|
العالم
في مواجهة الإرهاب النووي
لأستاذ محمد بن سعيد الفطيسي
صحافي وباحث عماني
azzammohd@hotmail.com
يشعر الجميع بالخوف مما يحيط بعالمنا من مخاطر شديدة الفتك
بالكائنات الحية, بداية من الإنسان الذي بات القتل والتدمير والفوضى والإرهاب
بمختلف أنواعه وأشكاله وألوانه يحيط به من كل جانب, وكأنه وباء يلف الأرض
والإنسان بخناق يعجز عن التحرر منه, مما أصابه بشتى أنواع الأمراض النفسية
والبدنية العضال والتي لم يستطع العلم الحديث بكل قدراته عن علاجها, مرورا
بالبيئة من نبات وحيوان وكائنات دقيقة, وانتهاء بكل ما يمكن أن نطلق عليه حضارة
بني البشر, كل ذلك وأكثر صنعه الإنسان بيديه ولازال يسير بكل طاقته نحو مصير
مجهول لا يعلم منتهاه سوى الله عز وجل, ونحن من هنا لنؤكد خطورة الوضع القائم
حاليا بسبب ذلك الرعب المسمى بالإرهاب النووي أو رعب (الأسلحة النووية)
والبيولوجية والكيميائية, تلك الأسلحة المحرمة والتي صنعها إنسان الحضارة
والمدنية لتكون الأداة التي تقتله وتبيده من على وجه الأرض.
وليس هذا الحديث من باب التهويل أو التحوير أو التخويف بل هو ناقوس خطر لابد من
أن ندقه ليعلم الجميع ما هم مقدمون عليه, وخصوصا الدول النووية الكبرى التي ما
فتئت تسير بهذا العالم نحو المجهول بتلك الترسانة الهائلة من أسلحة الدمار
الشامل, وخصوصا إذا ما علمنا بأنه ومنذ إطلاق الولايات المتحدة الاميركية لأول
قنابلها النووية على المدن اليابانية في عام 1945 وحتى عامنا هذا تم تجربة
واختبار ما يقارب 2000 رأس نووي بشكل علني, أكان ذلك تحت الأرض أو في أعماق
البحار وهي فقط من قبيل الاختبار وللدول النووية الكبرى (أميركا والاتحاد
السوفيتي ـ روسيا حاليا ـ وفرنسا وبريطانيا والصين وباكستان والهند وإسرائيل),
وهذا بخلاف التجارب النووية الأخرى والتي تقوم بها العديد من الدول الساعية
للحصول على هذا النوع من الأسلحة في الخفاء, فكيف بالأعداد الهائلة من الأسلحة
المماثلة والتي لا تقل خطورة عن هذه الأسلحة وقد استخدمت في العديد من الحروب
الحديثة كحرب الخليج والحرب على أفغانستان وغيرها والتي تم استخدام فيها ما
أطلق عليه (بالقنابل الانشطارية المخففة أو الصغيرة) وتعتبر كرؤوس نووية مصغرة
الحجم.
ورغم انه قد بات من المؤكد بان جل الدول الكبرى وخصوصا النووية منها على دراية
بأخطار الترسانة النووية العالمية, وما يمكن أن تسببه تلك الأسلحة من تهديد
خطير ودمار مؤكد للجنس البشري والكائنات الحية الأخرى, فانه من المستغرب في
الأمر بان تلك الدول لم تبدأ الحديث (الساخن) والجدي كما هي عليه هذه الأيام عن
أخطار وعواقب تلك الترسانة من الأسلحة المحرمة سوى بعد توجه وسعي بعض الدول
(النامية) إلى امتلاك تلك الأسلحة كباكستان والهند وكوريا الشمالية وإيران على
سبيل المثال, وخوفها من سعي بعض الدول الأخرى في مختلف أرجاء الأرض وخصوصا
الدول ذات التوجهات الإيديولوجية المناهضة للسياسات الاميركية في العالم من أن
تخطو خطوات الدول السابقة, وقد كان لأحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001
على وجه الخصوص الدور الأكبر في إثارة وتنبيه تلك الدول وعلى رأسها الولايات
المتحدة الاميركية إلى أخطارها, وما يمكن أن تسببه للعالم بشكل عام ولها بشكل
خاص في حال امتلكت تلك التقنية بعض الجماعات الإرهابية الدولية.
فرغم أن الحديث عن هذه الأسلحة المحرمة وخصوصا النووية منها هو حديث قديم متجدد
بدأته الولايات المتحدة الاميركية في عام 1942 مع إطلاقها لبرنامجها النووي
العسكري (السري) وتلته بإسقاط القنبلة الذرية على مدينة هيروشيما في 6 أغسطس
1945 وقنبلة ذرية أخرى على مدينة ناغازاكي بعد 3 أيام أي في 9 أغسطس 1945,
ولكنها لم تستطع إنهاء ذلك الحديث بعد ذلك التاريخ, وكانت في ذلك الوقت قد
(حظرت نشر أي معلومات تتعلق بالطاقة الذرية وذلك خوفاً من أن تكون ألمانيا
النازية هي السباقة إلى امتلاك القنبلة الذرية, وقد استمر فرض هذا القيد بعد
عام 1945 من أجل تأخير أعمال السوفييت, وفي عام 1954 وبعد أن أجرى الاتحاد
السوفيتي أول تجربة له على سلاحه النووي تم التخلي عن هذا السر لصالح السياسة
المعروفة بسياسة (الذرة من أجل السلام)، فبات بإمكان الدول الراغبة في تطوير
أعمالها في مجال الذرة الحصول على مساعدة الولايات المتحدة شرط أن تتعهد
استخدامه لأهداف سلمية فقط مع ترك الحرية لها في تطوير برنامجها العسكري إن
استطاعت تحقيقه بنفسها.
ومنذ ذلك التاريخ والعالم بأسره يسير حثيثا وراء امتلاك هذه الأسلحة الفتاكة,
وها نحن اليوم نقبع على ترسانة من تلك الأسلحة كافية لتدمير وتفتيت الأرض
بأكملها إلى قطع صغيرة جدا ولعدة مرات, حيث بات من المؤكد أن عدد الرؤوس
النووية الصالحة للتفجير والتي اعترفت الدول النووية الرسمية الكبرى (فقط)
بامتلاكها حسب آخر إحصائيات متوفرة من مراكز الدراسات المتخصصة في هذا الشأن ما
يزيد على مائة ألف رأس نووي, فكيف بعدد الرؤوس النووية (الخفية) والتي يمتلكها
عدد من الدول التي لا زالت إلى يومنا هذا لا تعترف بامتلاكها رغم يقين العالم
بذلك كإسرائيل على سبيل المثال والتي (تقدر الوكالات الحكومية الأميركية ومصادر
موثوقة أخرى أن إسرائيل تمتلك الآن ما بين 100 و200 قنبلة نووية، كل منها أقوى
أضعافاً من تلك التي ألقيت على هيروشيما وناغازاكي، مما يجعل إسرائيل القوة
النووية الخامسة في العالم, وتتضمن ترسانتها النووية قنابل يمكن إلقاؤها من
الجو، وألغاماً أرضية، ورؤوساً حربية يمكن إيصالها إلى أهدافها باستخدام صواريخ
بالستية مثل صواريخ أريحا التي يعتقد أن مداها يصل إلى حوالي 1500 كيلومتر,
وتشير بعض التقديرات الغربية إلى أن إسرائيل تمتلك من البلوتونيوم ما يكفي
لإنتاج 100 قنبلة نووية أخرى)؟!, وهذا الرقم ليدق ناقوس الخطر والرعب على
البشرية بأسرها حيث باتت هذه الأسلحة الخطر المحدق الذي يهدد بني الإنسان
والكائنات الحية الأخرى بالفناء والانقراض.
ولكن ورغم كل تلك المعرفة بأخطار هذه الأسلحة المحرمة من قبل المجتمع الدولي
والدول النووية الكبرى بشكل خاص, إلا أن الرقابة الدولية الصارمة والقوانين
المعمول بها في هذا الجانب (ضعيفة) جدا من الناحية العملية رغم صرامتها
(النظرية), بحيث يكمن ضعف تلك القوانين في ضعف مشروعيتها القانونية, ومدى جدية
تطبيقها على جميع الدول دون استثناء, حيث ان ما حدث هو أن تلك القوانين قد باتت
تطبق على البعض دون البعض الآخر, كما شاهدنا ذلك سابقا مع الجمهورية العراقية
التي اتهمتها الولايات المتحدة الاميركية بامتلاك السلاح النووي وقامت بإسقاط
نظامها وحولتها إلى ساحة فوضى ودمار تحت هذه الذريعة, التي ثبت بعد ذلك (عدم
مصداقيتها) وكما نشاهدها من جديد هذه الأيام مع الجمهورية الإيرانية دون
إسرائيل التي (تمتلك) من الأسلحة ما قد بيناه سابقا.
كما انه وفي ظل هذه الظروف الحالية فقد (تضاءلت إلى حد كبير سياسة حظر نشر
الأسلحة النووية منذ مؤتمر البحث في المعاهدة في شهر يونيو من العام 1995 في
وقت بدا فيه أن الهدف المطلوب قد تحقق إلى حدٍ ما, وقد كانت ضرورة وقف نشـر
الأسلحة موضـع هجوم في الولايات المتحدة من جانب المحافظين الجدد الذين رفضوا
أن يخضع بلدهم لبعض الالتزامات الدولية أياً كان نوعها، ثم من جانب آخرين رأوا
أن حظر نشر الأسلحة يعود إلى منطق الحرب الباردة ولم يعد هناك من داعٍ لوجوده
بعد أن انتهت تلك الحرب, ويرى هؤلاء أن الرد على مخاطر نشر الأسلحة النووية
يكمن في إنشاء أنظمة الدفاع المضادة للصواريخ التي يفترض أنه على جميع الدول أن
تشتريها من الولايات المتحدة الاميركية, كما أن معاهدة حظر نشر الأسلحة النووية
كانت هي بدورها موضوع انتقادات أكثر حدة, فمنذ زمن بعيد ارتفعت بعض الأصوات ضد
نظام يسمح لخمس دول بامتلاك الأسلحة الأكثر قوة ويحظر على الآخرين امتلاكها,
وهذا الإجحاف في التعامل وبعد أن اعتبر غالباً أمراً حتمياً خلال الحرب الباردة
لم يعد محتملاً كثيراً منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.
أما الأمر الآخر والأكثر رعب في هذا الشأن والذي ـ من وجهة نظري الشخصية ـ أرى
انه لابد أن يأخذ الحيز الأكبر من الاهتمام الدولي وخصوصا بعد أن خرج أمر
التبضع بتلك الأسلحة من نطاق القدرة الدولية على السيطرة عليها بين الدول
والحكومات, هو الخوف من أن تصبح تجارة هذا النوع من الأسلحة أمرا عاديا بين
العصابات الدولية والإرهابيين, كما حدث يوم الثلاثاء 12 أغسطس 2003 حينما نشرت
وسائل الإعلام الدولية خبر (إلقاء القبض على تاجر سلاح بريطاني) وتبين بعد ذلك
انه هندي الأصل حيث نجح في شراء صاروخ (ايغلا) الروسي، وبيعه إلى عميل لجهاز
(أف. بي. آي)، ظناً منه أنه من الإسلاميين المتشددين، كما نجح في شحنه إلى
الولايات المتحدة, وقد وُعِد تاجر السلاح بـ55 صاروخا آخر، كلفة الواحد 85 ألف
دولار), وما خفي أعظم.
كما أن المخيف الآخر هو أن تتحول (التجارة النووية) إلى نوع من أنواع التجارة
العادية والتي تأخذ الطابع الرسمي والمعترف به بين الدول (السوبر ماركت النووي
العالمي), فنحن اليوم نسمع الكثير من الأحاديث وجهرا نهارا حول رغبة العديد
منها وهي تنادي برغبتها في بيع هذه التكنولوجيا لمن (يدفع أكثر) لشرائها بغض
النظر عن جنس المشتري أو مدى قدرته على السيطرة والتحكم بتلك الأسلحة, أو حتى
مشروعية وقانونية تلك التجارة, وبمعنى آخر استعداد تلك الدول لبيع تلك
التكنولوجيا للإرهابيين والمجرمين والمنظمات المنشقة والمعارضة للحكومات, مما
يعطيها القدرة على التهديد والتدمير دون مراعاة أخلاقية ولا قانونية أو إنسانية
لذلك العمل الإجرامي ـ أي ـ أن العالم والبشرية قد يصبح في يوم من الأيام تحت
رحمة بعض العصابات الإرهابية القادرة على شراء تلك الأسلحة المحرمة قانونيا
وإنسانيا وأخلاقيا.
لقد بات العالم مطالبا بضرورة الإسراع لإيجاد حلول عملية وعادلة تجاه هذه
الكارثة الخطيرة المتمثلة في انتشار هذه الأسلحة الفتاكة والمرعبة, مع ضرورة
الإسراع في سن القوانين الصارمة تجاه المساعي الرامية والمتزايدة لامتلاك هذه
الأسلحة الفتاكة, والتي كما قلنا سابقا قد تكون في يوم من الأيام سببا في
القضاء وانقراض الجنس البشري والكائنات الحية من على الأرض, ولن تكون تلك
الحلول منطقية وقانونية إلا من خلال المنظمات الرسمية والقانونية ذات الشأن
كمنظمة الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية ومنظمة الطاقة الذرية وذلك
بالانصياع لقراراتها وقوانينها وعلى الجميع دون استثناء, وانه قد أصبح لزاما
على الجميع التعاون من اجل القضاء على هذا الرعب النووي بداية من الدول الكبرى
والتي تمثل السبب الرئيسي والأول في هذه الكارثة ومن ثم الدول الصغرى والساعية
إلى امتلاك تلك الترسانة ومن خلال تلك المنظمات سابقة الذكر, والتنبه إلى خطورة
وظلامية الطريق الذي يسيرون إليه قبل فوات الأوان.
|
|
الفوضى القادمة في السياسات العسكرية
لأستاذ محمد بن سعيد الفطيسي
صحافي وباحث عماني
azzammohd@hotmail.com
تدرك الولايات المتحدة الاميركية تمام الإدراك جل ما يحدث على الساحة الدولية
من متغيرات على الصعيدين الجيواستراتيجي والجيوبوليتيكي, وخصوصا تلك التي قد
تؤثر في مساعيها الراهنة لترسيخ هيمنتها على العالم, والمستقبلية الهادفة
للبقاء على قمة الهرم القيادي خلال السنوات المقبلة, وبالطبع فإن تلك الرؤية
المستقبلية لما قد يترتب على تلك المتغيرات من تحولات في بناء ميزان القوى,
والتوازن الاستراتيجي العالمي, وخصوصا في ظل تسارع الأحداث الدولية, والتحولات
الجيواستراتيجية والجيوبوليتيكية على الخارطة العالمية, كانتشار الفوضى
والإرهاب , وسعي بعض الدول الى امتلاك الأسلحة النووية, وزيادة العنف, وتوسع
طرق الرد والرد المضاد للدول والجماعات والأفراد, وصعوبة استنفار رد منسق على
أي عدوان محتمل موجه الى الولايات المتحدة الاميركية أو أي من حلفائها, وما
ترتب على ذلك من تضخم بيئة الفلتان الأمني والعسكري والسياسي, والذي أدى بدوره
الى الحد من اتساع الفلك الاميركي خلال السنوات الأخيرة, دفع هذه الإمبراطورية
الى البحث عن خيارات جديدة ومناسبة لاحتواء تلك البيئة الشرسة والمارقة من وجهة
نظرها.
هذا من جهة, أما من جهة أخرى فتعلم الولايات المتحدة الاميركية بأن هناك العديد
من الحلفاء" الأصدقاء الأعداء", الذين ينتظرون الفرصة السانحة للانقضاض عليها,
وذلك بهدف الحد من هيمنتها وتوسعها الامبريالي في العالم, والذي اثر كثيرا
بأهدافهم وطموحاتهم التي لا تختلف كثيرا عن أهدافها, من حيث الرغبة في التوسع
ونيل النصيب الأكبر من ثروات العالم, وخصوصا في ظل سرعة تقلب الصداقات
والعداوات الدولية في عالم السياسة, وعليه فإنه بات من الضروري اتخاذ
الاحتياطات اللازمة للتصدي لأي خروج عن ذلك الفلك الاميركي, الذي قد يؤثر كثيرا
في برامجها المعلنة والسرية لتغيير الخارطة الدولية, أو التعدي على مناطق
نفوذها المنتشرة في كل أنحاء الأرض, وعلى وجه التحديد في المناطق ذات الحساسية
الجيواستراتيجية أو الجيوبوليتيكة, كونها ذات قابلية لقلب موازين القوة في أي
لحظة.
وبالطبع فإن دروس الماضي, وما يحدث في الوقت الراهن, ومخاوف تغير المكانة
المستقبلية للإمبراطورية الاميركية, كانت دائما حاضرة في كل وقت وحين في أذهان
القيادات الاميركية المتوالية, والتي لم تخف قلقها وتخوفها مما قد ينشأ من
تحديات ومتغيرات وتحولات عالمية لا بد من تداركها, وبأسرع وقت ممكن, ومن ابرز
المخاوف الاميركية الحاضرة دائما, حدوث ما سنطلق عليه بـ الانقلاب العالمي في
موازين القوة العسكرية خلال القرن الحادي والعشرين, ولا نقصد هنا أن يحدث ذلك
التغير على مستوى الدول الكبرى فقط, بل من خلال بروز تلك التهديدات من قبل بعض
الدول أو الأفراد أو المنظمات الإرهابية, أو الجماعات الحانقة على السياسات
الاميركية, وتأكيدا لهذه المخاوف فقد تحدث الرئيس الاميركي جورج بوش في يونيو
من العام 2002م, أمام خريجي الأكاديمية العسكرية الاميركية قائلا:" على امتداد
جزء كبير من القرن الماضي ـ أي القرن العشرين ـ ظل دفاع أميركا معتمدا على
عقيدتي الحرب الباردة المتمثلتين بالردع والاحتواء, وهاتان الاستراتيجيتان ما
زالتا مطبقتين في بعض الحالات, غير أن هناك تهديدات جديدة تتطلب تفكيرا جديدا,
إن الردع ـ الوعد بفرض عقاب انتقامي كبير على دول معينة ـ لا يعني شيئا ضد
الشبكات الإرهابية الهلامية, التي لا تملك دولا تدافع عنها أو مواطنين تدافع
عنهم, أما الاحتواء فليس ممكنا حين يكون حكام مستبدون معتوهون يملكون أسلحة
تدمير شامل قادرين على إيصال تلك الأسلحة بالصواريخ أو تزويد حلفائهم
الإرهابيين بهذا السر.
مما دفعها لتبني عددا من الخيارات العسكرية التكتيكية والاستراتيجية على وجه
الخصوص, وذلك من خلال استغلال الثورة في الشؤون العسكرية التي من شأنها تعزيز
تلك المكانة في العالم ـ من وجهة نظرها, وتثبيت جذور هيمنتها الموغلة في
الأعماق البعيدة, ومن أهم تلك الخيارات التي وجدت فيها الولايات المتحدة
الاميركية وسيلة مناسبة لحفظ مكانتها تلك, هو التغيير العسكري الجذري
الاستراتيجي في قدراتها العسكرية, وذلك بتطوير أسلحتها التقليدية وغير
التقليدية, وبناء عدد من المنظومات الدفاعية والهجومية ونشرها في مختلف أنحاء
العالم, وإعداد قوات مسلحة أميركية مجهزة بأجهزة عالية الدقة والتطور, ومدعومة
بكل ما من شأنه إدخال العالم الى شبكتها الاستخباراتية, المكونة من عشرات
الأقمار الصناعية وأجهزة الحواسيب العملاقة, وملايين الأجهزة المعلوماتية
الدقيقة, وغيرها من الآلات التي باتت قادرة على حساب أدق التفاصيل في حركة
الإنسان وحياته الشخصية, كما أشار إلى ذلك الرئيس الأميركي جورج بوش في قوله:(
يبقى الدفاع عن الوطن والدفاع الصاروخي جزءا من أمن أقوى, وهما من الأولويات
الأساسية عند أميركا, ... سيتطلب أمننا تغيير الجيش الذي ستتولون قيادته, وهو
جيش يجب أن يكون مستعدا للضرب بعد لحظة من تلقي الأمر في أي زاوية مظلمة من
العالم) ـ راجع وثيقة الإدارة الاميركية الخاصة بإستراتيجية الأمن القومي
للولايات المتحدة, البيت الأبيض للعام 2002.
حيث أدت (القدرات الجديدة بالفعل الى السماح - بتوجيه - العمل العسكري بدقة
لخدمة الأغراض السياسية, وإذا صارت الأسلحة العسكرية الاميركية قابلة للإطلاق
من منصات أو قواعد بعيدة وللتوجيه الدقيق إلى أهدافها, وصار الاعتماد على
الحلفاء اقل قي مجال إدارة العمليات العسكرية الاميركية, وإذا أصبح كبار قادة
الحكم مقتنعين بأن ثورة في الشؤون العسكرية قد حدثت, فإن ذلك سيزيد من نزوعهم
الى التهديد باستخدام القوة كأداة للدبلوماسية - كما يحدث هذه الأيام مع
الجمهورية الإسلامية الإيرانية - وإذا لم ينجح التهديد نفسه وأصبح التنفيذ
واجبا, فمن المحتمل لمدى الاشتباك العسكري اللاحق أن يبدو قابلا تماما للتحكم
بنظر القائد الأعلى ومستشاريه, وبهذه الطريقة, نرى أن انتشار تحديات نظام حكم
الكثرة إلى الحشد الموسع من المصالح الأمنية للولايات المتحدة الاميركية,
يتقاطع مع الابتكارات في التكنولوجيا العسكرية, وصولا إلى نشوء قدر اكبر من
القبول في الأواسط السياسية الاميركية لفكرة استخدام القوة كأداة من أدوات
السياسة الخارجية الاميركية).
ومن هذا المنطلق على وجه التحديد, - أي - منطلق السيطرة المبكرة على أي خطر
محتمل, وموجه إلى المصالح القومية والاستراتيجية الاميركية المنتشرة في كل
أنحاء العالم, هذا بالإضافة إلى أبرز أهدافها الواضحة وشبه المعلنة ومنذ فترة
زمنية طويلة, وهي احتواء القوى الكبرى أو المؤهلة لمنافستها على مكانتها
الدولية خلال السنوات القادمة من القرن الحادي والعشرين, وخصوصا في الجانب
العسكري, والذي أشرنا إليه بأنه سيكون قرنا متعدد الأقطاب, في ظل إحساسها
بالتراجع الجيوبوليتيكي على وجه الخصوص, وزيادة كراهيتها من قبل شعوب الأرض,
وعلمها بإمكانية خروج لاعبين أقوياء خلال السنوات القادمة, كالصين
وروسيا,اللتين أصبحتا تؤرقان كبار القادة الاميركيين السياسيين والعسكريين, وان
صرحوا بخلاف ذلك, وبالطبع فإن هذه المخاوف ليست بجديدة, فالصين على سبيل المثال
ليست بحاجة إلى تعريف بجبروتها الاقتصادي وإن كانت في طور إعادة بناء وتسريع
هيكلها العسكري, الشاسع الفرق بينها وبين الإمبراطورية الاميركية إلى الآن,
وروسيا القادمة بقوة في ظل ارتفاع أسعار النفط, حيث إننا نستطيع أن نشبه هذه
القوة بالطائر الكاسر الذي باتت الظروف العالمية أكثر ملائمة لإعادة الريش إلى
جناحيه الضعيفين.
وهو ما نتصور أن الولايات المتحدة الاميركية تسعى لتحقيقه من وراء نشرها لدرعها
الصاروخي في أوروبا, ويقصد بهذه المنظومة تكوين مظلة دفاع من الصواريخ
البالستية لأميركا وحلفائها يستهدف من وراءها رصد وتدمير الصواريخ المعادية,
والقادمة من أي مكان من العالم, فالعنصر الأرضي من هذه المنظومة يستهدف
الصواريخ الطويلة المدى في منتصف رحلتها, والجزء البحري وغيره يستهدف الأقصر
مدى أثناء صعودها أو هبوطها, كما تشمل هذه المنظومة عناصر رصد بالأشعة تحت
الحمراء, وتعقب برادارات خاصة وحساسة جدا, ومركز إدارة وتحكم بمثابة عقل
المنظومة بأكملها, فضلا عن صواريخ اعتراضية كما هو الحال في بولندا على سبيل
المثال.
وقد أثر هذا التغيير في استراتيجيات الرد والرد المضاد للولايات المتحدة
الاميركية على علاقاتها مع بعض حلفائها, كروسيا التي ترى في هذه المنظومة
تهديدا مباشرا لأمنها القومي وسيادتها الإقليمية, ومصالحها الإستراتيجية, حيث
اتخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين موقفا صلبا ضد الخطط الأميركية لنشر الدرع
الصاروخي في القارة الأوروبية, وحذر الولايات المتحدة الاميركية من مغبة السير
قدما في خططتها لإقامة هذا المشروع قائلا: إن هذا المشروع يمكن أن يؤدي إلى "التدمير
المتبادل", وجاء حديث الرئيس بوتين بعد يوم من تهديده بالانسحاب من معاهدة حظر
سباق التسلح التقليدي في أوروبا, ويذكر أن اتفاقية الحد من الأسلحة التقليدية
قد تم تبنيها عام 1999 في أعقاب انهيار حلف وارسو ولكن دول حلف شمال الأطلسي
الناتو لم تصدق عليها بعد, وربطت هذه الخطوة بانسحاب القوات الروسية من مولدوفا
وجورجيا, وصرح بوتين بأن "هذا المشروع ليس درعا صاروخيا فقط, بل هو جزء من
التسلح النووي الأميركي, ويرجع أحد أسباب هذا الرفض إلى أن الخطة الأميركية
أثارت حفيظة روسيا التي تعتقد أن مشروع المظلة الدفاعية الصاروخية سوف يخل
بتوازن القوة إقليميا, وهو ما أشار إليه كذلك وزير الخارجية الروسي سيرغي
لافروف خلال اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة الثماني في بوتسدام في ألمانيا
بتاريخ 30 / 5 / 2007 م , من خلال قوله إن أميركا بنشرها لهذا الدرع الصاروخي
ستعيد إطلاق سباق تسلح النووي جديد في العالم.
وبالفعل فقد أدى هذا التوجه الاستراتيجي الاميركي إلى ما يشبه سباق تسلح عالمي
, وحرب باردة تشتعل تحت الكواليس, وإن لم تعلن رسميا, بل وأشعلت أميركا من خلال
هذا التوجه الجديد في سياسات الردع والاحتواء, نيران الفوضى العسكرية المشتعلة
أصلا في كل أنحاء العالم, فواحدة من ردود الأفعال على نشر هذه المنظومة
الدفاعية في أوروبا, كان الرد الروسي السريع بإطلاق صاروخ بالستي قادر على حمل
عدة رؤوس نووية, والذي برره الرئيس الروسي بكون هذه التجربة النموذجية ردة فعل
على الأعمال "الأحادية الجانب" لبعض الدول مضيفاً إنه "لا ينبغي الخوف من
تحركات روسيا هذه, فهي ليست تحركات عدوانية, إنها فقط رد على الأعمال الأحادية
الجانب التي لا أساس لها, والتي يقوم بها شركاؤنا" , كما أنه بات من المؤكد بأن
المستقبل سيحمل معه عددا من الدلائل والمؤشرات على حتمية عودة الحرب الباردة
بشكل معلن, وخصوصا في حال استمرت الولايات المتحدة الاميركية في السير على
نهجها العسكري الأحادي السابق, كما يمكن أن يدخل في ذلك السباق عدد آخر من
المتنافسين كبريطانيا وفرنسا, والصين التي استطاعت في الآونة الأخيرة أن تبرز
كمؤهل عسكري حقيقي قادم لمنافسة القوى العسكرية الأخرى من خلال إطلاقها لصاروخ
مضاد للأقمار الصناعية, أو تطويرها لأول مقاتلة صينية الصنع من الجيل الثالث
على سبيل المثال, وهكذا سيتحول العالم إلى برميل أسلحة مضغوط يتوقع له الانفجار
في أي لحظة.
|