاً انتخب بشير الجميل، في ظل الدبابات الاسرائيلية، رئيساً للبلاد في 23 آب/أغسطس عام 1982، قبل أن يغتال في 14 أيلول/سبتمبر. وقد خلفه شقيقه أمين الذي انتخب في ظل الظروف نفسها. وفي تلك الحقبة لم يهتم "المجتمع الدولي" أبداً لكون هذين الانتخابين قد أجريا في حراسة الدبابات الاسرائيلية. وفي هذه الأثناء، ما بين 16 و18 أبلول/سبتمبر ارتكبت مجازر مخيمي صبرا وشاتيلا حيث قتل بكل فظاعة آلاف الفلسطينيين من نساء واولاد وعجزة. وهذه الجرائم ضد الانسانية التي ارتكبت تحت الحماية الاسرائيلية، نفذت بقيادة اثنين من مسؤولي القوات اللبنانية هما إيلي حبيقة، الذي اغتيل في ظروف غامضة في 24 كانون الثاني/يناير عام 2002 [7]، وسمير جعجع. فهل من المستغرب أن يتسبب إطلاق سراحه المرتقب بارتعاد المخيمات الفلسطينية؟ ويوضح السيد مروان عبد الله، أحد المسؤولين في مخيم مار الياس الواقع الى جنوب بيروت: "إن الجيش اللبناني بدا عاجزاً عن حماية العمال السوريين ضحايا الانتهاكات في الأسابيع الأخيرة، فكيف سيتمكن من حمايتنا نحن؟" وفي الواقع أنه منذ 14 شباط/فبراير تكاثرت الاعتداءات على العمال السوريين، وهم بالآلاف يؤمنون الأعمال الأدنى أجراً في قطاعي البناء والزراعة، حتى أن عدداً منهم قتل، مما أثار في اوساطهم موجة فرار شلت العديد من القطاعات الاقتصادية. وقد أطلقت منظمة العفو الدولية نداءاً الى الحكومة لكي تعاقب المسؤولين عن ذلك . [8] وإذا بالامكان تلمس خشية الفلسطينيين، فان فرحة غالبية اللبنانيين بالتخلص من سوريا وبتحقيق المطالبة بإنشاء لجنة دولية للتحقيق في ظروف اغتيال رفيق الحريري، تخفي وراءها القلق على المستقبل. فجو الحذر يسود بين الطوائف التي لم تتصالح بعد. ثم ان غياب مشروع واضح لعملية اصلاحية في البلاد قد طبع التحركات الكبيرة وهو ما يؤكد عليه الانقسام حول قانون الانتخابات، حيث يسعى كل فريق الى الحفاظ على مصالح "طائفته". وقد رفضت كل القوى اعتماد النسبية ولو جزئياً من اجل "فتح ثغرة" في النظام، باستثناء حزبي "أمل" و"حزب الله". ويقول جوزف سماحة، وهو محرر في صحيفة "السفير" ومن القلائل الذين لم يغرقوا في رؤية مثالية: "نحن لسنا إزاء بروز معنى جديد للوحدة الوطنية، بل بالأحرى إزاء مسارات متوازية تسلكها الطوائفالمختلفةالتي ولدت نظرية الوحدة الواهمة." فما انزل السنة بكثافة الى الشارع في 14 آذار/مارس كانت رغبتهم في معرفة الحقيقة حول مقتل رفيق الحريري بقدر ما كان الخوف الذي أثارته فيهم المظاهرة الشيعية الضخمة تحت راية حزب الله في 7 آذار/مارس، وقد ضمت هذه المظاهرة مئات الآلاف، بعضهم من المحرومين المقيمين في الأحياء الجنوبية للعاصمة، وقد "احتلوا" وسط مدينة خاص بالبورجوازية السنية أو المسيحية. في سيارة تاكسي مشتركة ينشد السائق وأحد الركاب المدائح لفرنسا لكنهما يحذرانني: "لا تذهب الى الأحياء الشيعية، فهم قد ينحرونك إذا عرفوا أنك فرنسي أو أميركي. فالشيعة ليسوا من المسلمين، ويمكنك أن تشتريهم بدولار واحد..." وقبل أيام كان حزب الله ينفذ عملية سرية فينزل الى مقر إحدى الجمعيات الخيرية الشيعية من أجل إتلاف بعض البيانات التحريضية التي كانت توزعها وهي تتهم فيها السنة بكل الشرور. وتتسع الهوة بين السنة والشيعة أكثر من أي وقت مضى ومشاهد المساجد الشيعية التي تتعرض للاعتداءات في العراق تعمق هذه الانقسامات. وسياسة الولايات المتحدة في هذه البلاد، القائمة على التقسيمات الاتنية الدينية (شيعة-سنة-اكراد الخ) تذكي في لبنان المخاوف من "مؤامرة" تهدف الى تقسيم المنطقة. وعن هذه المخاوف يعبر أحد المثقفين: "إن لبنان الطائفي التركيبة يمثل نموذجاً تريد الولايات المتحدة تطبيقه في المنطقة كلها لتقسيمها وإضعافها". وهناك استطلاع للرأي توضح خطوط الفصل بين الطوائف [9] . فمن الأسئلة المهمة المطروحة حول المسنقبل سؤال يتعلق بنزع سلاح حزب الله. وفيما بدا الموارنة مجمعين على الموافقة على هذا الطلب، فان 31 في المئة من السنة و79 في المئة من الشيعة يعارضونه. والفريق الأول يوافق على التدخل الأميركي والفرنسي في الشؤون اللبنانية، بينما غالبية السنة والشيعة يرفضونه. ويوضح جوزف سماحة أن الموارنة، وللمفارقة، سوف يكونون الفريق الخاسر الأكبر في المعطيات الجديدة: "لقد ابتهج المسيحيون لرؤية الجميع يرفعون العلم اللبناني خلال المظاهرات. لكن الذين نشروا هذه الأعلام سوف يطالبون بحصتهم في الحكم. وعندما يكون أفق العمل غير قائم على المواطنية وإنما على نظام مؤسس على التوازن الطائفي، فإنه من الطبيعي أن تطالب الطوائف الأكثر عدداً، وخصوصاً الشيعة والسنة، بحصة أكبر في الحكم. فانتهاء الصراع الطائفي لا يلوح في الأفق المنظور." |