الرهان الخاسر على منطق القوة أحلام بوش وكوابيسه ...

أغانٍ ومعانٍ أضاعتها حرب العراق..! 

     
     

 

أميركا والرهان الخاسر على منطق القوة:

المشير أبو غزالة

           تبدو الولايات المتحدة على وشك تغيير تكتيكاتها العسكرية والسياسية في العراق·· رغم تأكيد الرئيس بوش أن قواته باقية هناك إلى أجل غير مسمى·· وهذا التغيير ناجم عن سخط الشعب الأميركي بسبب زيادة الخسائر البشرية بين قوات التحالف في العراق·
ونشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الاميركي سي·اس·اي·اس تقريرا عن الموقف العسكري الحالي في العراق·· ومن المؤكد ان هذا التقرير أعد بتكليف من الادارة الاميركية من أجل تقدير الموقف مما يثبت ان هذه الإدارة تشعر بتعقيد الموقف لقواتها في العراق·
ويؤكد التقرير ان 90 في المئة من التهديد مصدره موالون للنظام العراقي السابق وانه رد فعل لفشل الولايات المتحدة في اعادة بناء العراق وان معظم من اطلق عليهم لقب ارهابيين هم أجانب عبروا الحدود السورية وقليل منهم عبر الحدود السعودية وهناك اخرون عبروا من ايران وقيل انه على مايبدو ان هناك خليطا من سوريين وسعوديين ويمنيين وسودانيين وغيرهم وهذه مقولة بلا دليل وكل ما ذكر في محاولة لاثبات ذلك مقتل متطوع يحمل جوازا سوريا ثم اتضح انه يمني كما ذكر ان عددا من تم القبض عليهم من هذه الجماعات وصل الى 300 شخص معظمهم داخل العراق قبل الحرب·
وقال التقرير ان قوات الاحتلال تواجه تهديدا من عناصر اجرامية تم الافراج عنها في نهاية الحرب وان هذا يعقد المشكلة وان هناك عددا من الهجمات المأجورة من جانب هذه العناصر ومع ذلك لا توجد لدى قوات التحالف صورة يعول عليها حول من ينظم هذه الهجمات او حجم وتنظيم العناصر المختلفة التي تقوم بذلك كما لا يوجد دليل على ان صدام او عزة ابراهيم يسيطران على هذه الاعمال ولا دليل على دور مباشر لتنظيم القاعدة·
وذكر التقرير ان صدام حسين معزول تماما ويهرب من مكان الى آخر بصفة مستمرة ولا أحد يعرف من اين استقى كبار المسؤولين الأميركيين فكرة ان عزة ابراهيم هو المسيطر والمسؤول عن هؤلاء·
كما ذكر التقرير ان حجم القوات الاميركية الحالي في العراق هو 115000 جندي بالاضافة الى 130000 جندي من 37 دولة مختلفة وان هناك املا في خلق قوة امن عراقية قوامها 150000 رجل خلال اربعة اشهر وقيل انه تم فعلا تشكيل 65000 جندي شرطة من هذه القوة وان الرقم سيصل الى 27000 جندي قريبا وان هذه العناصر تخضع لتدريب يتركز على احترام حقوق الانسان والمعاملة الحسنة للمقبوض عليهم وطريقة الاستجواب·
خط متشدد
وقيل ان مجلس الحكم الانتقالي يدعو الى خط متشدد ويرى ان الولايات المتحدة لينة اكثر من اللازم في مهاجمتها للاهداف المعادية وفي استخدام القوة لرغبتها في كسب ولاء شعب العراق لكن الانباء تفيد بان القوات الاميركية قصفت تكريت جوا بقنابل زنة 500 رطل بعنف شديد كما هاجمت اهدافا داخل بغداد والفلوجة الامر الذي يوضح ان قوات التحالف ليست لينة في التعامل مع عناصر المقاومة العراقية· وقيل في المؤتمر الذي عقد بالعراق مؤخرا لتقدير الموقف العسكري ان التهديد يتركز اساسا في منطقة بين الرميلة وبغداد·
واكد المجتمعون في المؤتمر ان الهجمات ستستمر الى يوم مغادرة القوات الاميركية العراق·· وتحدث المؤتمر عن القطاع الجنوبي وان فرقة بولندية تغطي المنطقة جنوب بغداد واستعرض القطاع الذي تسيطر عليه القوات البريطانية حتى الحدود الشرقية مع ايران ومساحته 80000 كيلو متر مربع ويشمل خمس محافظات تضم مناطق مهمة مثل كربلاء وبابل والنجف ومع ذلك حدث في تلك المنطقة 11 هجوما في كربلاء، و13 في بابل وقتل جندي بولندي يوم 6 نوفمبر وشملت هجمات اخرى قوافل وتلغيم مناطق عسكرية ونسف مخازن ذخيرة عراقية·
وذكرت التقرير الاميركي ان معدل الجرائم والنهب والسلب في العراق انخفض حوالي 40 في المئة منذ اعادة الشرطة العراقية· وذكر ارقام للدلالة على ذلك في مقارنة بين شهور يوليو واغسطس وسبتمبر واكتوبر فاجمالي الجرائم كان حسب ترتيب هذه الاشهر 1367 في يوليو و1094 في اغسطس و1235 في سبتمبر و909 في اكتوبر·
ويرى التقرير ان الولايات المتحدة تكسب رغم هجمات المقاومة وتكرار وتأثير هذه الهجمات قد يكون في تزايد ولكن غارات الولايات المتحدة وحلفائها تتزايد ايضا وحاليا تحدث هجمات مؤثرة في المثلث السني وبغداد رغم وقوع هجمات المقاومة في مناطق اخرى· واذا استمرت معدلات الصدام على ما هي عليه الان فإن التقرير يرى ان الولايات المتحدة من المحتمل ان تفوز الى الحد الذي تتمكن فيه من انجاز كثير من المعونات واعادة الاعمار وتأمين معظم المناطق في معظم الاوقات والسماح لحكومة عراقية جديدة بان تتولى السلطة·
ويقول التقرير ان قوات التحالف لا يمكنها السيطرة على مخاطر اخرى قد تؤدي الى الهزيمة مثل ظهور قائد شيعي يجعل من الشيعة تهديدا وهذا قد يؤدي الى خسارة الحرب وفشل مجلس الحكم في تحقيق سيطرة على مستقبل العراق ووقوع انقسامات اثنية خطيرة ومشاكل من انفجار كردي ومؤثرات خطيرة بين السنة والشيعة حول السلطة والثروة وظهور الولايات المتحدة في صورة معادية للاسلام والمسلمين·
ويرى التقرير ان المشكلة التي لا يريد احد على مايبدو ان يتعرض لها هي ايمان الشعب العراقي بان الولايات المتحدة منحازة تماما لاسرائيل وانها تقف بعنف ضد العناصر الاسلامية وان العراقيين يشاهدون بصفة مستمرة على شاشة التليفزيون صور هجوم الاسرائيليين على الفلسطينيين وتدمير منازلهم وقتل الكثيرين منهم·
الحصان الحديدي
وتحدث التقرير عن أن أول كتيبة جيش عراقية 41 ضابطا و649 من رتب أخرى تم تشكيلها فعلا مع اربع سرايا بنادق6 ضباط و112 جنديا في كل سرية وانشاء مركز قيادة وشؤون ادارية 17 ضابطا و200 فرد· وسيبدأ تدريب هذه العناصر مع قو ات اميركية على مستوى الفصيلة في ديسمبر ثم الانتقال الى مستوى تدريب الكتيبة لتكون جاهزة للعمليات في اوائل مايو القادم· وهذه قوة صغيرة لا يمكن ان تكون فاعة أو مؤثرة كما يعتقد التقرير·
ويقول التقرير الاميركي انه تم انشاء محاكم قضائية ووضعت ميزانيات للمقاطعات· كما تم وضع طرز جديدة من الحكم في كركوك وتم تقسيم الحكومة الانتقالية على أسس وقواعد اثنية وشكل مجلس انتقالي رئيسه تركستاني حاكم كركوك واعضاؤه 6 اكراد و6 من تركستان و6 اشوريين و6 من العرب و6 مستقلين تم تعيينهم بواسطة مفرزة الحصان الحديدي الفرقة الرابعة المشاة·
وقامت الادارة العسكرية الاميركية بالمساعدة في اعادة فتح 480 مدرسة ووضعت برنامجا خاصا للدراسة· ويجري انشاء مراكز شباب ووضع برامج رياضية ومراكز تدريب على الحاسبات· وتم اختيار اعضاء المجلس الانتقالي وروعي في ذلك تمثيل كل الفصائل الاثنية وتعمل السلطة العسكرية على خلق مبادرات خدمة اجتماعية مثل مجلس لحقوق المرأة وأمور أخرى· ورغم تحدث التقرير عن عدد كبير من برامج المعونة يجري تنفيذها إلا أنه يعترف بأن هناك دروسا مهمة بالنسبة للمستقبل يجب أن تراعى، فالبرنامج المدني للمعونة بطييء الى حد كبير ولا يساعد على كسب الولاء والتمويل المخصص غير كاف ولا يتم انفاقه بسرعة ولو تم زيادة التمويل وسرعة الانفاق فان التقرير يتوقع انخفاض عداء العراقيين·
ويذكر التقرير ان أهداف البنية الاساسية المدنية العسكرية وتطويرها تتمثل في زيادة محطات الاذاعة واعادة التليفزيون ومقاهي الانترنت ·· وتوجد الآن تغطية بالراديو والتليفزيون لمعظم مناطق العراق· كما ان محطات الطاقة الكهربائية زادت الى 300 في المئة وتم انشاء 25 مشروعا لمياه الشرب بدأت العمل وثمانية مشروعات للمجاري· وتجديد 90 في المئة من المستشفيات و95 في المئة من العيادات الطبية·
وفي الوقت نفسه زاد معدل اغارات قوات التحالف الى 361 غارة وزاد عدد الدوريات الى 21877 دورية، مع 2653 نقطة تفتيش و483 كمينا وهو نشاط يدل على اتساع نطاق هجمات المقاومة·
وتحدث التقرير عن صدام بين الاكراد والمناطق المختلطة في الشمال والمناطق السنية الكبيرة على الخط الفاصل جنوب شرق كركوك· وحتى الان تفادى الاكراد اي صدام اثني ولكن توجد توترات بسبب اعادة الممتلكات الكردية·
ويعترف التقرير بأن المعلومات التي نشرت عن أن جانبا ممن يشنون الهجمات يمثلون الانصار والقاعدة·· خاطئة والهدف منها تغيير اتجاه اعمال قوات التحالف· ويؤكد أن غالبية من تم القبض عليهم من المجرمين الذي هربوا قبل انهيار نظام صدام حسين· ولا توجد أي أدلة على اعمال للقاعدة في العراق ولا يوجد ما يثبت أي دور للأنصار، ولا توجد ادلة على مشاكل مع الايرانيين وان كان عدد من الاجانب يتسللون من الموصل وعبر الحدود الايرانية· ويعارض التقرير ارسال قوات اضافية الى العراق ويفضل زيادة حجم الشرطة والجيش العراقيين وحرس الحدود ويرى أن هذا يزيد حجم القوة البشرية ويحسن مهارة التخاطب باللغة العربية ويزيد كفاءة المخابرات البشرية وعلى الرغم من ان التكنولوجيا تساعد كثيرا الا ان الامر يحتاج الى زيادة قوة المخابرات البشرية لأنها الوحيدة القادرة على توفير معلومات دقيقة عن تحركات واعمال مجموعات المقاومة التي تتحرك بسرعة وخفة·
ويقول التقرير ان سيلا من المعلومات يرد ولكن لا توجد اجابة مؤكدة حول الموقف وكل الاجابات تشير الى غياب التنسيق بين الاجهزة المختلفة ولا احد يشعر بان هناك نهاية مبكرة لهذه الهجمات ويعتقد الجميع ان هذا سيستمر الى ان تغادر القوات الاميركية العراق والجميع يؤكدون ان موقف الولايات المتحدة وحلفائها يتحسن ولكن التهديد يتزايد ومن الممكن ان يتحول الى قنبلة وان الجهد المبذول يسعى فقط إلى خفض التهديد وليس التخلص منه·
غرور القوة
والمشكلة ان الولايات المتحدة لم تعد ترى أي خيار اخر لصياغة العلاقات الدولية سوى استخدام القوة· وأكد الرئيس بوش ذلك خلال زيارته الاخيرة لبريطانيا حين قال ان الدول الديمقراطية والحرة عليها استخدام القوة لحماية نفسها والعالم·
ويرى المحللون ان الولايات المتحدة اغراها انتصارها في الحرب الباردة وما حققته من انجازات بعد ذلك· ولها العذر في ذلك فالاتحاد السوفيتي المنافس الوحيد لها في عالم ثنائي القطبية اعترف بان نظامه كان ابعد ما يكون عن المثالية بل قبل الغرب كنموذج للتطور والديمقراطيات التي وصلت إلى السلطة بعد تحلل الاتحاد السوفيتي حولت روسيا التي ورثت عن الاتحاد السوفيتي أكبر قوة نووية في العالم من عملاق آسيوي خطير إلى احد اعضاء المنطقة الأوروبية وتحتل مقعدا في الصفوف الخلفية للدول التي تخضع للسياسة والاستراتيجية الأميركية مثل ألمانيا وبريطانيا وغيرهما ومع ذلك اعتقد ان روسيا لن تقبل انفراد الولايات المتحدة بالهيمنة الكاملة على العالم وانها ستعمل على تطوير قدراتها لتعود إلى القمة، كما ان الصين ستقاوم هذا التوجه الأميركي بكل الاساليب·
سيادة الأديولوجيا
ويصف المحللون رد فعل الولايات المتحدة على الاوضاع الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة بأنه يشبه رد فعل الاتحاد السوفيتي عند انتصار الثورة الشيوعية في الصين وفيتنام وكوبا· فلقد اقتنع قادة الاتحاد السوفيتي بأن الشيوعية انتصرت في كثير من الدول وان هذه الدول اعتبرتها نظريات تقدمية وانها تمهد الطريق لمستقبل باهر لكل البشرية وان الشيوعية ستكون المنتصرة في كل مكان ومن واجب الاتحاد السوفيتي العمل على تحقيق هذا الانتصار· واليوم جاء الوقت لتقتنع الولايات المتحدة بأن ايديولوجيتها يجب ان تسود وما يقصده هؤلاء المحللون سيادة النظرية الرأسمالية الأميركية والنظام والثقافة الأميركية في كل انحاء العالم على ان تكون الولايات المتحدة هي سيدة هذا العالم بلا منافس· لكني لا اعتقد ان شعب الولايات المتحدة يريد ذلك بل هي افكار واراء صقور الحزب الجمهوري·
وانتشار الديموقراطية يجب ان ينبع من شعب كل دولة لا ان تملى عليه من دولة اخرى· ولماذا اقتصر هذا المبدأ الأميركي على دول صغيرة من العالم الثالث ولم يفرض على الصين مثلا؟ وهل ستجازف الولايات المتحدة بالدخول في صراع نووي مدمر مع الصين لتطبيق ايدلوجيتها؟ وفيتنام مثال حي فقد فشلت الولايات المتحدة بكل قوتها في فرض هذه الايديولوجية على فيتنام··!
ويقول المحللون انه لا عجب ان تتصور الولايات المتحدة نفسها كقائدة لتطوير البشرية وان قدرها ان تعلم العالم الطريق إلى الحريةوالرفاهية، وان هناك افعالا تعطيها هذا الحق فقادة الولايات المتحدة يصرون على ان الولايات المتحدة هي مبتدعة العولمة وان لها قيادتها، كما انها تحمل على عاتقها مسؤولية المشرع والقاضي والجندي ومستعدة لوضع القوانين التي تفرضها على أولئك الذين يترددون في قبول هذه الافكار ومعاقبتهم إذا دعت الضرورة· ويقولون ان المفكرين يزعمون ان الامبراطورية الرومانية تمكنت من الحفاظ على السلام لأربعة قرون ولذلك فان الدول المارقة من وجهة نظرهم يجب معاقبتها واجبارها عسكريا على ذلك، ومن هنا ابتدعت الإدارة الأميركية نظرية الحرب المسبقة· ولعقد من الزمان نجحت الآلة الأميركية القوية في بذل جهود كثيرة لفرض أسلوب الحياة الأميركية في أنحاء كثيرة من العالم مستغلة ما لديها من قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية·
ويتحدث المحللون عن الاحداث المأساوية في الحادي عشر من سبتمر ووصفها بانها حملة صليبية اخرى ولا أدري لماذا اطلقوا على هذا الحادث هذه التسمية· وان هذا الحادث خلق مشاعر قوية للانتقام والتصميم على ضمان أمن مطلق· ويقولون ان الاستراتيجية الامنية القومية الأميركية التي تم نشرها في 20 سبتمبر 2002 ترى ان البشرية تمسك في يدها اليوم فرصة تحقيق انتصارات للحرية على كل خصومها·· واننا سندافع عن الولايات المتحدة·· في الداخل والخارج بتدمير التهديد قبل ان يصل إلى ديارنا·· وسوف لا نتردد في العمل منفردين إذا لزم الأمر للدفاع عن أنفسنا بالتصرف المسبق ضد هؤلاء الإرهابيين ومنعهم من القيام باعمال ضارة·
ويرى المحللون ان الاقتصاد عامل آخر يؤثر على الاستراتيجية الأميركية إلى حد بعيد فالدولة تحتاج إلى أسواق والوصول باستمرار إلى مصادر الطاقة لفترة طويلة مقبلة· وهذا يفسر الانحياز الأميركي الواضح لمبدأ التجارة الحرة التي تدعو لها وتشجعها مع اصرارها على بذل كل الجهود الممكنة للسيطرة على مصادر الطاقة وتأمينها وخاصة في نصف الكرة الغربي وافريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين·
ويقولون ان الصناعة العسكرية الضخمة التي خلقت قوة عسكرية غير مسبوقة تلعب دورا رئيسيا في هذا المجال وأدت إلى خلق سياسات هيمنة اميركية طموحة فالبنتاجون ينظر إلى العالم على انه منطقة يمكن ان تلعب القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة فيها الدور الرئيسي لتحقيق هذه السياسة· فهناك مناطق تحت سيطرة أميركية كاملة ومناطق يمكن عن طريق فتح القوات على مسافات بعيدة ان تصل إليها ولكن توجد مناطق غير مسيطر عليها· والاستراتيجيون الأميركيون يدرسون كيف يمكن التخلص من البقع البيضاء -على حد تعبيرهم- من على خريطة العالم· وتم لهم فعلا ازالة بقعة العراق البيضاء وهناك بقع بيضاء في انتظار العمل العسكري الأميركي لازالتها·
ويرى المدافعون عن نظام عالمي احادي القطبية ان الولايات المتحدة من حقها العمل منفردة دون معارضة من الدول الاخرى·· وفي هذه الرؤية علامة أو دليل على احادية العلاقات الدولية ولا يجب ان ننسى ان التدخل ظهر في عصر الحرب الباردة في حالات كثيرة وكان محل نقد واحتجاج من معظم دول العالم· وضربوا مثالا بان الولايات المتحدة شنت حربا كبيرة وطويلة في الهند الصبنية 1965-1975 وان الاتحاد السوفيتي تجاهل الاحتجاجات عندما ارسل قوات إلى المجر عام 1956 وتشيكوسلوفاكيا عام 1968 وأفغانستان في 1979-1989 ولم يتحدث أحد انذاك عن احادية قطبية للاتحاد السوفيتي·
ويقولون ان الولايات المتحدة ليست لديها فرص كثيرة للحصول على لقب سيدة العالم، وهي تواجه موجة معارضة متزايدة لسياسات الهيمنة خاصة من قوى كبرى مؤثرة مثل روسيا والصين والهند وكثير من دول العالم الإسلامي والدول النامية·· كما ان النظم التي اعتبرتها الولايات المتحدة نظما مارقة ترفض تهديدات الولايات المتحدة بل تبذل جهدا كبيرا لان تصبح نووية لردع هذه التهديدات· ويرى المحللون ان هذه النظم لن ترتدع عن اللجوء إلى الارهاب إذا تطلب الأمر·
آثار سلبية
وقد واجهت الولايات المتحدة آثارا سلبية لاستخدام القوة لفرض ما تراه على الآخرين· ويرى المحللون ان المقاومة الداخلية في الولايات المتحدة ستخفض من حدة هذه الحمى فالولايات المتحدة دولة ديموقراطية وسيكتشف السياسيون والرأي العام فيها انه من الصعوبة بمكان قبول سياسات عدوانية وشن حروب تتعارض مع القوانين الدولية يتم فيها قتل ارواح كثيرة· ففي عام 1999 تصاعدت اصوات أميركية عارضت قصف يوغوسلافيا بالقنابل· وفي عام 2003 كانت الحركة المضادة لغزو العراق، كما ان اعضاء ديموقراطيين في الكونجرس وعسكريين متقاعدين ونجوم سينمائيين وطلبة عارضوا هذه الحرب ووصفوها بانها حرب غير عادلة· وفي لندن واجه توني بلير رئيس الوزراء البريطاني والحليف الرئيسي لواشنطن مشاكل كثيرة·
ويجب على الولايات المتحدة ان تعترف بان كثيرا من مشاكل العالم يجب ان تحل بالتعاون المشترك مع المجتمع الدولي· والأميركيون يعرفون تماما ان الحرب ضد الإرهاب في أفغانستان لم تكن لتكتمل بدون دعم روسيا ودول آسيا الوسطى· كما ان عودة الحياة لطبيعتها في أفغانستان تحتاج إلى جهود أكبر وعلى الولايات المتحدة لتحقيق ذلك ان يستمر تعاونها مع روسيا ودول آسيا الوسطى· والإرهاب الدولي يحتم تعاون الولايات المتحدة مع كل دول العالم للقضاء عليه ولن تتمكن منفردة من تحقيق الهدف·

 

أحلام بوش وكوابيسه ...

أ.د. محمد احمد النابلسي

الحلم هو الطريق الملوكي المؤدي الى اللاوعي...

                                                   سيغموند فرويد

      أثار التحليل النفسي للمشاهير جدلاً واسعاً في أوساط التحليل النفسي. ذلك أن فرويد أخر نشر تحليله للرئيس الأميركي ولسون الى ما بعد وفاة زوجة ولسون. فوضع بهذا التأخير قاعدة أثارت من الجدل أكثر من ترسيخها لمبدأ يحدد قوانين وشروط تحليل المشاهير. حتى أن البعض يرى أن تحليلات فرويد للمشاهير من أمثال موسى ودافنشي وولسون ... الخ لم تكن موفقة. بل ربما كانت هذه النصوص أردأ النصوص الفرويدية على الإطلاق. وعليه فإن هذا البعض يعارض إختراق خصوصية المشاهير بنشر تحليلات نفسية تفضح خصوصياتهم.

في المقابل فإن براغماتية السيكولوجيا الأميركية رأت أن نشر القراءات النفسية والتحليلات المتعلقة بالمشاهير هي ضرورة لتجنب وصول أو إستمرار شهرة أشخاص غير أسوياء خاصة إذا كانوا من بين السياسيين. وعليه فقد أمعن الأميركيون في التوظيف السياسي للسيكولوجيا بكافة فروعها.

هذا التوظيف الذي جعل تحليل الشخصيات السياسية في متناول قراء الصحف والمجلات الأسبوعية. فلو راجعنا الصحافة الأميركية لوقعنا فيها على قراءات نفسية لكل الشخصيات التي تبرزها الأحداث. من هنا كان من الطبيعي أن تركز هذه القراءات على صدام حسين خلال الفترة السابقة للحرب. ولكن دون أن توفر في تقديم القراءات حول شخصية جورج ووكر بوش. الذي تابعته هذه القراءات منذ دخوله الى البيت الأبيض وحتى اليوم. حيث كثاقة هذه التحليلات وطابعها الصحافي لا يسمحان بسردها. لكننا نتوقف في تحليلنا هذا على حلم كابوسي لبوش تداولته الصحافة الأميركية على شكل تسريبات من داخل البيت الأبيض. ومحتوى الحلم / الكابوس أن بوش يحلم بأنه يتعرض للإغتيال. وتتكرر فكرة الحلم بأشكال وسيناريوهات مختلفة. وهذا الحلم التكراري هو أحد أهم القرائن على حكمة عبارة فرويد القائلة بأن الحلم هو الطريق الملوكي المؤدي الى اللاوعي. ونحن ندين بتحليلنا لهذا الحلم ولشخصية بوش عامة الى ثورة الإتصالات التي ساعدت على تقديم معطيات بالغة الأهمية والخصوصية حول هذه الشخصية. فبدون هذه المعطيات لم يكن بالإمكان التعمق في تحليل هذا الحلم الكابوسي. وسيلاحظ القاريء أن القراءة التي نعرضها تمتاز عن كل القراءات السابقة لجهة إعتمادها على التحليل النفسي بصورة أساسية. في حين إعتمدت الدراسات السابقة على الطريقة السلوكية التي تعكس سيطرة الفكر البراغماتي على السيكولوجيا الأميركية. وعبرها على السيكولوجيا في أنحاء عديدة في العالم.

        في عودة الى جذور التحليل النفسي للرؤساء الأميركيين نجد أن فرويد هو الذي إفتتح هذا المجال بتحليله لشخصية الرئيس الأميركي وودرو ولسون. وهو نص فرويدي شبه مهمل قمنا بترجمته مؤخراً الى اللغة العربية تحت عنوان: " التحليل النفسي للرئيس الأميركي وودرو ولسون ". ومن الضروري الإشارة الى أن إهتمامنا بترجمة هذا الكتاب كان على علاقة مباشرة بمشروعنا لتحليل شخصية بوش. فلدى تدقيقنا في هذا النص الفرويدي وجدنا تقارباً غير عادي بين الشخصيتين. حتى أنهما يشتركان في العبارات والهفوات كما يشتركان في الهوامات. ولعل أهم هذه الهوامات ذلك الشعور الغامض والملتبس بالنبوة. وهو المسؤول عن إعتقادهما المشترك بمجيئهما أنبياءً لإنقاذ البشرية وتوحدهما بالمسيح. فحين سئل ولسون عن القتلى الاميركيين في أوروبا أجاب: " ... لقد كان هؤلاء طليعة حرب صليبية جديدة." وهي الفكرة الهوامية التي كررها بوش عندما أعلن حربه الصليبية على أفغانستان.

كما يشترك الرجلان في قناعتهما بأنهما يراسا اميركا بدفع " حس الواجب المقدس". وهذا ما جعلهما زاهدين بجرعة كبيرة من سلطتهما لصالح المعاونين ولكن مع التمسك بفخامة وفوقية المنصب. ومن الطبيعي ان يحاول هؤلاء الأعوان تمرير بعض القضايا دون علم الرئيس. مما يجعله يبدو غبياً في بعض المواقف المقررة والمفصلية في تاريخ رئاسته. إنهما يمثلا نمط الرئيس الذي يسهل خداعه وتضليله. فقد تبنى ولسون معاهدة فرساي باعتبارها مرسلة لإنقاذ الإنسانية ولرسم حضارة جديدة. وهو بذلك يشبه بوش في تبنيه للحرب على الإرهاب كوسيلة لتحقيق العدالة المطلقة. لكن ترجمة هذا الهوام الى واقع تبين أن معاهدة فرساي كانت وحشية ولدت الحرب العالمية الثانية ومعظم الحروب التالية للمعاهدة. حيث الصراع العربي – الإسرائيلي ناجم عن أحد الملاحق السرية لتلك المعاهدة. أما هوام الحرب على الإرهاب فيكفيه خطورة أنه جعل أميركا والعالم أقل أمناً منهما قبل تلك الحرب. بل أن هذه الحرب باتت تهدد بتفجير براكين صراعات كادت تتحول الى الخمود الكلي.

نكتفي بهذا القدر من المقارنة بين الرئيسين لننتقل الى عرض الأنماط السلوكية للرؤساء الأميركيين. وهو تصنيف تطرحه المدرسة السيكولوجية الأميركية.

التحليل السلوكي للرؤساء الأميركيين

لا تهتم السلوكية بدراسة الشخصية، بل هي تتجنب هذه الدراسة وتتخطاها الى معاينة سلوك الفرد. في محاولة لتوقع مواقفه وردود فعله تجاه الأزمات. ومن هنا تركيز السلوكية على مبدأ النمط السلوكي.

1. تعريف النمط السلوكي

النمط السلوكي هو عبارة عن علاقة بين الفعل والإنفعال. التي نلاحظها ، في حالة النمط أ مثلا"، لدى الأشخاص يخوضون صراعا" دائما" بهدف الحصول ، وبأقل وقت ممكن، على عدد معين من الأهداف والأشياء. ويختلف هذا النمط عن حالات القلق العادية من حيث تحديده لأهدافه وإصراره عليها. و ذلك على عكس القلق الذي يتراجع ليطلب النصح إذا ما أحس أن ذمام الأمور بدأ يفلت من يده.

هذا بالنسبة للأنماط الطبية – النفسية ( السيكوسوماتية) أما بالنسبة للأنماط السياسية فهي مختلفة لجهة إعتمادها معايير مختلفة. كما لجهة إنحسارها في فئة محدودة جداً هي فئة السياسيين. ويهمنا في هذا السياق تحديداً فئة الرؤساء الأميركيين وأنماطهم السلوكية.

2. الأنماط السلوكية للرؤساء الأميركيين

      إن النمط المميز لهيكلية جهاز القيم الأميركي، يجعل من قضية الأخلاق قضية جاذبة للرأي العام، وخصوصا" في فترة الإنتخابات. التي تشهد التركيز على الحياة الخاصة للمرشحين، وعلى العلاقة بين هفوات المرشحين وبين أدائهم الرئاسي في حال فوزهم.

قضية الأخلاق هذه كانت مدخل الجمهور الأميركي لاستكشاف شخصية الرئيس كلينتون، بدءا" بعلاقته مع زوجته الصعبة المزاج ( لدرجة الاضطراب أحيانا")، مرورا" بعلاقاته النسائية التي تكللت بفضيحة التحرش الجنسي، والدعوى التي أقامتها باولا جونز على كلينتون، وأيضا" مرورا" بـ "وايت ووتر"، وانتحار أحد المستشارين وما أشيع عن علاقة بينه وبين زوجة كلينتون، وصولا" إلى الديون التي تثقل كاهل الرئيس... الخ من الهفوات التي أتاحت للجمهور الأميركي تكوين فكرة عن الملامح الرئيسية لشخصية كلينتون. لكن التركيز على هذه الهنات لا يعني أنها غير مسبوقة، فقد كان لغاري هارت مغامراته العاطفية مع العارضة دونا رايس، كما اتسم سلوك بات روبرتسون بالعبث الشبابي. ولم يكن جون كينيدي بعيدا" لا عن المغامرات العاطفية، ولا عن اضطراب تفاهمه الزوجي... الخ. من القضايا التي كان قد أثارها عالم النفس( في جامعة كاليفورنيا)، كيث سيمونتون مؤلف كتاب "لماذا ينجح الرؤساء"، وفيه يقول: " إن الكثير من القضايا الأخلاقية المثارة لا تملك الأهمية في موضوع اختيار الرئيس وانتخابه". وبمعنى آخر فإن أداء الرئيس في غرفة النوم لا علاقة له بأخلاقه. ويذكر سيمنتون أن لغالبية الرؤساء الأميركيين مغامراتهم العاطفية خارج فراش الزوجية، دون أي فارق بين الناجحين وبين غير الفاعلين منهم.

أما عالم الشخصيات روبرت هوغان، فيعارض ذلك إذ يقول: " إن الشخصية هي مجموعة متكاملة من السمات مثل الذكاء والمرونة ودرجة الحياء والكبت عند الشخص...الخ وهذه السمات هي التي تحدد سلوك الشخص سواء كان رئيس عمال في ورشة، أو كان في البيت الأبيض رئيسا".

ويدعم هذا الرأي عالم السياسة "جيمس دافيد باربر". مؤلف كتاب: "الأخلاق الرئاسية – التنبؤ بمستوى الأداء في البيت الأبيض"، إذ يقول: أن من يدرس أحوال الرئاسة في القرن العشرين، سيصل للإستنتاج القائل، بأن لأخلاق الرئيس أهمية وتأثير أكيد في مجريات الأمور. بل أن أخلاق المرشح أصدق إنباء عن شخصيته وأدائه من كل الوعود والاقتراحات الانتخابية التي يطرحها أثناء حملته. ويعطي باربر مثالا" على ذلك " ليندون جونسون"، فيقول بأن قصة جونسون مع حرب فيتنام هي أكثر الأمثلة إثارة للرعب في العصر الحديث. فقد كان يدعي بأنه مرن ومحب للسلام، ولكنه لم يلبث أن تحوّل إلى التصلّب في سياسته العسكرية الفاشلة، وذلك بسبب سلوكه القهري المتصلّب. ويتابع باربر بأن دوايت د.ايزنهاور يمثّل نموذجا" للشخصية السلبية ( ينسحب من المواجهة لأسباب أخلاقية تاركاً حل المشاكل للآخرين ) ومن هنا فشله  في محاربة المكارثية، والمشكلات التي انبثقت في أيامه كانحلال الحياة في المدن ومظاهر الشغب العرقي. وهنا علينا أن نلاحظ تكرار هذه الملامح في عهد ووكر بوش منذ الاشهر الأولى لولايته. حيث الشغب العرقي المندلع في سينسيناتي في 1 /4 /2001 وحيث التورط في الحرب ضد الإرهاب وصعوبة الانسحاب منها. إضافة للرغبة القهرية لدى بوش بمتابعة مسلسل حروبه الإستباقية.

1- التصنيف النفسي – السياسي للرؤساء الأميركيين

يطرح باربر تصنيف الرؤساء الأميركيين، وفق خطين قاعديين: 1- خط الفاعل و 2- خط المنفعل ( أي القدر من الطاقة الشخصية الذي يبذله المرء في عمله في مقابل العاطفة الايجابية – السلبية أو موقفه من نتائج عمله ومدى تقبله لهذه النتائج). وعلى هذا الأساس يحدد باربر أنماطاً أربعة لشخصية الرئيس الاميركي وهذه الانماط هي:

أ – النمط الفاعل – الإيجابي

 هذا النمط من الرؤساء يستثمر قدراً كبيراً من الطاقة الشخصية في عمله، وهو يستمتع بذلك. وتكون لدى مثل هذا الرئيس أهداف تحكم توجهاته. كما تكون لديه مرونة. لكنه قد يواجه مشكلات في التعامل مع المواقف العاطفية وغير العقلانية في السياسة. ومن الرؤساء المنتمين الى هذا النمط: روزفلت، وترومان وكينيدي.

ب- النمط  الفاعل – السلبي

 يملك صاحب هذا النمط طاقة شخصية عالية، لكنها موجّهة في كفاح قهري لا متعة فيه، وليس له سوى مردود عاطفي محدود. ويواجه أصحاب هذا النمط صعوبة في كبت وضبط مشاعرهم العدائية. من أهم أمثلة هذا النمط الرؤساء ولسون وجونسون ونيكسون ودبليو بوش.

ج – النمط المنفعل – الإيجابي

يمتاز هذا النمط بأنه مساير ومتعاون أكثر منه صاحب شخصية وحيوية قوية. مع مسحة تفاؤل مهيمنة على سلوكه. وهذا النمط يفاوض بشكل جيد، ولكنه يحيط نفسه بأصدقائه القدامى الذين يجلبون له العار. ومن أمثلة هذا النمط هوارد تافت وريغان، " الذي يقول عنه سيمونتون: "ها نحن نجد ريغان يوقع صفقة أسلحة مهمة وفي الوقت نفسه تنفجر حوله الفضائح في كل مكان". كما ينتمي الى هذا النمط الرئيس كلينتون.

د – النمط المنفعل – السلبي

يدخل أصحاب هذا النمط الى ميدان السياسة  إنطلاقا" من حسّ الواجب والخدمة وليس لتحقيق المتعة. وهم لا يجنون من الرئاسة سوى القليل من القناعة والرضى. وهم يميلون لتجنّب الصراعات، والانسحاب منها معتمدين على بيانات مبادئ غامضة كما فعل كوليدج وايزنهاور.

على ان هذا التصنيف يجب ألا يدفعنا إلى تجاوز العوامل الفردية، التي تميز الفرد عن الآخرين، بحيث لا يمكن إدراج شخصيته بصورة حصرية في واحد من هذه الأنماط لوحده، بل هو مزيج يهيمن عليه أحد هذه الأنماط.  

3- التحديات التي تواجه الرؤساء الأميركيين

يرى عالم السياسة "بروس بوكانان" من جامعة تكساس، أن الرؤساء الأميركيين يواجهون أربعة تحديات أساسية تعترض مدة إقامتهم في البيت الأبيض هي:

1- المجد المفرط : هو التحدي الأول حيث يكثر المادحون والمتزلفون، بحيث تتحول معارضته إلى مفاجأة يستجيب لها البعض بالغضب ( يزداد الغضب مع ازدياد القناعة بأقوال المادحين).

2- إجهاد القرارت : ان التحدي الثاني، الذي يواجه الرئيس، هو العراقيل والحواجز المؤدية للإحباطات وكيفية تعامل الرئيس معها. فهل هو يعرف متى يحارب ومتى ينسحب؟ وهل هو قادر على تحمّل الفشل وهضمه؟.

3- التوفيق بين أجنحة ادارته: وهو التحدي الثالث في مواجهة الرئيس. و هو أسلوب الإدارة التي غالبا" ما تواجه الرئيس بمطالب متناقضة، حيث يجب أن يملك الرئيس القدرة على التوفيق بين هذه القدرة المتناقضات. هذا التوفيق الذي فشل فيه جيمي كارتر لتدخّله الزائد لدرجة التورط. كما فشل فيه ريغان بسبب تراجعه وعدم تدخله بالمستوى المطلوب.

4-  الإغراءات الضخمة : وهي التحدي الرابع للرئيس. ويعطي بوكانان على هذا التحدي مثال جونسون الذي رغب في تحقيق برامجه الإجتماعية (مشروع المجتمع الكبير) وبأن ينتصر في فييتنام في آن معا". لكن الكونغرس لم يكن مستعدا" لتمويل الاثنين معا". كما أن ريغان كان مستميتا" لتحرير الرهائن الأميركيين ولم يكن مستعدا" لاجراء أية مقايضة مع الزعماء الإيرانيين. وفي كلتا الحالتين فإن فشل الرئيسين في تحقيق إغراء الحصول على هدفين في آن واحد قد دفعهما إلى الكذب.

هذا ولا يهمل بوكانان، الاشارة إلى جملة عوامل تؤثر في أسلوب مواجهة الرئيس لهذه التحديات، فيذكر العوامل التالية:

1- مجموعات المصالح.

 2- الحزب المسيطر على الكونغرس والمحكمة العليا.

3- الدعم الشعبي .

 4- أجواء التوقع (تذكيها الصحافة)...الخ. 

و في حالة الرئيس جورج ووكر بوش يلاحظ أن هذه العوامل إتخذت طابع الحدة. بحيث أصبحت موازية للعوامل الرئيسية في أهميتها وفي تأثيرها على قرارات الرئيس.

4- النمط السلوكي لجورج ووكر بوش

بعد هذا الشرح المختصر والمبسط للتصنيف السلوكي للرؤساء الأميركيين علينا أن نقوم بتحديد النمط السلوكي للرئيس جورج ووكر بوش. فإلى أي من هذه الأنماط السلوكية الأربعة ينتمي. فتحديد نمط بوش من شأنه مساعدتنا على تبين العلائم السلوكية المسيطرة على تصرفاته الرئاسية وعلى خياراته. أيضا" يسمح لنا هذا التحديد بعقد المقارنة بينه وبين الرؤساء السابقين من ذات نمطه السلوكي. بحيث يساعدنا ذلك على التنبوء المستقبلي بإتجاهات الرئيس وخياراته. وهنا لابد من التذكير بأن القانون الأميركي ( ومعه السياسة) يعتمد مبدأ السابقة. وعليه فإن الرئيس الأميركي يفتش عن السوابق في تاريخ أسلافه للإستناد إليها في قراراته الصعبة. ومن الطبيعي أن يميل الرئيس إلى السوابق والحلول المنسجمة مع نمطه السلوكي. وعليه فإنه يختار من بين السوابق سوابق الرؤساء المشاركين له في نمطه السلوكي. ومن هذا المنطلق رأينا بوش الإبن يتجه نحو التوحد بريغان متجنبا" التوحد بوالده. ولهذا التجنب سبب ظاهر هو محاولة الإستقلال عن ظل أبيه. وسبب آخر خفي هو إختلاف النمط السلوكي بين الأب ( فاعل - ايجابي) والإبن. لكن إختيار الإبن التوحد بالرئيس ريغان لم يكن موفقا" كون النمط السلوكي لريغان مناقضا" لنمط ووكر بوش فإعجاب بوش بريغان وحده لا يكفي للوصول به إلى أداء مماثل لأداء ريغان كما سنرى. إذ ينتمي ريغان الى النمط المنفعل الإيجابي. ومراجعة سلوك ووكر بوش تؤكد بعده التام عن هذا النمط. وتكفي هنا مراجعة الملامح المشتركة بينه وبين جونسون (اشرنا اليها اعلاه) لنتبين انتماء ووكر بوش الى النمط الفاعل-السلبي. ويتدعم انتماءه لهذا النمط بمقارنتنا لسلوكه مع سلوك نيكسون وولسون.

ولهذا النمط من الرؤساء الأميركيين سماتهم السلوكية المشتركة التالية:

  1. سهولة التأثر بمستشاريهم ومقربيهم وأعضاء ادارتهم. وفي هذا المجال يقول ديفيد فرام (1) ما نصه: إن الرئيس بوش يتلقى أخباراً  إما غير صحيحة وإما غير دقيقة من مساعديه ومستشاريه. ويسهل ذلك أن ذاكرته ضعيفة ... بحيث لا يستطيع الربط بين الأمور ومن هنا حاجته الى مساعد يذكره حتى بأبسط التفاصيل.
  2. نقص في المعلومات الضرورية لاتخاذ القرارات. سواء بسبب نقص ثقافي أو بسبب حجب المعلومات عنهم بحجة عدم أهميتها. بحيث يبدو كلا" منهم مخدوعا" في أحد المواقف المفصلية في ولايته. وفي هذا المجال يقول ديفيد فرام (1) ما نصه: " إن الرئيس بوش لا يبالي عادة بما يدور حوله. ونتيجة لذلك تصله أخبار إما غير صحيحة وإما غير دقيقة من مساعديه ومستشاريه. خصوصًا وأن ذاكرته ضعيفة في ما يتعلق بالأرقام والحقائق. لذا فهو بحاجة دائمة إلى معاون يذكره بأبسط التفاصيل".
  3. الاندفاع غير المدروس في إتجاهات استراتيجية خاطئة. وهو احتمال يزداد مع انحياز هذا النمط للفريق المتطرف في ادارته. . وفي هذا المجال يقول ديفيد فرام (1) ما نصه: " ... بوش هو أقرب إلى شخص عادي منه إلى ما يمثله منصبه رئيسًا وقائدًا للولايات المتحدة. وهذه الطريقة التقليدية كثيرًا ما تقوده إلى المتاعب. فهو تارة يتلعثم في الكلام وتارة تخذله ذاكرته. لكنه في المقابل ذو أفق واسع. ولعل من محاسنه أنه دائمًا متحمس للأفكار الجديدة ، ربما على عكس كثيرين من السياسيين، لكن قراراته لا تتصاحب مع شعوره بالذنب أو التردد ولا تنتابه لحظات شكوك وكأنه واثق من كل شيء وربما يصدر ذلك عن جهل".
  4. عدم إستساغة الجمهور الأميركي لهذا النمط من الرؤساء وتخليه عنهم في ورطاتهم. وفي هذا المجال يقول فرام (1) ما نصه: ن بوش ما زال الرجل المناسب والصحيح في عيون الأميركيين على رغم أن شعبيته كانت ضعيفة لدى إنتخابه ، إلا أن الظروف خدمته إلى أقصى حد ".
  5. الرغبة المفرطة في التمتع بالمجد والجبروت الرئاسي. . وفي هذا المجال يقول ديفيد فرام (1) ما نصه: " ... يشكل بوش حالة استثنائية في تاريخ الرؤساء الأمريكيين ويكسر القاعدة المعروفة عن حكمة سابقيه. وذلك بسبب بذاءته وسلاطة لسانه." ويتابع فرام قائلاً: " إن بوش يتصرف بتعالي وبسخرية لاذعة ويستخدم أوصافاً جارحة في وصف الآخرين. حيث الآوروبيون يعشقون عرفات والبيئيين هم حبوب فول خضراء...الخ. ويتبدى تعالي بوش من خلال الشروط التي يفرضها على موظفيه لجهة الملبس والحديث وغيرها من الشروط التي لا يلتزم هو بها...".
  6. عدم القدرة على تحمل الإحباطات ومواجهة المواقف الصعبة. مما يدفعهم للإرتماء أكثر فأكثر في أحضان فريقهم ومستشاريهم. وفي هذا المجال نذكر موقفه عقب أحداث 11 أيلول عندما لجأ الى الإختفاء ولم يعاود الظهور إلا بعد تقريع أمه باربارا له.
  7. الوقوع بسهولة ضحية الاغراءات الضخمة. ومحاولة الجمع بين الأهداف المتناقضة. دون ملكية المرونة الكافية لوضع جدول اولويات يتيح لهم التركيز على الأهداف الأهم والتخلي عن الأقل أهمية. وهي سمة مشتركة بين الرؤساء السلبيين ( فاعلين أو منفعلين). . وفي هذا المجال يقول ديفيد فرام (1) ما نصه: " ... جورج بوش رجل غير طبيعي، قد يكون طيب القلب ولكنه ليس ضعيفًا، فهو حازم وعنيد، لكن عيوبه كثيرة جدًّا فهو غير صبور وسريع الغضب، وسطحي وعاجز عن تحمل الإحباطات، وفي بعض الأحيان يزل لسانه فتظهر هفواته.".

     وهذه السمات تتبدى بارزة في سلوك ووكر بوش في الأزمات. مما جعل احتمال الجنون الاميركي احتمالاً قابلاً للتنفيذ طيلة فترته الرئاسية.

مورفوسيكولوجية بوش

     تتعدم معطيات التحليل السلوكي بمعطيات المورفوسيكولوجيا ( علم نفس الشكل). الذي درجت المدرسة الأميركية على تسميته بتحليل الحركات. حيث أنشأت وكالة المخابرات الأميركية معهداً خاصاً لتحليل الحركات.

تجنباً للخلط بين معطيات التحليل النفسي الشكلي نذكر أن هذا التحليل يعتمد عدة فروع نفسية يتمازج فيها النفسي بالبيولوجي وبالفيزيولوجي. فهنالك فرع دراسة الهيئة العامة للجسم ودراسة هيكلية الوجه وتقاطيعه ودراسة الإيماءات والتعابير إضافة لدراسة الحركات أو العقلات الحركية ( Tic ) بصورة أدق. وفي هذا السياق سنكتفي بذكر خلاصة تطبيق معطيات هذه الفروع على الشكل الخارجي لووكر بوش. ونبدأ ب:

1. نمط هيئة الجسم

       إعتماداً على تصنيف رايش – لوفان ينتمي بوش الى النمط المازوشي وخصائصه هي التالية: اصحاب هذا النمط يشكون ويتأوهون وينتحبون لكن دون أن يقوموا بأية خطوة فعلية لإصلاح حالهم. ففي داخلهم إحساس بالتفوق وعدوانية يصعب كبتها والتحكم بها. لذلك فهي تنفجر بصورة فجائية على شكل شكوى ونحيب. إلا أن عضلاته السميكة تصرفه عن تحصيل حقوقه والسعي للمطالبة بها. لأن طاقته محجوزة ولا يمكنه التصرف بها.

أما بالنسبة للسوابق النفسية فنلحظ سيطرة الأم وتضحيتها في مقابل سلبية الوالد العائلية وخضوعه. لذلك يسعى صاحب هذا النمط على الإهتمام بإرضاء أمه وخوفه من تفجير أنانيتها ضده.

2. تقاطيع الوجه

      يرتكز تحليل تقاطيع الوجه على تحديد الشكل العام للوجه وهيمنة جزء منه على الأجزاء الأخرى. ثم ينتقل لتحليل أشكال أدوات الحس: الأنف والفم والأذنان والعينان ومن ثم الجبهة والذقن والخدان ...الخ.

وتطبيق مباديء هذا التحليل على وجه بوش يعطينا الخصائص التالية لشخصيته:

-   إنها شخصية ذات مزاج عاطفي منخفض ومحدود. مما يجعل حياته العاطفية باردة وعلاقاته مفتقدة للدفء. وهو منخفض القدرة على المواجهة لدرجة عجزه عنها والهروب منها. لذلك فهو يحتاج الى دعم دائم وفاعل لدى تعرضه للمشاكل. وهذا ما يجعله تابعاً للأشخاص المحيطين به. وهو مستعد لإستبدالهم والإنقلاب عليهم عند الحاجة.

-        إنها شخصية تتعود الإندفاع وراء رغباتها ونزواتها لدرجة الميل للبوهيمية. بما فيها الإدمان والتحلل من المسؤولية.

-        تمتاز بالنزق وبعدم القدرة على تنسيق الأفكار.

-        ميل للسيطرة مترافق مع البخل.

-        شخصية ذات طموحات كبيرة وقوة مقيدة وقدرة على الكتمان لبلوغ أهدافه عبر إستغلاله للآخرين وطلب مساعدتهم.

-        صاحب حساسية محدودة مع قساوة وخبث مما يجعله ميالاً للغش والخداع. والوصول الى أهدافه بالطرق الملتوية.

3. الإيماءات والتعابير

     تعجز هذه الشخصية عن التحكم بإنفعالاتها وعدوانيتها. لذلك فهي تسجل إنفجارات عدوانية غير منتظرة. مثال سيل السباب والشتائم التي تلفظ بها بوش بحق مراسل نيويورك تايمز أثناء احد المهرجانات الإنتخابية. وهذه الإنفعالية الخارجة عن سيطرة صاحبها تتيح دراسة دقيقة لإيماءات وتعابير الغضب والعدوانية عند ووكر بوش. وننصح تحديداً بالعودة الى تسجيلات المؤتمر الصحفي التالي لقمة الآزور والمؤتمر الصحفي في اليوم السابق لمقتل ابناء صدام حسين. فهذه التسجيلات كفيلة بإبراز غير عادي لعضلات الإنفعال في وجه بوش. ونتجنب تقديم قراءة لهذه التعابير لأن كل شخص متفحص يسجل هذه الإيماءات على طريقته الخاصة.

أحلام بوش

   تقدم المعطيات المذكورة أعلاه معلومات ثمينة بما يتعلق بمحاولتنا تحليل أحلام بوش وكوابيسه. لكن هذا التحليل يحتاج الى معرفة للثروة الحلمية للحالم. ومعرفتنا تقتصر على الحلم الكابوسي الذي أشرنا إليه أعلاه. وسوف نجهد لتوظيف المعطيات المتوافرة عن شخصية بوش لتوظيفها في تحليلنا لهذا الحلم.

وهذا التحليل يقتضي إطلاع القاريْ على بعض المباديء الأولية لتحليل الأحلام على الطريقة التحليلية التقليدية.

ينتمي الحلم المتوافر لنا على إشارة الى تكراريته. بما يجعله من فئة الأحلام الكابوسية التكرارية. وهي غالباً ما تعود الى عهد الطفولة لتعكس عصاباً كامناً. كما أنها تتظاهر بأفكار تفرض نفسها على الكوابيس. ومن هذه الأفكار: 1. العجز عن الهرب من خطر محدق. و2. السقوط من مكان عال والإستيقاظ قبل الإصطدام بالأرض. و3. فقدان القدرة على الصراخ أو المشي ...الخ.

ويتكرر هذا النوع من الأحلام عادة عندما يتعرض العصابي الى ضغوطات شديدة غير مألوفة. وغالباً ما يحمل الحلم فكرة من أفكار الحلم الطفولي ( العجز عن التصرف) تهيمن على مشهد ينتمي الى الحياة العملية ( Opratoire ) للحالم. والحلم العملياتي هو تكرار لأحداث نهارية من الحياة العملية للحالم ( كأن يحلم النجار بأنه ينزع مسماراً وأن يحلم الرئيس بصراع مع مرؤسيه). وتتخذ هذه الأحلام طابعاً يزداد درامية مع زيادة الضغوطات على الحياة العملية للحالم. حتى يتحول الحلم الى كابوس تكراري عندما تتجاوز الضغوطات قدرة الحالم على الإحتمال. وهكذا يمكن للحلم أن يبدو عديم الصلة بالعصاب الطفولي إذا ما طغى عليه حدث صدمي راهن. وخاصة عندما يتذكر الحالم هذا الحدث وأكثر عندما يفسر حلمه على أساس هذا الحدث. وعندها يبدو الحلم عملياتياً بحتاً وراهناً. بما يبعده عن صفة الأحلام الطفولية التكرارية. بحيث يصبح إيجاد الرابطة بين الفئتين مرتبطاً بالبحث عن وجود واحدة من الأفكار الطفولية التكرارية في الكابوس الراهن. وإن كانت تكرارية الكابوس بحد ذاتها دلالة على إرتباطها بنموذج حلمي بدائي لدى الحالم.

وإذا كان تسريب الحلم مقنناً فإن تعويض نواقص المعلومات عنه يمكنه أن ياتي من محاولة التعرف على الحدث الصدمي المسؤول عن ظهور الحلم. أو على الأقل المساعد على معاودة ظهوره. وتبين هذه المتابعة أن نبأً نشرته الصحافة الأميركية قبل أسبوع واحد من تسريب رواية الحلم. وقوام الخبر حصول أجهزة الأمن الأميركية على معلومات عن نجاح جهة إرهابية في تهريب صواريخ أرض – جو الى الداخل الأميركي بمساعدة مهربي المخدرات. وتتمة الخبر أن الهدف المقصود بهذه الصواريخ هي الطائرة رقم واحد في سلاح الجو الأميركي. أي طائرة الرئيس بوش نفسه. ثم أعيد تنظيم الخبر بإعلان القبض على تاجر أسلحة روسي يعرض هذه الصواريخ للبيع. حيث تم القبض عليه بالتعاون مع الإستخبارات الروسية.

مدعاة القلق في هذا الخبر هو إمكان إختراق الحماية الأسطورية المؤمنة لبوش بعد 11 أيلول. فالفكرة على سذاجتها (تقنية متخلفة) تجعل إغتيال بوش إحتمالاً ممكناً رغم الحماية. وهنا لابد من العودة الى المعطيات المذكورة أعلاه حول السمات الشخصية لبوش. مع إضافة التذكير بسلوكه عقب 11 أيلول عندما إختبأ خوفاً ولم يخرج من مخبئه إلا بعد أن نهرته والدته باربارا طالبة منه الوقوف الى جانب الشعب في المحنة. وهذه التجربة قد تكون نواة كابوس الإغتيال الذي تحول الى هوس لدى بوش عبر طلباته المبالغة بالحماية ( مع الإشارة الى أن هذه التجربة تحولت الى مرض حقيقي لدى نائبه ديك تشيني. الذي يختفي لمجرد إعلان رفع درجة الخطر الى اللون البرتقالي. عداك عن تنازله عن حبه للظهور الذي كان كاسحاً وقهرياً في بداية ولاية بوش. حتى قيل بأنه تجاوز كل حدود وصلاحيات نائب الرئيس).

صدمة أخرى غير ممكنة التجاهل في سياق تحليلنا لهذا الحلم وهي صدمة قيام المعارضة العراقية بتفجير أنابيب النفط. وهذه الصدمة تهدد كل ما يمكن إعتباره إنجازاً أميركياً في العراق. وبالتالي فهي صدمة معنوية ضخمة لشخص بوش ولمشاريعه وخصوصاً لمعركته السياسية حول جدوى وفعالية الحرب على العراق. وهذه المعركة هي الهاجس الرئيسي لبوش. ليس أقله أنها هي التي ستحدد عودته للبيت الأبيض من عدمها.

لكن هل تكفي هذه الصدمات لتكوين نواة كابوس الإغتيال؟. إنها كافية دون شك. لكنها تكتمل إذا ما وضعناها في إطارها العملياتي. لنجد أن إحتمال الإغتيال يجد مبرراته الواعية والمنطقية. فمنذ توليه الحكم ورط بوش بلاده في جملة ورطات غير مسبوقة في التاريخ الأميركي. فالحالم بوش يعرف بدقة حجم لامشروعية تمويل حملته الرئاسية وإلتواء الطريق الذي أوصله للحكم. وهو أدرى بتصعيده للمواجهات ودفعها نحو الصدامات لتبرير جراحاته الوحشية (الحروب) البديلة لعلاجات كلينتون المسالمة والمرنة. كما أن لاوعي بوش يدري بأن أهم دوافع 11 أيلول كان تصعيده للمواجهات وتهديداته للجميع دفعة واحدة. وهنا تجدر الإشارة الى أن التحليل النفسي لا يفرق بين وعي بوش أو عدم وعيه لهذه الرغبة بتفجير حوادث عدوانية ضد اميركا كي تكون ذريعة تبرر له ممارسة عدوانيته. فالتصرفات الممارسة لبوش تثبت وجود هذه الرغبة. التي يذهب بعض المحللين السياسيين الى إتهام بوش بممارستها واعياً عبر معرفته المسبقة بقدوم هذه الحوادث ( دون أن يعرف حجمها بالضرورة) وتغاضيه عنها كي يتخذ منها ذريعة لتنفيذ مشاريعه المعتمدة على القوة. وهو بالتالي مسؤول عن الحروب التابعة لتلك الحوادث وعن ضحايا تلك الحروب. كما أنه مسؤول مباشرة عن نتائج هذه الحروب وتعقيداتها وفضائحها.

إن عجز بوش عن تحمل الإحباطات يجعل " الأنا " لديه هشة. وهي لاتحتمل كونها مسؤولة عن كل هذه الهفوات. وهنا تلجأ الأنا للتبرير. فالتصعيد مصدره الصقور وعلى رأسهم تشيني ورامسفيلد. والحرب الإستباقية هي النتاج النظري للمحافظين الجدد وعلى رأسهم وولفويتز. وفريقه الرئاسي هو صانع كل هذه الهفوات بدليل نصائح بوش الأب المتكررة للخلاص من تأثير هؤلاء.

ثم تعود هذه التبريرات لتسقط أمام واقعة النظام الرئاسي الذي يجعل بوش مسؤولاً قبل غيره أو بدون غيره. مما يدفع الأنا الى مواجهة الهفوات مرة أخرى. وتراكم هذه الهفوات يمكنه أن يدفع بالأنا الى تدمير ذاتها بذاتها (وصولاً الى التفكير بالإنتحار). وفي هذه الحالة نسأل هل لكابوس الإغتيال علاقة ما بفكرة الإنتحار اللاواعية؟. ففي هذه الحالة تصبح الأنا مهددة للجسد ( الأنا تهدد الجسد بالإنتحار) فيزيحها اللاوعي نحو الخارج. فيتحول تهديد الأنا الى تهديد خارجي. وفق سيناريو: أنا لا أريد قتل نفسي بسبب الخارج بل الخارج هو الذي يريد أن يقتلني. أم أن لهذا الكابوس علاقة برغبة بوش اللاواعية بالخلاص من بعض أعضاء فريقه وخصوصاً تشيني ورامسفيلد وجورج تينيت. وهل يكون هذا الكابوس مؤشراً على وصول رغبة الخلاص هذه الى مستوى ما قبل وعي بوش؟. فإذا كان الأمر كذلك فإنها ستتحول قريباً الى الوعي عند أول صدمة تهدد توازن الأنا لدى بوش. ومنها شعوره بالتهديد بعدم التجديد له مثلاً.

    نحن لا نملك ما يدعم وصول هشاشة أنا بوش لهذه الدرجة. ونعدم الوسائل المساعدة على متابعة نمو غريزة تدمير الذات لديه لغاية التفكير اللاواعي بالإنتحار. لكننا لو قرنا هذا الكابوس مع علائم فقدان الأعصاب المتبدية على بوش (عندما يحاول تفريغ عدوانيته بإزاحتها من الداخل - فريقه العاجز عن تخليصه من ورطاته - الى الخارج بصورة تهديدات لجيران العراق المحتل.) نستطيع أن نؤكد على معاناة بوش من إحباطات تفوق قدرته على الإحتمال. وهذا يقودنا لمناقشة وجه آخر لهذا الكابوس. وهو البحث عن إمكانية شعور بوش اللاواعي بوجود تهديد فعلي لحياته؟. مما يقتضي العودة الى مصادر التهديد المحتملة وهي:

1.   القاعدة والإرهاب الخارجي عموماً: وهو تهديد تدعمه شائعة تهريب صواريخ أرض جو لمصلحة القاعدة. وكذلك خبر القبض على انجليزي يحاول بيع مثل هذه الصواريخ من منشأ روسي.

2.      الإرهاب الأميركي الداخلي: وهو صاحب سابقة إنفجار اوكلاهوما ومعها سوابق إغتيال أو محاولة إغتيال أكثر من رئيس أميركي.

3.   الإغتيال على طريقة كينيدي: حيث قاد كل من بوش وكينيدي الولايات المتحدة الى الوضعية ذاتها وهي وضعية تضع البلاد في مأزق نووي ،وهو مأزق لا يتحمله الإقتصاد الأميركي، بما يضطر المسؤولين للخلاص من هذا المأزق. حتى بالخلاص من الرئيس نفسه. هكذا تم الخلاص من كينيدي ويتأخر الخلاص من بوش لأسباب عديدة منها أن والده رئيس سابق للمخابرات الأميركية.

       وغني عن القول أن السلطات الأميركية المسؤولة عن أمن الرئيس تتخذ خطوات خارقة لحماية الرئيس. لكن عجز شخصية بوش عن تحمل الإحباطات تجعله لا يطمئن بسهولة لهذه الإجراءات.

الخلاصة

    يمكن التأكيد على أننا أمام شخصية تابعة وعاجزة عن تحمل الإحباطات كما أنها عاجزة عن التحكم بردود فعلها والسيطرة على إنفعالاتها. وهي تعيش راهناً تحت حماية الأب والصقور الأثرياء وفريقهما. لكن هذه الحماية لم تعد كافية لإعطاء مشاعر الأمان لهذه الشخصية. فهي وإن ساهمت في التحكم بمصادر الخطر إلا أنها عجزت عن إلغائها. بما يجعلنا نرجح العودة الى الأم فائقة القوة والإستناد إليها للتخلص من الداعمين ناقصي الفعالية وفي مقدمتهم رامسفيلد الأسهل منالاً من بينهم. ومراجعة المحطات التي فقد فيها بوش أعصابه وسيطرته على إنفعالاته تبين أن هذه الشخصية تفقد توازنها إن هي تعرضت لتهديد يعجز رعاتها عن رده. وهي تقود نفسها الى الفضيحة وجلب العار بميلها الفطري لإعتماد الأساليب الملتوية للوصول الى أهدافها. مما يجعلها دائماً تحت رحمة التهديد بتفجر هذه الفضائح وتفجيرها. وهذه النقطة تحديداً ستكون منطلق الحزب الديمقراطي في الإنتخابات الأميركية القادمة. لكن هذا الميل للسلوك الملتوي يستتبع الهروب الى الأمام والمقامرة على الوقت. فإذا ما طبقنا هذا الهروب على الوضع الحالي لبوش لوجدنا أن شعوره اللاواعي بتهديد حياته يمكنه أن يتبدى بمحاولات متطرفة لإستعادة زمام المبادرة عبر العودة الى البيت الأبيض. وهي عودة تعادل الإطمئنان الى إستمرارية القدرة على الفعل وتجنب مشاعر الإحباط التي تفجر المخاوف اللاواعية. بما يطرح السؤال عن السبل المتاحة لهذا الهروب. حيث الحرب الإستباقية تحولت الى ورطة استراتيجية والى مسلسل غير قابل للإنتهاء في الوقت المناسب. فهل يتحول بوش الى تسعير العمليات المخابراتية السوداء؟. أم تراه يلجأ لتوريط الأصدقاء القلائل المتبقين من بعده لأميركا؟.

 

أغانٍ ومعانٍ أضاعتها حرب العراق..! 

توماس فريدمان :

             وقفت على جوانب الطرقات في لندن في اليوم التالي وشاهدت الآلاف من معارضي الحرب ومعارضي بلير ومعارضي بوش وهم يمرون من أمامي وهم يتغنون بكل ما يمكن أن يخطر على الخيال وما قد لا يخطر من شعارات تندد بالحرب، وبدا الأمر مسليا أو قل ممتعا، ولكنه وفي المقابل محبط، لأن كل ما قيل أو تم التغني به هتافا لم يكن على صلة بالأخبار الأخرى التي حملها نفس اليوم.

لأنه، وقبل ساعات قليلة من ذلك الهتاف والتغني كان ارهابيون قد نسفوا في اسطنبول بنكا مملوكا لبريطانيا والقنصلية البريطانية قاتلين وجارحين مدنيين اتراكا وبريطانيين. ومع ذلك لم أجد في لندن إشارة أو لافتة واحدة تقرأ: «أسامة.. كم من الأبرياء قتلت اليوم..» أو «أيها البعثيون كفوا أيديكم عن الأمم المتحدة والصليب الأحمر في العراق» شيء من هذا القبيل.. أو أي شيء يعترف بأن المخاطر على السلام العالمي اليوم لم تأت فقط من البيت الأبيض وداوننغ ستريت.
عفوا، لأن هناك وفي المقابل أمراً لا يخلو من بلادة في الحس باستدعاء اقامة مظاهرة مناوئة للحرب في يوم أغتيل فيه مواطنوك ولكنك لا تكلف نفسك عناء الاشارة لذلك أو للذين خانوك.
مع مشاهدتي لهذا المشهد لم أستطع غير أن استغرب تجاه ما إذا كان جورج دبليو بوش قد جعل اليسار الليبرالي مجنونا، لأن ذلك اليسار لم يستطع أي شيء في العالم اليوم غير خطيئة بوش وبلير في شن حرب على العراق من دون تصديق من الأمم المتحدة أو برهان على امتلاك العراق لاسلحة دمار شامل.
وأرجو أن تصدقوني، فأنا ولكوني لبرالياً مع أو في كل شيء عدا هذه الحرب، وعلى تعاطف ضخم مع من أين أتى اليسار، وحتى وحين اتناسى ذلك فزوجتي تقوم بمهام تذكيري.
وأقول هنا أن من الأكثر سهولة على اليسار أن يشارك في اعتبار قليل لما بعد الحرب اذا ما رأى مقدار أوقية واحدة من انعكاساتها أو منظومة الندم والنقد الذاتي الآتي من المحافظين، مثل ديك تشيني ورامسفيلد اللذين قادا هذه الحرب، ومع ذلك ظلا أخرقين مع مآزقها وسيئي الأحكام مع تعقيدات عراق ما بعد الحرب. بل وما هو أكثر من ذلك، هناك فريق بوش المتحزب، والآيديولوجي، والادارة المستعصية العلاج والتي يريد ليبراليون كثر أن يسجلوا موعد انصرافها عن العمل، وهذا هو كل ما تعنيه ظاهرة هوارد دين. ولكن، هنا وفي المقابل نأتي الى لماذا يكون على اليسار أن يذهب الى ما بعد معارضته للحرب ليبدأ في طرح أفكاره الخاصة ودعمه المعنوي في محاولة منه اضفاء بعض الليمون على الليمونادة في بغداد وهناك من الأسباب ما يدعو لذلك؟
أولا: ومع أن فريق بوش قد توصل الى مثل هذا الطرح ولكن في نهاية المطاف، الا أن هذه الحرب ستبقى أكبر مشروع أميركي وليبرالي وثوري لبناء الديمقراطية منذ خطة مارشال، ذلك لأن التركيز الأساسي للقوات الاميركية في العراق اليوم هو تنصيب أو اخراج حكومة تمثل العراق على أرضية من النزاهة والشرعية والتسامح والتعددية. ولا أعرف ما اذا كنا سننجح في المهمة في ظل وقوعنا في بداية سيئة ولم تكن ضرورية، ومع ذلك فما يحدث هو في عداد أشرف الأمور التي خاض غمار محاولتها العراق ولذلك فهو التزام أخلاقي واستراتيجي يستدعي أن نعطي هذا البلد أفضل طلقاتنا.
ولذلك، وما لم نبدأ عملية الشراكة والمشاركة الطويلة مع العالم العربي بحثا عن نقطة البداية السوية، فإن هذه المنطقة المشبعة بالاحباط ستظل تتقيأ مخاطر على السلم العالمي الى الأبد. ومن هنا ستكون الأشهر الستة القادمة، التي ستحدد آفاق بناء الديمقراطية في العراق، هي الستة أشهر الأكثر أهمية في سجل سياسة أميركا الخارجية لمدى زمني طويل. وبالتالي فهي أهم كثيرا من أن تترك لفريق بوش بمفرده.
ومن هنا، ومع العراق هناك الكثير من الأعباء على اليسار فوق مجرد المناضلة لبوش، ولكن أكبر الديمقراطيين الأفضل تفهما لهذا، والاشارة للسيناتور جو بيدن، لن يخوض معركة الرئاسة، وهو يتفهم أن المعارضة الليبرالية لفريق بوش وجب لها أن تأتي من اليمين، ليطالب بأن نرسل قوات أكثر للعراق وناشطين أكثر التزاما من بين بناة الديمقراطية من أجل أداء المهمة على وجه أفضل مما قام به فريق بوش.
ثانيا: نحن نشهد من بالي الى اسطنبول شكلا من الارهاب العدمي والسام والقاسي والباحث عن قتل أي مدافع عن التحديث والتعددية مسلمين كانوا أو مسيحيين أو يهودا. وقد بدأ هذا الإرهاب حتى من قبل 11 سبتمبر، ويتنامى في الأركان الأكثر ظلاما داخل العالم الإسلامي، وهو المهدد الأكثر خطورة للمجتمعات المنفتحة، المتفتحة، ولذلك فمع أي 11 سبتمبر أخرى سنشهد تآكلا لحرياتنا المدنية، وبالتأكيد فالعرب والمسلمون وحدهم يستطيعون استئصال هذا الخطر، ولكنهم سيقومون بذلك فقط حين يمتلكون زمام حياتهم الخاصة ومجتمعاتهم، ومن هنا فتنشئة وتغذية ذلك هو هدفنا الحقيقي في العراق.
ويقول روبرت رايت مؤلف كتاب «اللاصفر»
NONZERO: على العموم، يعرف قليلون جدا ممن عارضوا الحرب خطورة مشكلة الارهاب فيما تفهم قلة أخرى ممن ساندوها دقة هذه المشكلة.
وأخيرا ومن أجل أموالي فالمنهج الليبرالي الصحيح تجاه العراق يقضي بالقول: بوسعنا أن نؤدي المهمة بصورة أفضل. ومن هنا كان الأمر الذي كنت أكثر تعطشا لرؤيته في لندن هو: شكرا مستر بوش.. سنمضي بالمهمة من هنا.