|
حول
إتفاقية جينيف / الرأي والرأي الآخر |
| إتفاقية جينيف | ||
| مهرجان جينيف | الإتفاقية إستكمال لمحادثات طابا | إتفاقية السلام الممكن |
| افتراض اتفاق افتراضي | الإتفاقية" تشرد 5 ملايين فلسطيني | محاولة تحليلية لمبادرة جينيف |
|
مهرجان جينيف هذا الاهتمام العالمي بمبادرة جنيف لا يأتي بسبب اهمية من تفاوضوا علي هذا الاتفاق وصاغوا بنوده، فكلاهما عاطل عن العمل، ولا يملك حزبا او دعما سياسيا قويا خلفه، وكلاهما (ياسر عبد ربه ويوسي بيلين) انحسرت عنهما الاضواء بعد خروجهما من الوزارة، وباتا يبحثان عن دور، ونجحت الحكومة السويسرية في توفيره لهما، وتقديم الغطاءين المادي والسياسي لمبادرتهما. المبادرة الجديدة حظيت بهذا الاحتفال المبالغ فيه، لانها اول مبادرة سلام يكون احد اطرافها فلسطينياً، وتتنازل عن جوهر الصراع العربي ـ الاسرائيلي، أي حق العودة وتقبل بدولة فلسطينية منزوعة السلاح والكرامة، ولا سلطة او سيادة لها علي معابرها او حدودها او اجوائها او مياهها. دولة خاضعة بالكامل للانتداب الاسرائيلي المباشر، وتدار سلطتها من تل ابيب، ومهددة بالاجتياح، في اي لحظة. ولا نفهم لماذا يدعم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مثل هذه المبادرة، ويرسل مجموعة من رجاله للمشاركة في حفل توقيعها، مثلما لا نفهم كيف يسمح للسيد ياسر عبد ربه ان ينخرط في مفاوضاتها السرية مع شريكه الاسرائيلي يوسي بيلين، عندما كان وزيرا في السلطة التي يرأسها. فمن المفترض ان هناك خريطة طريق معتمدة امريكيا واوروبيا وروسياً واممياً، وافقت عليها السلطة، فلماذا القفز الي مبادرة جديدة ومباركتها رسمياً، واعتماد تنازلاتها الكارثية عن حقوق اساسية؟ نتمني ان تبدأ هذه السلطة خطوة وتكملها! يقولون ان الرئيــس عرفات يتكتك سياسياً ويريد احراج شارون، وكسر الحصار المفروض عليه، ونحن نقول انه ليــس تكتيـــكا وانما مقامرة ربما تأتي بنتائج عكسية تماماً علي عرفات والقضية الفلسطينية معاً. مبادرة جنيف أحيت الانقسامات في صفوف الشعب الفلسطيني، وسجلت سابقة خطيرة، بل الاخطر في تاريخ الصراع، أي التنازل عن السيادة، وحق العودة، وخارج اطار المفاوضات. بنود مبادرة جنيف ستكون الاساس لأية مفاوضات قادمة بين العرب والاسرائيليين، وستشكل السقف الاعلي للمطالب الفلسطينية، وهذا السقف غالبا يتعرض للانخفاض عندما يجلس المفاوضون علي مائدة التفاوض، لان الحقيقة الثابتة في فن التفاوض هي وصول الاطراف المتفاوضة الي حلول وسط، اي اقل كثيرا من مطالبها الاساسية. ومن المؤسف ان هذه التنازلات الفلسطينية المجانية التي يقدمها رجال السلطة، ورجال النخبة السياسية الحاكمة، تأتي في وقت تعيش فيه الدولة العبرية في مأزق حقيقي يهدد وجودها، ويتجه فيه التحالف الامريكي ـ الاسرائيلي نحو الفشل المخجل في العراق وافغانستان، بسبب المقاومة المتعاظمة وخسارة الحرب ضد الارهاب. القضية الفلسطينية تعيش هذه الايام أقوي مراحلها، لان المشروع الصهيوني، وباعتراف رموزه، يواجه الانهيار، ويهودية اسرائيل تتآكل بشكل مرعب، والعالم كله يشهد عملية تغيير متسارعة يتناقص فيها التعاطف مع اليهود، وتتصاعد فيها الشكاوي من غرورهم وجرائمهم وارهابهم. فليس صدفة ان يعلن ستون في المئة من الاوروبيين عن ايمانهم بان اسرائيل هي مصدر الارهاب والخطر علي امن العالم وسلامه واستقراره، وليس صدفة ايضا ان يضيق اليهود ذرعا باليهود، ويعلن الحاخام عفاديا يوسف زعيم حركة شاس ان اليهود الغربيين هم مصدر الشرور كلها . ويدين اربعة من قادة الشين بيت سياسة حكومتهم، ويمتنع طيارون عن الخدمة. هذا التغيير العالمي لم يأت من فراغ وانما نتيجة المقاومة الفلسطينية والعمليات الفدائية الجريئة، والجهاد الاعلامي العربي في الخارج، والاخطاء الامريكية الكارثية في العراق وافغانستان، والممارسات الاسرائيلية الوحشية في فلسطين المحتلة. سلاح معاداة السامية المدعوم امريكيا لم يعد مجديا في ارهاب العالم، والغربيين خاصة، لان هناك سلاحا اقوي منه، بدأ يثبت فعاليته، وينتشر انتشار النار في الهشيم اسمه معاداة الامركة ، خاصة في اوروبا والعالم الثالث. في ظل هذه المتغيرات العالمية من المفترض ان يتوقف رجال السلطة عن الفهلوة وتقديم التنازلات المجانية. والتمسك بالانضباط السياسي والاخلاقي الكامل، ولكنهم لم يفعلوا لان هناك قادة او سياسيين، لا يهنأ لهم بال دون التفاوض مع شارون او غيره، والتنازل عن الحقوق الفلسطينية، لانهم ادمنوا الهوان، ويلهثون خلف دعوة تأتيهم من اوروبا او امريكا، تعيدهم الي الاضواء مجددا، وتوفر لهم الذريعة للتبضع في اسواق جنيف ومدريد واوسلو ونيويورك. يوسي بيلين قال انه بهذه المبادرة يريد ان ينقذ دولة اسرائيل، ويحافظ علي الاغلبية الديمغرافية لليهود امام خطر الانقراض والتآكل. فلماذا يحقق له ياسر عبد ربه هذا الهدف، ولماذا يبارك الرئيس عرفات هذا المجهود الذي يصب في مصلحة انقاذ الدولة العبرية؟ السلطة الفلسطينية تريد انقاذ نفسها وتوفير فرص البقاء لبعض رموزها، ولذلك لا يتورع بعض هؤلاء عن التضحية بمصالح الشعب الفلسطيني الاساسية من اجل تحقيق هذا الهدف. والذريعة الجاهزة دائما هي ضرورة خوض المعركة السياسية وكسر الجمود. هذه الاجتهادات العقيمة هي التي اوصلتنا الي هذه النتيجة المأساوية، حيث يواجه الشعب الفلسطيني حصارا خانقا، ونزيفا بشريا يوميا، ويعيش تحت الاحتلال وافرازاته الارهابية، بينما يبحث كبار قادته وصغارهم عن امتيازات صغيرة، مثل حرية التحرك علي المعابر، دون مضايقات او تفتيش. اننا نطالب بمحاكمات شعبية في كل مخيمات اللجوء، واماكن الشتات، لكل مسؤول فلسطيني يتنازل عن حق العودة، والثوابت الفلسطينية الاخري، وخاصة السيادة الكاملة وغير المنقوصة علي القدس. فالشعب الفلسطيني لم يفوض ياسر عبد ربه، ولا سري نسيبة، ولا احمد قريع ولا ياسر عرفات للتنازل عن هذه الثوابت. فهذا الشعب هو المرجعية الاساسية، وهو مصدر كل السلطات، ولا يستحق مثل هذه الاهانات، بعد كل ما قدمه من بطولات وتضحيات. عبد الباري عطوان
|
|
الإتفاقية إستكمال لمحادثات طابا
اجتمع قادة المجتمع المدني في كل من إسرائيل وفلسطين، ومن كل ألوان الطيف
السياسي، ليشهدوا إعلان ما صار يعرف باتفاقية جنيف. يوسي بيلين وياسر عبد ربه
إتفاقية السلام الممكن
|
الاتفاق على افتراض اتفاق افتراضيعزمي بشارة نشرت صحيفة "هآرتس" يوم "تدشين" إعلان جنيف كاريكاتيراً لإسرائيليين يلتقيان قرب الكافيتريا في مطار اللد المكنى مطار بن غوريون في طريقهما الى جنيف. ويقول أحدهما للآخر بالعبرية "هل هذا أول مؤتمر سلام لك؟", وبالعربية هل هذا أول مؤتمر سلام تحضره؟ لا شك أن الانتاج والاخراج والتوزيع للإتفاق الافتراضي الذي تم تدشينه في جنيف تحت عنوان: "الالتزام العلني باتفاق جنيف", هي من تقاليد أجواء صناعة الحوارات الأوروبية المعروفة والتي استعانت بها أوروبا للتعويض عن غياب نقد فاعل لإسرائيل بجسر الهوة بين "الطرفين" بواسطة الحوار. ولا شك أن الدول الأوروبية الغنية قد إستثمرت عشرات الملايين وربما مئات الملايين من الدولارات في هذا الموضوع في العقدين الأخيرين. وشهدنا أخيراً تنافساً حقيقياً بين العواصم الاوروبية لاستضافة الحوارات التي تشجع على التفاوض. حسناً اذاً, يسار اوروبي سابق في مؤسسات داعمة كنسية ومدنية وحكومية, ويسار فلسطيني سابق, ويسار اسرائيلي صهيوني تحول موقفه الى الموقف المقبول كحل وسط. ولكنه في الواقع حل وسط بين اليسار الصهيوني والحالة "الرسمية" الفلسطينية, وسيتحول بالنسبة الى الحكومات الاسرائيلية الى مجرد قاعدة انطلاق جديدة للتفاوض, وللمساومة على ما تبقى. وعلى رغم غضب ليكود من استعانة اليسار الصهيوني بقوى خارجية لفضح حكومته, الا انه لا يستطيع الا أن يسيل لعابه من غدة لا ارادية مفتوحة الشهية: "اذا تنازلوا عن حق العودة ليوسي بيلين فعم سيتنازلون لنا"؟ يدعي نقاد هذه المبادرة أن الفلسطينيين تنازلوا عن حق العودة. ولكن بعض المبادرين النشيطين اعلامياً يدعون بالعربية: انه لم يحصل توقيع. حسناً, لم يحصل توقيع بل "التزام علني بالاتفاق" كما كني الحدث في الدعوة الرسمية, وهذا يعني توقيعاً علنياً. وثانياً, انهم يدعون انهم لم يتنازلوا عن حق العودة, ولكن من ناحية أخرى يؤكدون أن هذا هو الامر الوحيد الممكن. لم نفهم ما هو الأمر الوحيد الممكن, التنازل عن حق العودة أم الاحتفاظ بحق العودة؟ واضح ان القصد هو التنازل. وهذا ما يوضحه الكثيرون همساً أو صراحة, انهم يدعون ان الجميع يعرف ان حق العودة غير ممكن التطبيق. لقد تم عبر "الالتزام العلني" بهذه الاتفاقية الافتراضية الاستناد الى القرار 194 لتفسيره على أنه حق التعويض بدل العودة والتعويض. وطبعاً, العودة محفوظة لمن توافق عليه اسرائيل. وهذا كلام بإمكان القارئ ان يسمعه وان يعتبر أنه لم يسمعه لأن اسرائيل تعلن انها لا توافق على حق العودة وهي تبحث عن وسائل لتقليل عدد وهوية وولاء العرب المقيمين والمواطنين فيها. والحقيقة أن التخلي عن حق العودة, للدقة عن ممارسة حق العودة, او عن الحق بممارسة حق العودة, هو موضوع المبادرات السياسية الاساسية التي انتشرت كالفطر في هذه الايام, وقد سبقت هذه المبادرة مبادرات أخرى كانت أقل موهبة في الانتاج والاخراج, ربما لأن أصحابها رجل امن اسرائيلي سابق ومحاضر جامعة فلسطيني, ولم يتقنا ادارة العلاقات مع القوى الليبرالية اليهودية في العالم أجمع وتحديداً في اوروبا وامريكا. فهل هذا هو الفرق الوحيد؟ طبعاً لا. الفرق الأساسي ان هذه المبادرة لا تكتفي بمبادئ عامة وانما تطمح ان تضع حلاً افتراضياً لأصغر تفصيل وأدق اشكال, لتثبت أمراً واحداً ان الحل نفسه ممكن وليس فقط الاتفاق على مبادئ للحل, وكل ما لم يمكن حله في كامب ديفيد وطابا بالإمكان حله في جنيف. انها اتفاقية افتراضية. يتخيل الطرفان بموجبها انهما طرفان, ومن ثم يتوصلان الى اتفاق. هل هذا يعني انها تمثيلية, لعبة محاكاة, من نوع ما تقوم به أقسام الجامعات المسماة "كونفليكت ريزوليوشين" والتي يقوم بها الطلاب بالتطبيق عبر لعب دور اطراف الصراع أمام أنظار الطلاب الآخرين. والجواب هو قطعاً لا. فالطرف الفلسطيني المشارك هو طرف حقيقي شبه رسمي, ترافقه أطراف عربية تعبت من الصراع, أو تريد ان تلعب دوراً "ايجابياً بناءً" في قضية السلام امام أنظار الامريكان. والامريكان كما هو معروف انتقائيون في موضوعة الديموقراطية. العرب والفلسطينيون حقيقيون, وقد حولوا الموقف العربي الى اداة بيد اليسار الصهيوني يعدل حسب حاجة الأخير لمخاطبة الرأي العام الاسرائيلي. ويفترض ان هذا الأخير هو ساحة الصراع الرئيسية. والطرف الاسرائيلي هو طرف افتراضي لم يكن صاحب قرار حتى في كامب ديفيد وطابا, وكأن لسان حاله, وهو لسان حالنا الافتراضي كما يفترض الآن, يقول: "لو كنت صاحب القرار في كامب ديفيد لكان بالامكان التوصل الى ما يلي". جيد أن نعرف ذلك. ولكنه لم يكن صاحب قرار في عهد باراك, ولا هو صاحب قرار حالياً, وسيتركنا في عهدة شارون. قد يقول قائل أنها مبادرة من المجتمعات المدنية, والأجواء فعلاً أجواء "مجتمعات مدنية" بالمعنى المعهود في أوساط المنظمات غير الحكومية, ومن يضاهي سويسرا لبث هذه الاجواء يرافقها فنانون وفنانات, وخطباء وخطيبات, بكل اللياقة السياسية POLITICALLY CORRECT الممكنة, وطبعاً, موسيقى غربية وشرقية, وكيف لا؟ ولكن هذا ليس صحيحاً, فقط الاخراج اخراج "ستايل" مجتمع مدني. الطرف الفلسطيني هو طرف رسمي وكذلك الحكومات العربية والغربية المضيفة والراعية. انها ليست مبادرة مجتمعية اذا. والطرف الاسرائيلي هو طرف غير رسمي. المبادرة اذا ليست رسمية ايضا. لا هي مجتمعية, ولا هي حكومية. هل تم التنازل عن حق العودة مقابل كل القضايا الأخرى؟ لا. لقد "التزم علنا" بالتنازل عن حق العودة دون تثبيت القضايا الاخرى. وقد تم عبر قبول بقاء المستوطنات الكبرى على طول الخط الأخضر التنازل أيضاً عن مبدأ تفكيك المستوطنات التي بنيت على الارض المحتلة عام 67 . التنازل عن المبدأ حتى قبل التفاوض الرسمي يعني انه لن يجري التفاوض على المبدأ فيما بعد, وانما على عدد المستوطنات التي ستضم الى اسرائيل, ومن قال انه حتى حكومة عمالية مستقبلية سوف تلتزم موقف بيلين؟ تجرّ المبادرة الاطراف العربية المشاركة فيها رعاية او توقيعاً او دعماً الى "الالتزام العلني" بالإعتراف بإسرائيل كدولة يهودية, وذلك بغطاء فلسطيني. الأمر الذي لم يقبل الطرف الفلسطيني ان يقوم به حتى في خطاب مؤتمر العقبة, وأصرّت اسرائيل ان تذكره الولايات المتحدة على الأقل بكلمة رئيسها الرسمية. وكما هو معروف فإن بند (7أ) من قانون أساسي: الكنيست ينص على ان يعترف الحزب الذي يريد خوض الانتخابات بإسرائيل كدولة يهودية وديموقراطية, فهل يريد العرب خوض انتخابات الكنيست ام التوصل الى تسوية مع اسرائيل؟ هل هو صلح تاريخي مع الصهيونية ام تسوية مع الكيان الذي أقامته؟ الوثيقة هي اقتراح لصلح تاريخي مع الصهيونية. ولم يكن ذلك مطلوباً في أي اتفاق سلام. وهذا هو انجاز اليسار الصهيوني الاساسي الذي عاد به من اتفاق جنيف. وستثير مطالبنا بتحويل هذا الكيان الى دولة لجميع مواطنيها والنضال من أجل ذلك الابتسام على شفة هذا اليسار الصهيوني الذي يفوق حقده على القوى العربية المتنورة أي دافع آخر, لأنها تثير عبر تبني الخطاب الديموقراطي التناقض الكامن في اساس الدولة اليهودية بين الصهيونية والديموقراطية. بعد ان ينتهي الاحتفال الذي بثته وسائل الاعلام العربية مباشرةً تحت عنوان "حفل توقيع اتفاق جنيف بين الفلسطينيين واسرائيليين" - انتبه الى "ال" التــعريف - سيعود الفلسطينيون الى رتابة الاحتلال والاجتــــياحات وجدار الفصل العنصري, سيعودون الى شارون والى التخبط النفسي الداخلي لدى اليسار الصهيوني بعد جـــنيف ومحاولته الاقناع بمصداقية التنازلات العربية عن حق العودة, وسوف يترجم اليمين الصهيوني ويقتبس تصريحات العرب الذين ينكرون التنازل عن حق العودة بالعربية. وسنعود الى الحوار بين الفصائل. لا اتفاق ولا يحزنون. نحن فقط نعرف الآن ما كان معروفاً, اي موقف بيلين وزملائه, ونـــعرف أيضاً ما لم يكن معروفاً كموقف رسمي فلســطيني على انه الآن "التزام علني". هل اثبت الاتفاق ان هنالك "بارتنر" (شريك فلسطيني) لإتفاق سلام؟ لقد قلت في مقال سابق ان هذا هو هدف المبادرة من ناحية اليسار الصهيوني ضد باراك تحديداً. هذه المقولة تحولت الى علم "مؤيدي جنيف", ولكن بتفسير وتبرير آخر ويتلخص بأنه يساهم باقناع المجتمع الاسرائيلي ان هنالك شريك فلسطيني. وكأنه كتب على الفلسطينيين ان يقدموا التنازل السياسي تلو الآخر ليس لغرض التسوية بل لغرض تأهيلهم للتفاوض. والمقولة بمجملها غير صحيحة. والمسألة ليست عدم وجود طرف فلسطيني يصلح للتفاوض, بل عدم وجود طرف فلسطيني جدي يقبل بافكار الاجماع الاسرائيلي القائم حاليا. وكان باراك قد ادعى انه لا يوجد طرف فلسطيني لإتفاق سلام مقبول اسرائيلياً بالحد الأدنى على نمط كامب ديفيد. والحقيقة ان باراك سيدعي أنه لا يوجد شريك اسرائيلي لافكار جنيف. أما شارون فلم يدع أصلاً انه لا يوجد شريك فلسطيني, لأنه ليس في حوزته ما يقترحه كحل شامل, أو لأنه واقعي ويعرف انه لن يجد فلسطينيا يقبل بما يطرحه كحل دائم. وقد دعا شارون الى التفاوض مع رئيس الحكومة الفلسطيني السابق والحالي وغيرهم. انه مستعد للتفاوض بدون نهاية, ولكن لا يوجد عمَّ يمكن التفاوض عليه مع شارون. وحتى الانسحاب الى خطوط 28 ايلول, وهو الخطوة الواقعية الوحيدة في عهده بموجب "خارطة الطريق", نجده مشروطاً بألف شرط. بالامكان طبعاً التوصل الى تسوية مع يوسي بيلين في عهد شارون, ولكن لا يمكن التوصل الى تسوية مع شارون في عهد شارون. ولذلك يجب ان تكون الاستراتيجية الفلسطينية بعيدة المدى تنطلق من الحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية, وبلورة خطاب سياسي وطني ديموقراطي تخرج به هذه الوحدة الى العالم. لم تحرج وثيقة جنيف شارون, فحرجه سبق جنيف ولندن وغيرها. انه ناجم عن قصور سياسته الأمنية عن تحقيق "حل", وعن الركود الاقتصادي, وعن فشل سياسته الاعلامية دوليا. وسوف يحرجه أكثر تحديد وسائل النضال الفلسطيني وقصرها على ما هو مفيد, والحفاظ على وقف اطلاق نار داخل الخط الأخضر, وبناء وحدة المجتمع الفلسطيني وترتيب اوضاعة الاجتماعية والمدنية للصمود من دون التنازل عن أي حق مثبت دولياً. ووثيقة جنيف لم تساهم في توطيد الوحدة الفلسطينية ولا بأي من المهمات الاخرى المطلوبة في مرحلة لا افق فيها لتسوية عادلة نسبياً.
|
تطبيق "مبادرة جنيف" يشرد 5 ملايين فلسطيني!سليم نصار انتقل اهتمام الإعلاميين هذا الأسبوع من متابعة أخبار العراق إلى مراقبة التطورات الناجمة عن إعلان "مبادرة جنيف", وما أحدثته من ردود فعل متباينة على الصعيدين الاقليمي والدولي. ومع أن المبادرة تُعتبر غير رسمية, لأنها صادرة عن شخصيات غير مفوضة, إلا أن التعامل مع مهندسيها ياسر عبد ربه ويوسي بيلين جرى بمنتهى الجدية من قبل واشنطن والعواصم الأوروبية. لذلك بادر الوزير الأميركي كولن باول إلى إعلان رغبته في استقبالهما على رغم تحذير نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت, الذي ادعى بأن المبادرة تشكل خنوعاً كاملاً لقرار حق العودة, علماً بأن هذه النقطة بالذات كانت السبب الرئيسي في اتهام ياسر عبد ربه بأنه تنازل عن القرار الدولي رقم 194 المتعلق بحق العودة والتعويض. أي القرار الذي شكّل عائقاً أساسياً في طريق المفاوضات السابقة بسبب امتناع ياسر عرفات عن إزالة الأمل الوحيد لأربعة ملايين لاجئ ظلوا أوفياء لقيادته طوال ربع قرن. ويرى المعلقون الأميركيون ان "مبادرة جنيف" أعطت الإدارة الأميركية آلية التنفيذ لمشروع "خريطة الطريق" الذي طرحه الرئيس بوش كهدف نهائي من دون أن يضع له مقومات خطة عملية تقود إلى انشاء دولتين. كما أعطت واشنطن أيضاً الفرصة لممارسة ضغط غير مباشر على ارييل شارون لعله يقبل بتحريك المفاوضات المجمدة وبوقف بناء جدار الفصل. وكان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير نصح ضيف الملكة, جورج بوش, بضرورة تجنب الانحياز السافر لموقف إسرائيل, لأن ذلك يعطي "القاعدة" وأنصارها في الدول العربية والإسلامية ذريعة لتأجيج مشاعر الحقد ضد أميركا وحليفتها بريطانيا. وحفلت افتتاحيات الصحف اللندنية باستنتاجات من هذا القبيل تشير إلى الثمن الغالي الذي دفعه البريطانيون في تركيا بسبب الشراكة مع واشنطن. تماماً مثلما دفع الاستراليون الثمن في مجزرة "بالي" والايطاليون في الناصرية في العراق. وذكرت هذه الصحف أيضاً أن الحديث بين بوش وبلير تطرق إلى العزلة الدولية التي تعانيها واشنطن داخل أسرة الأمم المتحدة بسبب انحيازها الطاغي. وكانت الشهادة الأخيرة على بشاعة هذه العزلة عملية التصويت على القرار الذي طرحه الاتحاد الأوروبي أمام الجمعية العامة بهدف وقف بناء جدار الفصل في الأراضي المحتلة. وحصل القرار على 144 صوتاً وامتناع 12 دولة عن التصويت, مقابل أصوات أربع دول هي: الولايات المتحدة وإسرائيل وماكرونيزيا وجزر مارشال. والثابت أن واشنطن حرصت على دفع رشوة اقتصادية لدولتين صغيرتين مجهولتين لئلا تظهر إلى جانب إسرائيل كحليف وحيد يخالف رأي كل دول العالم! ردود فعل الإسرائيليين على "مبادرة جنيف" أو "اتفاق جنيف" أو "وثيقة جنيف" أو "إعلان جنيف", كانت تراوح بين القبول الكامل أو الرفض الكامل. والملفت أن التعليق الأكثر تطرفاً صدر باسم جمعية الحاخامات اليمينية المسماة "رقابة النفس" والتي تضم 250 حاخاماً. وبما أنها تملك سلطة دينية نافذة في دولة تأسست على الدين, فإن اتهامها ليوسي بيلين وأنصاره بالخيانة, يلزم السلطة باحترام موقفها. تماماً مثلما تحترم السلطة في إيران فتوى علي خامنئي مرشد الجمهورية, القادر على تجاوز سلطة الرئيس خاتمي. ويتردد في إسرائيل أن تهمة الخيانة التي وجهتها جمعية "رقابة النفس" إلى بيلين تمثل شحنة تحريض قد تدفع أحد المتهورين إلى اغتياله مثلما اغتيل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق اسحق رابين. على مستوى القيادة السياسية في إسرائيل, اتفق ارييل شارون وأعضاء حكومته مع ايهود باراك (حزب العمل) ومحازبيه على رفض المبادرة, لأنها صادرة عن شخصين لا يمثلان أي تيار شعبي أو أي سلطة رسمية. ولقد وصفهما ايهود أولمرت بقائدين فاشلين يتقدمان جيشين لا وجود لهما. وهو بهذا الكلام كان يغمز من قناة وزير العدل السابق بيلين الذي فشل في الحصول على مقعد في الكنيست. وينسحب انتقاده على ياسر عبد ربه الذي أخرجه أبو علاء من وزارته لأسباب غير معلنة. فالبعض يقول إن حزب عبد ربه "فدى" لا يشكل أكثر من نسبة واحد في المئة من مجموع سكان الضفة وغزة, وان سواه أجدر بالتمثيل في الحكومة. والبعض الآخر يقول إن أحمد قريع فضل إبعاد ياسر لئلا يتهم بتأييد "مبادرة جنيف", الأمر الذي يحرجه, لأنه يعطي شارون حجة لاتهامه بالخروج على مشروع "خريطة الطريق". لذلك ادعى بأن السيدة زهيرة كمال أخذت حصة ياسر عبد ربه بسبب حرصه على تطعيم حكومته بعنصر نسائي إضافي غير "أم جهاد". ومهما اختلفت أسباب الاقصاء, فإن مبادرة ياسر عبد ربه لاقت ترحيباً لدى جهات إسرائيلية مختلفة, خصوصاً أن صدورها تزامن مع الاحتفال بالذكرى الأربعين لاعتزال ديفيد بن غوريون الحكم وكتب دان مرغليث في صحيفة "معاريف" افتتاحية يقول فيها: "إن تاريخ الصهيونية يكرر نفسه فوق الأرض السويسرية من بازل إلى جنيف, ففي مؤتمر بازل اطلق ثيودور هرتزل فكرة انشاء وطن قومي لليهود (1897). ولقد حقق بن غوريون حلم هرتزل سنة 1948 بإعلان قيام الدولة اليهودية". وينهي المعلق كلمته بالقول: "ربما تكون حصيلة مبادرة جنيف ظهور زعماء فلسطينيين مستعدين للمصالحة والحوار المثمر مثل أنور السادات". موجة الاحتجاج الفلسطيني على المبادرة عمت غزة ومدن الضفة الغربية وكل مكان آخر يوجد فيه لاجئون بكثرة مثل لبنان. ونظمت "حماس" و"الجهاد الإسلامي" مسيرات وتظاهرات كانت أضخمها في مدينة غزة, وطالبت الجبهة الشعبية بضرورة إقالة ومحاكمة الأشخاص الذين صاغوا الوثيقة وشاركوا في احتفال جنيف مثل ياسر عبد ربه ومستشار عرفات للشؤون الأمنية جبريل رجوب ومحافظ "بيت لحم" زهير مناصرة, وقدورة فارس ومحمد الحوراني ونبيل قسيس وسميح العبد وبشار جمعة والدكتور نظمي الجعبة وغيث العمري. وحمل المئات من الشبان والأطفال يافطات كتبت عليها اسماء المدن والقرى التي احتلت سنة 1948, مع تنديد ظاهر يقول: "وثيقة جنيف... وعد بلفور جديد"! الاعتراض الاساسي على المبادرة اختصره أحمد سعدات أمين عام الجبهة الشعبية المسجون حالياً في أريحا, وعزمي بشارة. فالاثنان أظهرا خطورة تثبيت الحل السياسي الصهيوني المرتكز على شطب حق العودة وتكريس الاعتراف باسرائيل كدولة يهودية. كما حذرا من خطأ الاعتراف باسرائيل كدولة لليهود, الأمر الذي طرحه جورج بوش - نيابة عن شارون - في قمة العقبة. ويرى زعماء "حماس" ان المبادرة تمثل تنازلاً فلسطينياً عن حق العودة والتعويض الذي يحفظه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 194. ولقد استعيض عن هذا القرار بعبارة غامضة تطالب باعتراف الطرفين بضرورة التوصل الى اتفاق متبادل حول قضية اللاجئين. ويستدل من هذه الصياغة انتفاء كل مسؤولية أدبية ومادية واخلاقية تتحملها اسرائيل عن نكبة الفلسطينيين سنة 1948, وان لها ملء الحق والسلطة في تقدير العدد الضئيل الذي تسمح باستيعابه في اطار "جمع الشمل". وتشير هذه النقطة الى موافقة اسرائيل على اقامة لاجئي 1948 و1967 في الدولة الفلسطينية الجديدة أو في أي بلد آخر غير الدولة اليهودية. وبما ان الدولة الفلسطينية المزمع انشاؤها لن تكون قادرة على استقبال اكثر من مئتي ألف شخص في أفضل الأحوال, فإن بقاء ثلاثة ملايين وثمانمئة الف نسمة سيعرض عملية استيعابهم في لبنان والأردن وسورية لأزمات داخلية يصعب تقدير مضاعفاتها. وتتخوف السلطة اللبنانية من حدوث خلل في الميزان الديموغرافي يمكن ان يترجم الى خلاف طائفي والى عمليات تهجير. خصوصاً ان السلطة الاسرائيلية ستكون مخولة - حسب الوثيقة - باستخدام أرض الدولة الفلسطينية كمحمية تابعة منقوصة السيادة والاستقلال. ذلك ان هذا البند ينص ايضاً على اعتراف الفريق الفلسطيني بحق الجيش الاسرائيلي بالتحليق في سماء الدولة المجاورة المنزوعة السلاح, وبحقه ايضاً في تثبيت محطات انذار مبكر تساعدها على المراقبة. اضافة الى كل هذه التنازلات المرتبطة بموضوع السيادة الوطنية, فإن ياسر عبدربه ورفاقه وافقوا على اقامة جدار الفصل شرط ان يمر على طول الحدود المتفق عليها. لدى مراجعة هذه الوثيقة المؤلفة من 45 صفحة, يتبين ما هو أخطر من مسألة حق العودة والتعويض, وان البند المتعلق بالاعتراف المتبادل يشير صراحة الى الاعتراف باسرائيل كحقيقة واقعة و"كدولة للشعب اليهودي". وهذا معناه تكريس الاعتراف باسرائيل كدولة حاضنة ليهود العالم, الأمر الذي يرسم علامة استفهام كبرى حول مصير مليون وربع مليون فلسطيني ظلوا صامدين في فلسطين المحتلة منذ عام 1948. ومن المؤكد ان تطبيق هذا البند سيلغي قيام الدولة الثنائية القومية, ويحل المشكلة الديموغرافية الممثلة بطغيان الاكثرية العربية, ويعطي اسرائيل حق التنظيف العرقي الهادف الى طرد العرب الى ما وراء الجدار, أي الى الدولة الفلسطينية الجديدة. وبهذا تكون الوثيقة قد حرمت أربعة ملايين لاجئ من حق العودة... واضافت اليهم مليوناً وربع مليون لاجئ جديد. وترى "الجبهة الشعبية" ان "مبادرة جنيف" تعتبر أول وثيقة فلسطينية خوّل فيها موقوعها انفسهم حق التنازل عن ثوابت الشرعية الدولية والقومية والوطنية في الصراع التاريخي مع المشروع الصهيوني. وهي تستهجن قرار التسرع في استنباط الحلول المريحة لاسرائيل بعد نزاع استمر اكثر من نصف قرن. لذلك يؤكد أحمد سعدات ان الذين تجمهروا في جنيف قدموا لشارون حبل النجاة وأعانوه على تحقيق حلمه لبناء اسرائيل كبرى خالية من أي عنصر غريب. ويتبجح الفريق الفلسطيني بأنه نجح في اقتسام السيادة على القدس. ولكنها سيادة مجتزأة لأن الفلسطينيين سيعترفون بسيادة اسرائيل على الحائط الغربي وعلى الربع اليهودي في المدينة القديمة. وهذا بالطبع يشمل الاعتراف بالاحياء اليهودية في شرقي القدس, بما فيها حيان يحملان اسم الارهابي الصهيوني الشهير زئيف جابوتنسكي. السؤال المطروح حالياً يتعلق بموقف شارون من هذه المبادرة, وما إذا كان سيعتمد تفاصيلها لتنفيذ "خريطة الطريق"؟ يقول شارون ان مبادرات السلام ولدت خلال 55 سنة كالفطر, فمن مبادرة ألون - نسيبة, الى مبادرة ممثلي شاس والفلسطينيين, الى مشروع مجلس "يشع" الى مبادرة "شينوي" للمستوطنين, الى اقتراحات جورج تينيت, الى تقرير جورج ميتشيل, الى مبادرة جنيف. وهو يتوقع من واشنطن دعوة مستعجلة للبحث في امكانات تحويل مبادرة جنيف الى خطة سلام تتبناها حكومة أحمد قريع. كما يتوقع من حوار الفصائل الفلسطينية في القاهرة, الاتفاق على هدنة ثانية مشروطة تمنحه الوقت الكافي لتفشيل أبو علاء ودفعه الى المصير الذي انتهى اليه أبو مازن. وفي تقديره ان الأشهر الستة المقبلة ستشهد على الانتهاء من عملية بناء جدار الفصل, وعلى مسرحية ابتزاز جورج بوش في معركة التجديد, وعلى اغتيال "مبادرة جنيف" بأيدي الذين اغتالوا عصام السرطاوي! |