|
مقابلة عام على احتلال العراق الدكتور محمد أحمد النابلسي ،طبيب نفسي وباحث في المستقبليات، قدم قراءات مستقبلية عديدة للمكتبة العربية. ولعل أهمها ثلاثيته المعروفة: النفس المقهورة ( العربية )والنفس المغلولة ( الإسرائيلية ) والنفس المفككة ( الأميركية). لذلك أردنا رأيه في مستقبل المنطقة الذي لايزال غائماً حتى بعد مضي عام على احتلال العراق. وتوجهنا للدكتور النابلسي بالأسئلة التالية: 1 – : كيف تقيم الوضع بعد عام على احتلال العراق وسقوط بغداد ( سياسيا – اقتصاديا – اجتماعيا ) ؟. في التحليل السياسي هنالك مسافات خفية هي أشبه بما يعرف بالزوايا الميتة. ولعل أبرز اللمسافات الخفية في احتلال العراق هي تلك المسافة الفاصلة بين القدرة الأميركية على احتلال العراق وربما تدمبره وبين قطف ثمار هذا الإحتلال على الصعيدين السياسي والإقتصادي. فقد عجزت الولايات المتحدة عن تثمير إحتلالها للعراق لغاية الآن. بل أن هذا التثمير يبدو مستبعداً بصورة متنامية مع قدرة المقاومة العراقية على الإستمرار. فهذه الإستمرارية تعكس ضخامة حجم المسافات الخفية العراقية وامكانية تحولها الى ثقب أسود بالنسبة للأميركيين. خاصة وأن هدف إستغلال النفط العراقي وتوظيفه بديلاً للنفط السعودي بات هدفاً مستحيلاً بسب تورط اميركا في تناقضات النسيج العراقي. فإذا كانت المقاومة تضرب اليوم أنابيب النفط فإن الأكراد سيضربونها غداً إذا ما تراجع الأميركيون عن وعد الدولة الكردية وقس عليه. ويكفينا هنا التذكير أن عمليات ضرب انابيب النفط كانت تجري أثناء حكم صدام بما يؤكد عجز الأميركيين التام عن قمع هذه العمليات. 2 – : كيف ترى انعكاس الانتخابات الامريكية على العراق .. وبالتالي كيف ترى انعكاس العراق على الانتخابات الامريكية .. ؟ إن التجاذب بين الحالة العراقية والإنتخابات الأميركية يستند الى علاقة عضوية بين الحالة العراقية والسياسة الخارجية الأميركية. وهنا يجب التذكير بأن السياسة الخارجية لا تلعب سوى دور هامشي في اختيار الناخب الأميركي لرئيسه. فقد سقط بوش الأب وهو في قمة مجده العسكري والسياسي بعد حرب العراق الأولى. وكان ذلك لصالح مرشح مجهول ، بيل كلينتون، لمجرد رفعه شعار " أميركا أولاً ". ثم عاد الديمقراطيون ليسقطوا امام بوش الإبن لمجرد الرغبة في تغيير الحزب الحاكم وقس عليه. وهكذا فإن تأثير العراق وأفغانستان ،وعداوات بوش لشعوب وأمم أخرى، سيكون تأثيراً محدوداً وممكن التجاوز. لكن أبواب المفاجآت تبقى مفتوحة مع تصاعد الخسائر الأميركية في حروب بوش وعداواته المعولمة. وهي تتجاوز العراق الى أنحاء العالم وحتى الى الداخل الأميركي. أما عن تأثر العراق بنتائج الانتخابات فإن نجاح الديمقراطيين ( يحتاج الى معجزة) سيعني العودة الى سياسة كلينتون وقوامها تأمين مكاسب إقتصادية مضمونة بدون دفع أية أثمان إستراتيجية. بمعنى إمكانية إلتزام الرئيس الديمقراطي عملية إصلاح الفوضى الجيو سياسية الناشئة عن حرب العراق مقابل حصص نفطية وبيع كميات كبيرة من الأسلحة والمنتجات الأميركية. أما التجديد لبوش فسيعني تعجيله الخروج من المأزق العراقي عبر تجديد دماء حلف الأطلسي ومشاركة الأوروبيين في العراق والمنطقة. 3 – : كيف ترى وضع المقاومة العراقية ومستقبلها .. قبل القاء القبض على صدام , وبعده , ولماذا لانرى مشاركة من جميع الاطراف ولاسيما الشيعة ؟ بات من المؤكد أن هذه المقاومة تم تنظيمها قبل سنوات وتحديداً منذ الإستعداد الأميركي لعملية ثعلب الصحراء العام 1998 ففي حينه تمكن كلينتون من تجنب كأس العراق في حين شربه بوش عن سابق تصميم وإصرار وهو يدفع الثمن. وكان من الطبيعي أن يركز النظام العراقي خطط المقاومة في منطقة نفوذه وهي ما يعرف اليوم بالمثلث السني. وهذا المثلث مزروع بمخابيء الأسلحة الصغيرة المخصصة لإستعمال المقاومين على طريقة قتال الخلايا الثورية الماركسية. وهذا يفسر تركيز المقاومة في المنطقة السنية. دون أن يعني ذلك عدم مقاومة الفئات العراقية الأخرى. حيث يمكن إستثناء الفئات المتحالفة مع الأميركيين وكذلك تلك المتعرضة لضغوط اقليمية. أما عن تأثر المقاومة بإعتقال صدام فإنها إستمرت بالرغم من البعد المعنوي للإعتقال. ويمكن القول ان الإعتقال أثر في الداخل الأميركي أكثر من تأثيره في المقاومة ( ارتفعت نسبة مؤيدي بوش من 48 الى 58 % عقب الإعتقال). وربما تصاعدت هذه المقاومة بإتجاه إغتيال شخصيات كبيرة أو ربما خطفها من قبل أنصار صدام كنوع من الإنتقام. وقد تكون محاولة إغتيال أبي زيد إحدى هذه العمليات. فالأميركيون قادرون على تحمل جرعات المقاومة المقسطة تقسيطاً مريحاً ( 2 – 3 قتلى يومياً) لكن الأمر يختلف لو تصاعدت هذه الجرعات كماً أم نوعاً. وهذا متوقع في المستقبل القريب وتحديداً بموازاة الإنتخابات الأميركية. فقد خرج الأميركيون من لبنان ومن الصومال عقب عمليات أفقدتهم أكثر من مئة قتيل. وهم تحملوا هناك العمليات المقسطة. 4 - : مارأيكم بموضوع الفيدرالية الكردية في العراق والى أي مدى يمكن للامريكان ان يدفعوا في هذا الاتجاه , وبالتالي كيف نفهم موقف بقية الطوائف من المسألة ؟. لا بد من شكر الأميركيين على إهتمامهم المزمن بأقليات المنطقة. وإن كان تاريخ هذا الإهتمام مشوباً بالتخلي. حتى أن التخلي أصبح صفة ملازمة للسلوك الأميركي. ولو أخذنا الأكراد تحديداً لوجدنا أنهم حصلوا من بلفور على وعد متزامن مع وعده بالدولة اليهودية ( أي وعد بلفود كردي) ثم حصلوا على جملة وعود أميركية لم ينفذ أي منها. بل أن تخلي الولايات المتحدة عن أحدها إقتضى إشعال قتال أهلي كردي لا تزال معالمه وقابليته قائمة حتى اليوم. وهكذا فإن على الأكراد ، وباقي أقليات المنطقة ، القيام بمراجعات تاريخية ومن ثم طرح السؤال حول إستعداد الولايات المتحدة للسماح بإقامة ولايات للسود وأخرى للآسيويين وبقية الملونين ومن ثم ترك بقية الولايات للبيض!؟. وهذا السؤال يتكشف عن سياسة التذويب الأميركية. وفيها تقبل الأقليات بشرط ذوبانها والتخلي عن كل خصوصية تتعارض مع هذا الذوبان. بما يدفعنا للإستنتاج بأن معاملة العرب لأقلياتهم هي أكثر إنفتاحاً وتقبلاً من النمط الأميركي. فالعرب يقرون لهذه الأقليات بمساهمتها في النسيج الحضاري للمنطقة وبالتالي فهي شريكة حضارية وليست دخيلة مدعوة للذوبان. وعلى الأكراد أن يقدروا الإحترام العربي لخصوصيتهم وهو الذي منع تذويبهم خلال تاريخ إقامتهم الطويل في المنطقة. 5 هل ترون ان الامريكان سيقومون فعليا بتسليم السلطة الى العراقيين واجراء انتخابات ؟ إنهم يبحثون عن قرضاي عراقي ولا يجدوه !. فقد أثبتت الأحداث أن متأمركي الخارج العراقي لا يحظون بحضور شعبي داعم لطموحاتهم الزعامية. من هنا كان إعلان الإحتلال وإستمراريته في غياب غطاء محلي مقنع. مما يبرر إطلاق الأميركيين لشعارات طحلبية ( تنبت على وجه الماء بدون جذور علاقة بالواقع) مثل تسليم السلطة والانتخابات الديمقراطية. فالأميركيين يسعون لتسليم الإدارة للعراقيين وليس السلطة. أما الإنتخابات الديمقراطية فهي تعيد النظام السابق بخمسة ملايين صوت حزبي. فهل تريد الولايات المتحدة مثل هذه العودة!؟. الأمر قابل للنقاش على ضوء تجربة عودة الأحزاب الشيوعية لحكم اوروبا الشرقية. 6 – : كيف تنظر الى الموقف الأوروبي من احتلال العراق الان ؟. بعد سقوط الإتحاد السوفياتي فقدت منطقتنا قيمتها الاستراتيجية وإحتفظت بالسلعة الإستراتيجية الأهم وهي النفط. وهي تعامل على هذا الأساس كمنطقة نفطية. من هنا فإن الموقف الأوروبي من حرب العراق لايمكن وصفه بالإستراتيجي وإنما بالتنافسي الذي يريد تعويق السيطرة الأميركية على أسواق النفط والتحكم ببورصاته العالمية. وعليه فإن اوروبا تدخل اليوم في مساومة مع الولايات المتحدة حول تقاسم هذه السيطرة. وبالنظر للوضع الأميركي الراهن فإن التفاهم مع أوروبا هو أسهل الحلول. ويجب ألا نفاجأ إذا ما طرح التحالف الأميركي – الأروربي صيغة جديدة لإحتلال العراق وللسيطرة على المنطقة. بل أن علينا أن نعد العدة لمواجهة قريبة لمثل هذا التحالف. 7 – : على صعيد دول الجوار : ما رأيكم بالتهديدات الأمريكية الى سوريا , والى أي حد يمكن ان تصل ؟. هذه التهديدات كانت جدية في البداية لكنها تراخت نتيجة معطيات متداخلة. أولها التعاون السوري الجاد في الحرب على الإرهاب (وفق المفهوم السوري طبعاً). ومن ثم إصطدمت اميركا بدور سوريا المركزي في المنطقة الذي تعاظم بعد إحتلال العراق. وبذلك تراجعت جدية هذه التهديدات مع إحتفاظ إدارة بوش بهامش من التعالي الذي تفرضه عليها ظروف الإنتخابات. فالولايات المتحدة تدرك اليوم حاجتها الحيوية للدور السوري لأن التخلي عنه بات يسلم المنطقة للفوضى. بحيث تعجز الولايات المتحدة وحلفائها عن ضبط هذه الفوضى مع تحمل مسؤوليتها. وهذا تحديداً هو الموقف البريطاني من سوريا ومن دورها. أما بالنسبة للتهديد الإسرائيلي فهو تصاعد في نبرته ليصل الى حد التهديد بضرب مكاتب المقاومة إن لم تغلقها سوريا بنفسها. وكان ضرب المخيم المهجور "عين الصاحب". لكن ضغوط إدارة بوش تمنع أي تصعيد في المنطقة وضد سوريا بالذات. حيث يمارس بوش دوراً ضاغطاً على إسرائيل وذلك على عكس ما يقال حول الحلف بين اليهويدية والمسيحية الصهيونية. إذ تصر إدراة بوش على تكريس إسرائيل كتابع أميركي وترفض قطعاً الإعتراف بها شريكاً إستراتيجياً. 8 - : وماذا بالنسبة لايران .. وحبذا لو نتحدث عن الشيعة ومدى الولاء ل قم او للنجف كي نفهم تماما كيفية تحركهم , تحرك السيستاني الاخير مثلا ؟. من الخطأ النظر الى جماعة ما على أنها كل متجانس. فخلافات داخل الجماعة تكون عادة أكثر دموية من خلافاتها مع الآخر. ولو عدنا الى الحرب اللبنانية لوجدنا أن أقسى المعارك كانت داخل الجماعة والطائفة الواحدة. مثل حرب عون – جعجع المسيحية وحرب أمل – حزب الله الشيعية. وخلاف المرجعية ( النجف / قم ) هو أبسط الخلافات داخل الطائفة الشيعية في العراق. إذ تضاف اليها العرقية ( عرب / فرس) والتاريخية والعشائرية والسلطوية. ورأينا تفجر الخلافات الدموية في الطائفة عبر الإغتيالات ومحاولات الإغتيال المتكررة للمراجع الشيعية المختلفة ( عبد المجيد الخوئي، محمد باقر الحكيم، عبد العزيز الحكيم، علي السيستاني.. الخ). ثم جاء الخلاف بين مقتدى الصدر ،المدعوم من إيران، وبين السيستاني ليصل الى حدود تهديد الأول للثاني ( هجوم على مقره ثم تهديده بالقتل إن لم يغادر العراق وأخيراً محاولة إغتياله). وتم التوفيق بينهما لاحقاً بسبب حداثة الصدر وقلة تجربته لينشأ نوع من التحالف المؤقت بينهما برعاية ايرانية. وهذا بين إعتماد ايران على تحالف هش في وجودها العراقي. وهو أضعف بما لا يقارن من الوجود الحزبي والعشائري السوري في العراق. وفي النهاية نجد أن مراجعة تناقضات الطائفة في لبنان تعطي فكرة عن تناقضاتها العراقية. حيث نلاحظ مثلاً إرتباط نفوذ حزب الله بالرضى السوري أكثر منه بالإيراني. مع التأكيد على العلاقة العضوية بين هذه الجهات. أما عن التحرك الأخير للسيستاني فهو يأتي في إطار إنقسام عراقي حول خيارين. الأول وهو التعجيل في تسليم السلطة للعراقيين والثاني يقدم الخروج الأميركي وإعلان نهاية الإحتلال على تسلم السلطة. وإعتمد السيستاني الخيار الأول مما جعله يبدو وكأنه الخيار الشيعي. في حين أن الأكراد هم الأكثر إستفادة من تسريع نقل السلطة في ظل الوجود الأميركي. والحديث عن الشيعة يستتبع الحديث عن السنة العراقيين. وهو ما أشار له الأخضر الإبراهيمي في تحذيره من حرب أهلية عراقية. إذ تخوض هذه الطائفة معركة بقاء بعد غياب زعاماتها الجامعة التي إحتكرها النظام لفترة طويلة كافية لإستبعاد الزعامات البديلة. وهذا ما أهملته الإدارة الأميركية عندما حلت الجيش والمنظمات العسكرية العراقية. وإن إحتفظت لفترة برغبتها في تسليم الحكم الى عسكري سني. وهي رغبة تراجعت مع تصاعد المقاومة. مهما يكن فإن الموقف السني يستوجب التفهم إذ تمتنع الحركات السنية العربية عن المشاركة في كعكة المعارضات العربية المتأمركة. كما تحتفظ بمرونة التواصل مع كافة الأفرقاء. بحيث يصبح تجاهلها وتأثيرها خطأً لا داعي لإرتكابه. 9 - : واين تركيا في المسألة وماذا بالنسبة لها ضمن الرؤية الامريكية للمنطقة , ورؤيتها هي ضمن مصالحها وتوجهاتها المستقبلية ؟ المسألة الكردية غير قابلة لمساومة الاتراك. وهم عبروا عن ذلك بحزم من خلال موقفهم من حرب العراق. فالجنرالات الأتراك ،المتعاطفين مع السياسة الأميركية، لم يقبلوا المساس بالمصالح القومية لتركيا. وهذا موقف مبدئي إستوجب سحب الدولة الفيديرالية الكردية من التداول. في المقابل فإن صعوبات تركيا الإقتصادية تجعل سياستها موضوع تجاذب وضغوط. وأعتقد أن الهاجس التركي الأكبر اليوم هو الحفاظ على مصالحها في المنطقة عقب التراجع الأميركي المدروس والمنتظر من العراق. حيث ستكون إيران في واجهة الدول الإقليمية التي ستدعى للعب دور ما في العراق والمنطقة. وهو دور لا تستسيغه أنقرة بسهولة. كما أن تركيا لا يمكنها السكوت طويلاً على تجاوزات الأكراد وحقوق التركمان في كركوك وبقية الشمال العراقي. 10 - : كيف تنظر الى الكيان الصهيوني ضمن رؤيتك لمجمل الاوضاع .. وقد اشرت ( بعكس الاخرين ) الى وجود تناقض بين الكيان الصهيوني والادارة الامريكة على الصعيد الديني تحديدا .. هل يمكن ايضاح هذه الرؤية بالتفصيل , وكيف ترون المحاولات الاسرائيلية للتواجد في العراق وشراء الاراضي .. ؟ يجب ألا ننسى بأن بوش لم يحصل سوى على 2 % من الصوت اليهودي الذي عاداه في انتخاباته وصوت لصالح آل غور ونائبه اليهودي ليبرمان. عداك عن الخلاف العقائدي بين المسيحية الصهيونية ، التي يعتنقها بوش، وبين اليهودية. فالأولى تؤمن بالإنجيل وبالتوراة ولا تؤمن بالتلمود. في حين لا تؤمن الثانية بالإنجيل وتكفر غير المؤمنين بالتوراة. وعليه فان جماعة بوش المسيحية تعتبر اليهودي الأميركي ضيفاً عابراً في أميركا. ومن هنا الإستنفار الإسرائيلي لإعلان بوش إسرائيل دولة يهودية في قمة شرم الشيخ. فهذا الإعلان يستتبع تسريع الخلاص الأميركي من اليهود الأميركيين. وفي الخلاصة فإن مراجعة الأزمة الإقتصادية الإسرائيلية وضغوط الإنتفاضة على أمنها تبين موضوعية إستبعاد أي عمل عدواني إسرائيلي ضد سوريا ما لم يكن مبرمجاً أميركياً. وهي برمجة مستبعدة في مرحلة الإنتخابات الأميركية على الأقل. وبعدها سيكون المستنقع العراقي في الواجهة. أما عن التسرب اليهودي الى العراق فلم يعد سراً إستعانة الأميركيين بالجيش والخبراء الإسرائيليين في حرب العراق. بحيث سقط قتلى يهود هناك دون السماح لإسرائيل بمجرد تبني قتالهم. وهي مسألة تتحدى القناعة اليهودية حول كونهم " شعب الله المختار". أما عن شراء الأراضي وبقية العمليات اليهودية في العراق فمن المعروف أن اليهود يتقنون تجارة الجثث وهذا ما فعلوه في العراق. وهم مستعدون لتكراره في دول عربية أخرى فالجالية اليهودية في مصر لا تتجاوز السبعين فرداً مقابل سبعون مليون مصري. وهذه الجالية قادرة على تسهيل تجارة الجثث اليهودية في مصر وقس عليه. 11 - : كيف ترى المستقبل من خلال هذا التحليل الاجمالي ؟ تقول الحكمة البراغماتية الاميركية: " أن رب العائلة لا يصنع ما يمكن شراؤه بتكلفة أقل ". وتكلفة البقاء في العراق عالية ومرشحة للزيادة. وعليه فإن التكلفة ستكون أقل بإستقدام الأوروبيين ومشاركتهم وفق النموذج الأفغاني. وهي موافقة حصل عليها جايمس بيكر في جولته الأوروبية عندما أعلنت كل من فرنسا وبريطانيا عن إستعدادهما لخفض الديون العراقية. وبعدها حصل بيكر على موافقات شبيهة من اليابان وبعض الدول العربية. وبذلك أصبحت الأجواء مهيأة لتراجع أميركي مدروس من العراق. وأولى مقدماته نقل السلطة (الإدارة في رأينا) للعراقيين. وبغض النظر عن الصعوبات التي ستواجه هذا الإنسحاب الأميركي فإن علينا توقع رؤية منطقتنا تحت لواء تحالف أوروبي – أميركي يضمن الموافقة الدولية على أية مغامرة جديدة في المنطقة. وهنا سيتوزع العرب ،على عادتهم، حول رؤى مختلفة هي التالية بخطوطها العريضة: 1. التكيف مع مستجدات أجواء التحالف الجديد. 2. إعاقة قيام مثل هذا التحالف بالطرق المتاحة. 3. تعزيز العلاقات بشكل آحادي مع طرف من أطراف التحالف. 4. تعميق التحالف مع الولايات المتحدة لتسهيل المخالفات الإقليمية. 5. تصاعد معارضة الحرب على الإرهاب ومقاومتها. وهذا التوزع سيتيح للحلف الجديد ،ولو نظرياً، إتمام سيطرته على المنطقة وفرض قيمه المشتركة عليها. إلا أن المواقف المشار لها أعلاه ستكون كافية لإلغاء مثل هذه السيطرة المحتملة. خاصة وأن الولايات المتحدة لا تريد فهم واقعة تغيير تعريف النصر حتى بعد حربها العراقية. فالنصر لم يعد من نصيب الأقوى بل هو أصبح من نصيب الأكثر تصميماً وهو أحياناً من نصيب الأقدر على التسبب بالأذى. خاصة بعد أن أثبت بوش مقولة سابقه نيكسون: " ... يمكننا أن نتحول الى حمقى إذا ما ضربت مصالحنا. وعندها سيرتعد العالم خوفاً منا..". صحيح أن العالم إرتعد خوفاً ، ولا يزال، من حماقة بوش في منطقتنا لكن على الإدارة الأميركية ألا تهمل إمكانية تحول الآخرين الى حمقى. فالعرب قد يرتكبون حماقة التخلص من لعنة النفط التي جلبت عليهم كل هذه الحروب والأهوال. وعندها سيرتعد العالم برداً وخوفاً. وها هي الحماقة قد بدأت مع تفجير أنابيب النفط العراقية...
|
||
|
ما بعد الصدمة دراسة تحليلية نقدية في التداعيات النفسية لإحتلال العراق مقدمة لا بد منها: لم يكن إطلاق تسمية " الصدمة و الترويع "( trauma ) على الاستراتيجية العسكرية في بدايات مراحل الغزو الأمريكي- البريطاني للعراق اعتباطاً، بل كان تسميةً دقيقة و مقصودة تختزل هذا الموقف. و على الرغم من الأهمية والخطورة الاستراتيجية لغزوالعراق ( ليس بالنسبة للعالمين العربي و الاسلامي بل و للمجتمع الدولي) وبالنظر الى طبيعة الأهداف المتوخاة و الدوافع التي لم تعد بخافية و التي استفاضت في سردها التحليلات السياسية بشكل شامل تقريباً و على الرغم من التهديد الذي غدا يهدد دولاً إقليمية و كيانات دولية كثيرة بحيث أصبح المشهد العراقي هو فيلم السهرة الليلي الذي تعودت عليه أعناق الملايين من البشر. بالطبع البطولة هنا " لرامبو " الامريكي و " جيمس بوند " البريطاني و على الرغم مما في هذه الفيلم من " هراء " و أكثر من كلمة الاختزال للحقيقة بل التشويه لها فهو لا يقل براعة من أفلام هوليوود التي تركز على الإثارة و على شخصية السوبرمان الذي لا يقهر، على الرغم أن ذلك واضح للكثيرين بل و تعداه إلى هاجس وصل لحد القلق لدى الكثير من المثقفين و المنشغلين بالهم العربي و الإسلامي لما تمثله هذه المرحلة من خطر على الأمة العربية الإسلامية ككيان و كوحدة اجتماعية ثقافية فضلاً عن مخاطرها في المزيد من استنزاف الثروات التي تخبئها رمال الخليج و مياهه على الرغم من وضوح كل هذه الصورة، فقد تجوهل البعد النفسي لهذا السقوط السريع لبغداد و المشهد الدرامي المتناقض الإنفعالات لسقوط أعتى الأنظمة العربية، كما غاب عن التحليلات السياسية و الاستراتيجية الأثر الذي أثارته هذه الأحداث المتلاحقة على المنطقة فما سر هذه التجاهل/ التنكر و ما هي الأهمية لدراسة الآثار النفسية لإنهيار بغداد وإحتلال العراق؟ في رأيي أن تجاهل هذا البعد النفسي و إخفائه عن النظرة التحليلية للأمور ليس أمراً عابراً حدث هكذا و على غفلة منا بل إن لذلك مدلولاً نفسياً عميقاً إنه نوع من النكران و التجنب كما يقول علماء النفس أي أننا لم ننسى بل أنكرنا هذا البعد إن النكران و التجنب هي أواليات نفسية تلجأ إليها النفس البشرية من أجل تجنب الألم الذي يحدث في حال المجابهة مع أمر مزعج و مثير منفر، لأنه يثير في كوامن أنفسنا ذكرى تجربة مؤلمة ما برحنا نجترها و لا نريد العودة إليها إنها تثير فينا من جديد تلك المجابهة التي أخفقنا في أجتيازها بنجاح المجابهة مع الفشل مع مواطن الضعف مع مكامن الخلل التي تلعب دوراً في تسهيل إنهيارنا أمام الأزمات الداخلية و الخارجية. أن هناك رأياً جميلاً لأحد الأصدقاء يقول فيه إن سقوط بغداد أثار الكثير من المخزونات التاريخية حول هول ما قام به المغول بعاصمة الرشيد فقد أثار الإنهيار مشاهد الدمار و الصور المؤلمة و المحبطة التي تختزنها الذاكرة العربية الإسلامية سواء صح ذلك تاريخياً أم كان مبالغاً فيه!! كما أن أهمية دراسة البعد النفسي لسقوط بغداد تفرضه طبيعة التكوين الاجتماعي و الثقافي و الجغرافي للمجتمع العربي الذي تتداخل فيه الأعراق و الأنساب كتداخل حدوده الجغرافية المستعصية على الفصل و كترابط كيانه الثقافي و القيمي المعتقدي الذي تجعل من عملية " فك الإرتباط " بين ما يجري في بغداد و باقي العواصم العربية و الإسلامية أمراً بالغ التعقيد و ليس الأمر هنا متعلقاً بنرجسية قومية. و لعل في طبيعة التقدم التكنولوجي في مجال الاتصالات و المتمثل في نقل الخبر حياً و بالصورة ما يبرر أخذ البعد النفسي بالاعتبار فمشاهد القصف و الدمار التي حاولت قوات الاحتلال فرض رقابة بوليسية عليها و نجحت في بعض الحالات غير أن الذي وصلنا رغم كل هذه الاحتياطات لم يكن قليلاً ناهيك عن مشاهد المجازر و المقابر الجماعية التي بينت شيئاً قليلاً من جرائم الجهاز الحاكم في بغداد فضلاً عن مشهد انهيار الجيش العراقي الذي اختزنه الوجدان العربي بصورة الجيش العتي على الانهيار بهذه الصورة الدراماتيكية الفجائية. و الأهم من هذا الاعتبار و ذاك ما يمكن تسميته بالباعث الأخلاقي الذي يوجب على المهتمين بالشأن النفسي أمام هذه الممارسات السيئة التي توظف إنجازات علم النفس في ميدان الحرب و هو ما يطرح إشكالية أخلاقية أمام علماء النفس بالتصدي لهذا التوجه للوقوف على نماذج من هذه التوظيفات ( راجع مقال الصحفي البريطاني روبرت فيسك بعنوان العراق في المرآة الأمريكية الذي نشرته جريدة الوسط البحرينية العدد 30 ديسمبر 2003 ، حيث تحدث فيه عن أسلوب تعمد تخويف العراقيين من قبل قوات الاحتلال ) إن المنطقة العربية حسب استشراف الكثير من المحللين مقدمة على تغيير شامل و هو ما يهدد ببروز صراعات هنا و هناك و هذا ما يطرح على المعنيين بالشأن النفسي أمام مسؤولية بالغة التعقيد لكيفية التعامل مع هذا الوضع المدمر و ما ينتج عنه من ضغوط نفسية ذات تأثير خطير على البناء النفسي للإنسان العربي. هذه الاعتبارات و غيرها تجعل من الواجب الوقوف على المنحدر و تحليل الموقف النفسي العربي- الإسلامي من سقوط بغداد ( المدينة – النظام – العمارة – الرمز – الإنسان العراقي ) كل هذه المفردات التي ترسم المشهد و تضبط إيقاعه النفسي، لا أدعي ان المسألة سهلة بالنظر لإفتقار الساحة النفسية من دراسات ميدانية ترصد هذا الحدث من جهة و من جهة أخرى إن تداخل العوامل المختلفة كوسائل الإعلام و لغة الصورة و تناقل الخبر تلك العملية التي يتحكم في توجيهها طرف واحد أضف لذلك طبيعة المجتمع و خصائصه و تعقيدات الأزمة التي تمر بها المجتمعات المتخلفة التي من خلال هذا الوضع تهيئ أرضاً خصبة للاضطرابات النفسية و الاجتماعية بين أفراد المجتمع و التي لن تزيدها العوامل الخارجية سوى المزيد من الإنتكاس و التدهور. أمام كل هذ التعقيدات تأتي هذه المحاولة التحليلية النقدية النفسية على خلفية المشهد العربي الاسلامي المذهول و العاجز عن الفعل مكتفياً بالندب او الصراخ و ما بين هذين الاستجابتين يبدو العالم العربي الاسلامي كمن هو خارج للتو من الصدمة على أساس من هذه الخلفية أفترض توصيف المشهد النفسي باضطراب ما بعد الصدمة من سقوط بغداد و لرصد بعضٍ من آثارها كان لنا هذا التحليل. أولاً: ما معنى إضطراب ما بعد الصدمة ؟ اضطراب ما بعد الصدمة ( Post-traumatic stress disorder ) و يعرف اختصاراً ( PTSD ) و هو مرض نفسي قد تم تصنيفه و توصيفه من جانب جمعية الطب النفسي الأمريكي ( 1980، 1987، 1994 ) و ينجم هذا الاضطراب عن تعرض الشخص لحادث يشعره بتهديد حياته ( صدمة ) يتخطى حدود التجربة الإنسانية المألوفة ( أهوال الحروب، رؤية أعمال عنف و القتل، التعرض للتعذيب الاعتداء الجسدي الخطير و الاغتصاب، كارثة طبيعية، الاعتداء الخطير على أحد أفراد العائلة ) بحيث تظهر لاحقاً عدة عوارض نفسية و جسدية ( التجنب، و التبلد، الأفكار و الصور الدخيلة، اضطراب النوم و التعرق و الاجفال "الخوف المفاجئ" و الخوف و الاحتراز، ضعف الذاكرة و التركيز الخ ) في الواقع ليس جميع الأشخاص الذين يتعرضون لصدمة أو كارثة يسقطون في الاضطراب المذكور، إذ إن هناك عوامل معينة قد تساعد على ظهور الاضطراب بما في ذلك طبيعة الصدمة، سن الضحية، طبيعة الشخصية و استعدادها المرضي، دور البيئة. ( يعقوب، 1999، ص38-39 ) غير أن هذا التعريف يتعامل مع المصدوم كضحية و الصدمة كمسبب لها لذا يقترح الدكتور محمد أحمد النابلسي بعداً ثالثاً لدراسة هذا الموقف و هو " طريقة وعي - المصدوم – و معايشة الظروف الاقتصادية و السياسية و هو ما يطلق عليه اللحظة الاقتصادية-السياسية ( النابلسي، 1995، ص 54 ) فلا شك أن للصراعات التي شهدتها المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة و الوضع الأمني الذي زاد تعقيداً بعد 11 سبتمبر و القهر التي تمارسه الأنظمة المستبدة و الأسلوب البوليسي في الحياة العامة كل ذلك له دور كبير في رد فعل الشارع العربي تجاه هذا الحدث الكبير في المنطقة و الذي لم نقدر نحن تبعاته بشكل جدي حتى الآن. حيث يرى النابلسي ضرورة ادراجه في اطار الكارثة المعنوية العامة وليس الكارثة الشخصية فحسب. ثانياً: كيف يتشكل اضطراب ما بعد الصدمة ؟ حاولت الكثير من النظريات أن تفسر تشكل اضطراب ما بعد الصدمة و لذلك دور كبير في كيفية التعامل مع هذا الاضطراب، ومنها نورد مع شيئ من الاختزال و التوضيح بشواهد من الواقع العربي: 1. معالجة الانباءات ( Information Processing ) إن الأنباء التي تغزو أسماعنا و أبصارنا عبر و سائل الاتصال المختلفة قسم منها يستوعبه الدماغ و تتم معالجته ( ترميز، حل الترميز، سلوك ) و قسم لا يمكن معالجته لتخطيه طاقة الجهاز العصبي أو أنها تكون ناقصة مما يؤدي إلى التشويه و الاضطراب في معالجة هذه الانباءات كما يحصل في الكوارث و الحروب و هنا تبقى هذه الانباءات المشوهة الصادمة ناشطة و بشكلها الخام و هي تستمر في ضغطها المؤلم على الشخص الذي يلجأ إلى استخدام و سائل و حيل دفاعية كالنكران و التبلد و التجنب للتخلص منها، غير أنها تغزو رأسه بعنف على شكل تكرار قهري ( Repetition ) لصور و أفكار مأساوية و ترى هذه النظرية أن الرقابة الشديدة التي يفرضها الشخص المصدوم على نفسه إزاء هذه المنبهات الصادمة تحول دون معالجة هذه الانباءات و يؤدي الفشل إلى تحقيق هذه الرقابة إلى ظهور إنفعالات شديدة الوطأة لذا فإن هذه النظرية ترى أن معالجة هذه الانباءات و قبول كمية ممكنة لتصبح جزءً من خبراته الحياتية هي السبيل للعلاج. 2. المدرسة السلوكية ( Behaviorism ) تعتقد هذه النظرية أن مصير الصدمة يتوقف من جهة على حدتها و من جهة أخرى على شخصية المصدوم و دور البيئة. 3. نظرية التعلم و التشريط ( PAVLOV & SKINNER ) ترى هذه النظرية أن الحروب و الكوارث و الصدمات تعمل كمنبهات ( Stimulus ) مطلقة غير مشروطة تؤدي إلى استجابة الخوف و ردات فعل فيزيولوجية مطلقة، و يجري التعميم في استجابة الخوف إزاء المواقف المنبهات التي ترمز إلى الصدمة او تتشابه مع أدواتها. فلنا أن نتسائل عن سر هذا الخوف المطبق على على الأمة من فعل شيئ يتعامل مع الموقف الخطير و طبقاً لهذه النظرية جاز لنا أن نقول أننا نعاني من مشكلة التعميم ( Generalization ) لتجارب قد سبق و فشلنا فيها كأمة و كمجتمع أي أن استحابتنا المتخاذلة يمكن النظر إليها كتعميم للخوف من الفشل بطريق الاشراط ( Classical Conditioning). 4. النوذج المعرفي ( Cognitive Model ) يرمي النموذج المعرفي إلى إدراك معنى الحدث عند الشخص و كيف تظهر لديه المعاناة و هذا يتوقف على نظرة الشخص إلى ذاته و العالم، هنا ندخل في صلب القيم و المعتقدات و النماذج التي تميز شخصاً ( مجتمعاً ) عن آخر و مما لاشك فيه أن الصدمة تؤدي إلى زعزعة هذه البنيانات الشخصية. فعندما تقع الكارثة تتحطم المعتقدات و الآمال المذكورة و يشعر الشخص بالذهول و النقمة و اليأس و كأنه لا يصدق ما جرى و هكذا تتحول المعتقدات الايجابية إلى معتقدات سلبية و يصبح العالم الخارجي مرعباً و تافهاً للغاية إذ تنسحق الأنا تحت و طأة الكارثة و تفقد معناها و قيمتها. و قد لعبت و سائل الإعلام العربية و العربية دوراً في ترسيخ هذه النظرة التبخيسية ( Depreciation ) للذات العربية من خلال التركيز على القوة الأمريكية والتي بدأت من خطوة التضخيم في حجم الخصم ( النظام العراقي ) الذي أصبح في الوعي العربي أسطورة للصمود لدى فئة أو القهر لدى أخرى حتى أن العراقيين لم يستطيعوا إسقاط تمثال صدام إلا بمعونة الآلية الأمريكية حسب تعليق أحمد ماهر مراسل الجزيرة في بغداد غداة احتلالها !!!. 5. نظرية و يلسون و غموض الهوية اعتمد ولسن على نظرية إريكسون لدراسة الهوية عند المقاتلين فيتنام و وجد أن الجنود المراهقين تنقصهم الهوية الإيجابية ( positive Identity ) و الأهداف الواضحة و الطموحات و من الصفات البارزة لديهم " التبلد العاطفي و الفكري و اليأس و عدم الثقة بالنفس و العزلة ( Isolation ) و هذا يعني أنهم قد أخفقوا في متطلبات النمو الذي توقف عند حدود المرحلة السادسة ( العزلة بدل الألفة). ربما يتفق كثير منا أن أحد وجوه الأزمة في عالمنا المتخلف هي أزمة هوية أزمة تقدير الذات و هي تقف وراء الكثير من اخفاقاتنا و ما انتشار أسلوب العنف لتأكيد الذات إلا أحد الوسائل الدفاعية لإخفاء ما ألم بالذات من ضياع. 6. نظرية التحليل النفسي ( Psycho-analysis Therapy ) تفرق مدرسة التحليل النفسي بين ما يمكن تسميته بالعلائم الأساسية و العلائم الراهنة، إن علائم الصدمة هي علائم ناجمة عن حدث حياتي معين و هو الحدث الصدمي و هي لم تكن لتظهر لولا هذا الحدث، و من هنا تسميتها بالراهنة لكن الحدث الصدمي يمكنه ان يعيد إحياء علائم عصابية كامنة ( ربما تعود إلى عهد الطفولة ) و هذه العلائم هي المقصودة بتسمية الأساسية. ( النابلسي، 1995،ص137 ). و لا يمكن الحديث عن أحداث صدمية بالمطلق بدون بحث قابلية التأثير الخاصة بالشخص المعني. و لا بد من توافر شروط موضوعية كي تكون هناك صدمة بالمعنى الدقيق للكلمة، أي عدم تصريف التجربة التي تظل عندها في النفس كجسم غريب ( لابلاش و بونتاليس،1997،ص301 ) و على ضوء هذه النظرية يمكننا أن نفهم الصدمة و كأنها حدث عنيف و مفاجئ يكتسب فعاليته من خاصيتي المفاجأة و العنف ومن بناء نفسي متصدع يساعد على على أن تمارس الصدمة فعلها. نخلص بعد هذا العرض إلى أنه لا يمكننا تحييد نظرية من النظريات السابقة و تجاهل دورها في تفسير تشكل اضطراب ما بعد الصدمة، بالنظر لأن كلاً منها قد ركز على جوانب معينة من الشخصية الإنسانية، فلا يمكننا مثلاً أن نتغاضى دور الإعلام الموجه غربياً في رسم المخيلة العامة للحرب و الخلط الحاصل بين ما هو إشاعة و ماهو واقع على الأرض فلا يزال سقوط بغداد سراً من الأسرار العسكرية و سيبقى ردحاً من الزمن أضف أن تجارب مواجهة الاستعمار في المنطقة و فشل حركات التحرر و الأنظمة التي خلفت الاستعمار في تحقيق التنمية فلا زالت تختزن الذاكرة الشعبية صوراً من القمع البوليسي و التصفيات الجسدية لمناضلين او محتجين لذا ققد اقترن موقف الوقوف امام الظالم بمشاعر الخوف. و قد كان لصدام نفسه تأثير كبير في تمزيق الصف العربي و تمزيق القيم التي طالما أصبحنا و أمسينا نعتبرها ركناً من أركان وجودنا كالقومية و الوحدة العربية و غيرها من الشعارات التي زادها تشويهاً النظام العراقي سواء من خلال حرب عبثية لثمان سنوات أنهكت الشعب العراقي و بددت ثرواته أو عبر تصرف أحمق كاحتلال الكويت ، كما أن اليقينيات ذات الصبغة الدينية كالرعاية الإلهية للحرمات المقدسة و لبلاد المسملين وشعارات الام الوسط و غيرها من الشعارات التي استهلكها السياسيون كان لها دور كبير في تهيئة الأرضية لهذه الصدمة متناسين أن للكون سنناً و ان هذه المفردات هي خاضعة لها و هكذا نرى ان الجانب المعرفي يتصل بالقيمي و الذاتي بالموضوعي كما أن أثر التجارب السابقة ظروف المرحلة عناصر لا يمكن أغفالها عند دراستنا لتأثير الموقف الصدمي على مستوى الفرد أم على مستوى المجتمع، غير ان البعد الأهم في نظري و الذي يحدد ملامح الصورة هو البناء النفسي للشخص المصدوم و موقفه منها الأمر من جهة الذي يلعب دوراً كبيراً في مدى تأثير هذا الحادث الصدمي، وطبيعة الصراع المحدث للصدمة من جهة أخرى و هو ما يدفعنا لتناول سيكولوجية الإنسان العربي بشئ من التحليل. أولاً: في سيكولوجية المجتمع العربي- الاسلامي: يشكل المجتمع العربي بخصائصه و تناقضاته الأرضية التي على شكل تضاريسها تتكون عوارض الصدمة و تتجلى تداعياتها، فالنظم التربوية القائمة على القهر و العلاقات الاجتماعية و السياسية القائمة على التسلط و القمع و ما يرافقها من فقدان للإرادة و هي الخلفية النفسية التي على أساسها يتعامل الانسان العربي مع الحياة و هي وراء الخلل في مهارات التعامل مع صعوبات الحياة التي هي من أبرز عوامل اضطراب ما بعد الصدمة ( PTSD ) و قد أورد البرفسور مصطفى حجازي في دراسته المتميزة عن سيكولوجية الإنسان المقهور اورد عدداً من الخصائص الذهنية و الانفعالية التي تتميز بها المجتمعات المتخلفة مما ييسر لنا عملية الوقوف على أهم خصائص المجتمع العربي كمجتمع يعاني من التخلف و تتمثل في: أ- اضطراب منهجية التفكير: و يقصد بها سوء التنظيم الذهني في التصدي للواقع حيث التعامل مع الواقع يتسم بالفوضى و العشوائية و التخبط لذا يقع الإنسان المتخلف في الغموض و الحيرة مما يجعله يلجأ للتمنيات بالخروج بحل سحري من المأزق، كما ان الذهن المتخلف عاجز عن الغوص في تحليل الظواهر عمقاً و اتساعاً لأنه يتطلب جهداً و تركيزاً كبيرين و هي لا تتناسب و حاجته إلى نتائج آنية و شبه سحرية و لعل هذا ما يقف وراء هبات الحماسة التي تعج بها شوارع العواصم العربية استنكاراً و شجباً لكنها سرعان ما تخبو و هي السر وراء هذه التبعية العمياء للشارع العربي وراء الشعارات البراقة حتى لو أطلقها من ثبت عجزه و تردده في المواقف المصيرية فنتناسى كل هذه المعطيات و الدلائل لتحركنا العاطفة و العصبية بدلاً من التفكير القويم، كما انه يفسر لنا هذا التخبط في التعاطي مع قضايانا الحيوية و فشلنا في تحديد أوليات الخروج من الأمأزق الحضاري و حسب رأي حجازي أن سبب ذلك هذه المنهجية الفوضوية غير المنظمة. ب- قصور التفكير الجدلي: و هو عنوان لطالما استوقفني في الكثير من كتابات الدكتور حجازي حتى حسبته انه علة العلل و يكتسب هذا العامل تأثيره من خلال الجمود الذي يميز الذهنية المتخلفة التي تنظر للأمور على أساس انها حلقات منفصلة أو عدة أسباب مترابطة تؤدي إلى نتيجة ما و تقوم بين هذا السبب و تلك النتيجة علاقة مغلقة تعزلها عن بقية الأسباب و النتائج. الذهنية المتخلفة لا تستطيع إدراك قوى الشد و الجذب، قوى التقدم و الحركة في علاقاتها الجدلية مع قوى الصد و الجمود لذا تكون الأحكام التي تطلقها على الأشياء أحكاماً قطعية نهائية مما يجعل من الفرد المتخلف ذو ذهنية متصلبة هذا الجمود مرتبط بحالة عامة من انعدام المرونة الوجودية في التصدي للعالم، مما يشكل عقبة جدية في وجه التطوير و التنمية. وهذا ما قد أشار إليه الدكتور العراقي الراحل علي الوردي قبل نصف قرن حيث أوعز خلل التفكير لدينا نحن العرب إلى طغيان النمط الأرسطي في تفكيرنا و الذي يقوم على أساس مسلمات و يقينيات فكرية تتحكم في قناعاتنا التي هي في أساسها عبارة عن موروثات دوغمائية في إطار المقدمة و النتيجة التي هي عبارة عن ترجمة للمقدمة لا أكثر و لا أقل، و خطر مثل هذا النمط التكراري في التفكير أنه لا يستطيع إدراك طبيعة اللعبة السياسية ذات التقاطعات و المفاصل المعقدة ففي هذه اللعبة السياسية القذرة لا وجود لصديق دائم و لا لعدو واضح فهل يدرك النمط الأرسطي يمعاييره و أقيسته استيعاب هذا التناقض !!! ت- الخصائص الذهنية و الانفعالية: نلاحظ أن الانسان المتخلف يرزح تحت عبء انفعالاته التي تفيض على العالم، ملونة إياه بصبغة ذاتية واضحة العالم و قضياه تعاش من خلال الذات،و لذلك فإن درجة الموضوعية تنحسر في معظم الأحيان كي تتلاشى كلياً في حالات خاصة، و بالتحديد في حالات الشدة. و بينما تتطلب وضعيات الحياة الصعبة مزيداً من الموضوعية و العقلانية كي يمكن مجابهتها بدرجة معقولة من الفعالية، نجد الإنسان المتخلف يغرق في تلك اللحظات بالذات في تيار جارف من الانفعالات، يجعله فاقد السيطرة على الواقع، و يدفع به إلى الإرتماء في التفكير الخرافي و السحري و الغيبي كوسيلة وحيدة متبقية للخلاص من المأزق. إن طغيان الانفعالات على هذا النسق يضع الإنسان المتخلف أمام الحاجة الملحّة للتخلص من ضغطها و ما تخلقه من توتر داخلي صعب الاحتمال. و من المعروف نفسياً أن أكثر الوسائل فعالية و بدائية للتخلص من هذا التوتر، هو الاسقاط ( Projection ) الذي يسمح بتصريف الانفعالات من خلال صبها على الخارج، على العالم و ظواهره و على الأشخاص و العلاقات معهم سواء بسواء. و هي خصائص تمثل بيئة مهيئة لظهور الاضطراب طالما تتحكم في توجهينا و مواقفنا انفعالاتنا الذاتية لا النظرة الموضوعية للأمور و من الطبيعي أن نرد سقوط بغداد إلى المؤامرة الدولية وحدها لا إلى تناقضاتنا الداخلية و عناصر الضعف في أنظمتنا السياسية و إلى القمع المزمن الذي تعانيه مجتمعاتنا، و أن تكون قرائتنا للمشهد العراقي على أساس لونين أسود و أبيض فقط مع تناسي الأولوان الأخرى التي يتداخل فيها الأبيض مع الأسود ليشكل ألوان أخرى قد تكون في مظهرها الخارجي لوناً يدل على الصفاء لكنه يبطن اللون الأكثر إزعاجاً علماً بأن موروثاتنا و طبيعة التكوين التاريخي يحدد دلالة كل لون من هذه الألوان، إن تعقيد الساحة السياسية العراقية هي بتعقيد ظاهرة ألوان قوس قزح فلا أغلية للون على آخر.. ثانياً: طبيعة الصراع المحدث للاضطراب: يرتبط رصد آثار الصدمة بطبيعة الصراعات ( Conflicts ) التي ولدت الصدمة و قد اقترح الدكتور النابلسي 4 أصناف من الصراعات لتشخيص الصدمة عيادياً و لعل ما يهم بحثنا هو ذلك النوع من الصراعات التي تعانيه الكيانات الانهيارية ( Depressive ) و يقصد بها الكيانات التي تعاني من تهديد هويتها و شخصيتها القومية مما يدفعها إلى اليأس بحيث يمكنها ان تعمل على إيذاء ذاتها و الآخرين بطريقة عشوائية، و صولاً إلى قيام الأفراد بارتكاب أعمال عنف انتقامية ضد العدو المفترض حسب اللحظة الاقتصادية – السياسية. ( النابلسي، 1995، ص54 ) و دقيق وصف أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة اللبنانية الدكتور عدنان حسين لوضع الكيانات العربية أنها كيانات أقلية أي تجمعات أقلية متناثرة و متناحرة لذا فهي تخشى على هويتها من الاندثار و بالتالي هذا هو سبب تفكك الأمة العربية و سبب نجاح إسرائيل في الوجود و ضمان استمرارها في المنطقة لذا فإن الرابح الأكبر من استمرار الفتنة و التمزق هي الدولة الصهيونية. ( مقابلة في قناة المنار، الجمعة 21 فبراير 2004م ). كما أن طبيعة العلاقة – الصراع مع الغرب هي علاقة كما يصفها خلدون النقيب بأنها صراع نابع من تعارض المصالح و لكن ليس المصالح المشروعة للطرفين، إنما من رغبة طرف هو الغرب، في فرض مصالحه الخاصة، أي مطامعه غير المشروعة على الطرف الآخر، عن طريق الهيمنة، بالقهر و العنف المسلح. و في هذه السياق لا يخفى أن الحرب – يقصد حرب الخليج الثانية – في وجه من وجوهها، كانت حملة تأديبية تحاول جعل العراق أمثولة لغيره من دول العالم الثالث في ظل نظام العالم الجديد، من هنا لا يجب النظر إلى هزيمة صدام حسين – أي في حرب الخليج الثانية – لا يجب النظر إليها على أنها ورقة ضغط حقيقية على إسرائيل، و قد أزيحت إنما غزو صدام للكويت يمكن فهمه ضمن سياق القضايا الحيوية ( الخلافات الحدودية و الأنظمة السياسية القائمة على القهر ) التي نجح الغرب في تجميدها بقصد تهميش القدرة العربية و إرباك قواها السياسية و منعها من تطوير برنامج للتنمية الشاملة. و يعتبر الدكتور النقيب أن اللجؤ إلى الغرب لتحقيق، أو وضع ترتيبات الأمن في المنطقة العربية هو في خاتمة المطاف تسليم بعجزنا و تخل عن مصالحنا القومية الدائمة المشروعة، وانهيار إرادتنا دون المضي في طريق التحرر من التبعية للغرب.( النقيب،1997،ص 388-390 ).
عوارض اضطراب ما بعد الصدمة: إن ما سنعرضه من أعراض نعتقد اننا نلمسها على مستوى تعاطي المجتمع العربي و الاسلامي لصدمة العراق لا يعدو كونه محاولة أولية لا تدعي الإحاطة الشاملة للواقع و بالتالي ليست قطعية، إنما يمكن وضعها في سياق محاولة مبدئية لرسم صورة تفسر سبب ردة الفعل العربية إزاء حادثة لا تقل فداحة عن نكبة حزيران 1976 ما تلاها من تطورات غيرت في الخارطة السياسية للمنطقة العربية، علّنا بذلك نضع أيدينا على مكامن الخلل و نهتدي لاتخاذ تحرك فاعل: 1. الاهتياج و هبات التعصب ( Agitation ): إن الحروب والكوارث الاصطناعية عامة أعمال تؤدي إلى بروز الغضب و العدوانية و العصبية ويتجه هذا الغضب ضد المتسبب المفترض بالكارثة. وعلى هذا الأساس يمكننا تفسير المقاومة العراقية بأنها توظيف لهذه المشاعر ضد الأعداء الإفتراضيين. حيث إحتمالات الخطأ في تحديد هؤلاء الأعداء هي إحتمالات واردة 2. الشعور بالذنب و لوم النفس ( Guilt feeling ): من المؤسف أن المجتمع العربي وصل لحال من اللوم والشعور بالذنب تقارب المازوخية. بحيث أصبح هذا الشعور مصدر متعة و لذة و احتساء مرارة الكوارث و المصائب كشهد يومي. لقد بات الألم جزءً لا يتجزء من شعورنا حتى بات أكسير للحياة اليومية و نجد في جلد الذات متعة لا تقاوم و كأننا و صلنا لمرحلة من الماسوشية ( Masochism ) حيث المريض هنا يتلذذ بإيذاء ذاته غارقاً في جو من النشوة و السكر ففي الوقت الذي تحتل فيه أرض و سماء و ثروات الوطن نجد الناس مشغولين بخلافات تاريخية مضى عليها قرون بين مكفر و مفسق و تناحر داخلي يزيد من التمزق تمزيق!! من جهة أخرى يمكننا ان نجد في المناخ الفكري الذي يسود الساحة الثقافية العربية و التي تحول فيها النقد الذاتي إلى أشبه بعرض الوسواس القهري بشكل فعل تكراري و كأننا نحن العرب و المسلمين الأمة التي امتلاأت عيباً و نقصاً و أننا خطأ تاريخي لابد أن يشطب فلم تعد هناك منقصة و لا مذمة إلا و كان العرب و المسلمين أصلها و منبتها، لقد ابتعد النقد الذاتي عن هدفه الحقيقي المتمثل في ضبط الصيرورة الحياتية ليغدو غاية في حد ذاته إلى ما يشبه جلداً للذات و الاغراق في الإثم، كما أن الحديث يأخذ بعداً و كأن الثقافة الإسلامية خالية من هذا الفهم فإذا ما أهمل المسلمون هذا المنهج فلا يعني ذلك أن الثقافة الإسلامية القرآنية تفتقر إلى ذلك. ألم نقرأ عن مفهوم الجهاد الأكبر " جهاد النفس و محاسبتها " أليس في ثقافتنا " من تشابه يوماه فهو مغبون " و لعمري هل النقد الذاتي إلا مصداق لكلمة الجهاد الأكبر؟! بل إن مدلول لفظة الجهاد أكثر رقياً و أصالة و انتماءاً لثقافتنا العربية الاسلامية. تجدر الملاحظة إلى أن هذه النظرة المغالية في النقد تكشف عن نزعة نرجسية للذات إذ أنها ترفض منطق أن ليس هناك كمالاً مطلق في هذا الكون و أننا مجتمع كباقي المجتمعات البشرية في الصالح و الطالح و إذا كانت الأمم قد تطورت فلأنها مسكت بزمام الأمور و تحكمت بمصيرها و الأمر الذي لا نزال لم نبلغه بعد. 3. الشلل الاجتماعي( Social palsy ): إن الحروب تترافق مع اختلال المعايير المكونة لجهاز القيم، هذا الاختلال يضاف إلى المعاناة الفردية ( المنتشرة وبائياً بين الأفراد لدرجة تشابهها في العديد من خطوطها العريضة ) فيؤدي إلى شلل الفعالية الاجتماعية للأفراد بحيث يعم قطاعات واسعة من الجمهور. تفصيل ذلك أن الفرد يشعر بأنه مهدد في استمرارية حياته بسبب أجواء الحرب التي يعيشها ( تهديد خارجي ) مما يؤدي إلى الانشطار بين أناه الذاتية و أناه الجسدية، بمعنى أنه يبدأ بالتفكير بموته الشخصي طارحاً السؤال المألوف في هذه الحالات عما سيحصل بذاتي ( الأنا الذاتية ) بعد موت جسدي؟ هذا الانشطار يعيق الشخص عن تبني مفهوم الجماعة ( النحن ) و يجعله يركز تفكيره في نطاق " الأنا " التي يهددها المجهول بعد انشطارها عن الجسد مما يغذي الوساوس المرضية ( المراق ) التي تشهد انتشاراً عارماً أثناء الحروب و الكوارث. ( النابلسي، 1995، ص 134 ) أمام هذه الحالة يجد الفرد العربي نفسه بين مطرقة العدوانية على الذات حيث ينشغل الفرد في قلقه و يخضع له و يصبح عاجزاً عن الخروج منه فتشل حياته الاجتماعية و يتخذ من موقف المترقب المنتظر للخلاص حالةً عامة و بين سندان الاعتداء على المحيط الاجتماعي حيث التمرد على قيم المجتمع و بناءه الأخلاقي و العمل على هدم هذه المنظومة و في كلا الحالين فإن الخاسر هنا هو المجتمع كله. 4. التبلد الانفعالي ( Numbing ): و يقصد بالتبلد الانفعالي فقدان الاهتمام بالأنشطة و الفعاليات الاجتماعية التي كانت في حياته من قبل بحيث يصبح ميالاً للعزلة الاجتماعية و الانسحاب من المواقف الحياتية، نحن هنا أمام موت للعاطفة و الشعور و مثالها هذه اللامبالاة التي تسيطرعلى ردات الفعل في المجتمعات العربية الاسلامية التي لا تحركها كل هذه الويلات التي تهدد كيانها و هويتها و انتمائها و ثقافتها و وجودها و لا توقظها إلا المصائب الكبرى بعد أن يكون قد فات أوان القدرة على دفع الخطر بعد استفحاله و هي وسيلة دفاعية مدمرة تؤدي إلى فقدان الأمل بالحياة و تقتل معنى الوجود لدى المجتمع. 5. مسألة التجنب ( Avoidance ): أي تجنب الأفكار و الصور و الأشياء المرتبطة بالحدث الصدمة ( التداعي الأولي ) و بعد ذلك يمتد التجنب إلى أفكار و مشاعر أخرى لا ترتبط مباشرة بالحدث لكنها تدفعه إلى التفكير بالحدث ( التداعي الثانوي) فالتجنب يتناول إذن المصادر الخارجية و الداخلية للقلق.( يعقوب،1999، ص 49 ) و هي أشبه ما تكون بالتعميم لدى المدرسة السلوكية فكل ما قد يرتبط بالصدمة يعتبر مصدر للألم و الخوف و بالتالي فإن الوسيلة هنا هي تجنب هذا المصدر و قمع أية مشاعر تتصل به من مثل رؤية الادوات المرتبطة بالحرب و المناظر المؤلمة المرتبطة بها لأنها تمثل مصادر خارجية للقلق التي قد تتحول عند الفرد إلى مشاعر الخوف من مواجهة الاعتداء و هو ما تساعد على نموه الاجواء البوليسية التي حكمت المجتمع منذ عقود و زادت منه إجراءات ما يسمى الحرب على الإرهاب لتخلق واقعاً مرعباً مقصوداً لبث الزعزعة بثقة الفرد بقدرته على التغيير و مواجهة الأخطار التي تحيط بالعالم العربي و هو ما أصطلح عليه برهاب التغيير " Change phobia " و منها احتمال نشوب حرب في المنطقة لا سيما و أن احتلال العرق و كما ذكرنا آنفاً و ما هو واضح في خطاب الإدراة الأمريكية أن الحرب هي خطوة لإعادة تركيب الخارطة الجيوسياسية للمنطقة و ما يثيره ذلك من تناقضات قد تفضي بالمنطقة إلى حرب محتملة. 6. التماهي بالمعتدي ( Identification with the aggressor ): وإلى هذه الوسيلة الدفاعية يعزو بعض المحللين اننتشار مظاهر العنف في المجتمعات العربية الاسلامية بصفتها مجتمعات مهددة بالفناء من خلال استهداف مصالحها و ثرواتها و ثقافتها " فحينما يجابه الشخص بخطر خارجي ( يتمثل نموذجياً بانتقاد صادر عن سلطة ما ) فإنه يتماهى مع المعتدي عليه، إما بأن يتبنى لحسابه العدوان بحد ذاته، و إما من خلال المحاكاة الفيزيقية أو المعنوية لشخص المعتدي، أو من خلال تبني بعض رموز القوة التي تدل عليه. ( لابلانش و بونتاليس، 1997، ص 203 ). ويمكننا أن نضع عدداً من الممارسات و المواقف العربية الاسلامية في سياق هذه الأوالية النفسية منها : سيل الانتقادات الموجهة للسياسة الأمريكية و ما يستتبعه ذلك من " عدوان " لفظي من قبيل السب و الشتم حيث يلاحظ هنا تحول الطرف الثاني هنا هو المعتدي بعد ان كان معتدىً عليه. كما أن الهجمات التي تعرضت لها سواء المصالح الأمريكية " سفارات، جنود، أفراد، قواعد عسكرية و حتى رموز تجارية كالمطاعم و المحلات و غيرها" هي من المظاهر النشطة في هذا السياق، أضف ان هذا التسابق العربي للتسلح بأحدث المعدات و الأجهزة الامريكية و الغربية هي شكل من أشكال التماهي بالعتدي على سبيل التقليد لمظاهر القوة التي لديه. والجدير ذكره أن مدرسة التحليل النفسي تضع هذه الأوالية في إطار علاقة ثنائية تقوم على أساس ذي طبيعة سادو مازوشية ( المصدر السابق، ص204) لذا فإن المعتدى عليه و هو الفرد العربي المسلم حسب دراستنا هذه قد يتبنى لحسابه العدوان بحد ذاته فيرضخ رضوخاً كلياً لإرادة المعتدي و لعل هذا ما يفسر الوله لدى الشباب العربي لنمط الحياة الأمريكية المملوءة بالإثارة فيتحول العدوان الموجه للآخر إلى أعجاب به على خلفية الشعور بالذنب. الخاتمة: إن أول خطوة للخروج من أي مأزق هي أن تعرف على أي أرضية تقف رجليك و أن تحدد الفرص و الإمكانات المتاحة لك للخروج بأقل قدر من الخسائر، في هذا الإطار يمكن ان أضع هذه المحاولة التحليلية التي قد يجد فيها البعض نبرة تشاؤم و قد يضعها في إطار الهجمة الإعلامية على العالم العربي و التبخيس و هو ما يدفعني للتذكير بان البارانويا و عقدة الاضطهاد هي من الخصائص التي تلاحق العالمين العربي و الإسلامي منذ بدايات الهزائم في الحروب الماضية و قد لعبت التيارات السياسية دوراً كبيراً في الترويج لنظرية المؤامرة التي كانت بذورها و لا تزال تجد في التربة النفسية العربية بيئة صالحة لأن تنمو بشكل جنوني يحجب أشعة الحقيقة. إن علينا كأمة ان نعي كيف يتحرك العالم من حولنا و ان نفهم تناقضاته و ليس بالضرورة أن نقبل بها، و لكي يتحقق هذا علينا أن نقوم بعملية مراجعة شاملة لكل مقوماتنا النفسية و الثقافية و المعرفية و السياسية و حتى الدينية ليس من أجل النوح و البكاء و لا من اجل التفاخر و التباهي بأمجاد صنعها السلف فلكل أمة ما قدمت ، إنما من أجل أن نستمر أحياء بالمعنى الوجودي للكلمة و رحم الله أبي علاء المعري إذ يقول :
الباحث سامي عباس منصور طالب في الدراسات العليا بجامعة البحرين - قسم الإرشاد النفسي البحرين
المراجع: 1. حجازي، مصطفى. ( 2001 ). التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور. بيروت: المركز الثقافي العربي، ط8، 2001، ص 59 – 74 2. لابلانش، جان و ج.ب. بونتاليس. ( 1997). معجم مصطلحات التحليل النفسي. ترجمة: مصطفى حجازي. ( بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع)، ط3، 1997،ص 203 - 204. 3. النابلسي، محمد أحمد. ( 1995 ). نحو سيكولوجية عربية. ( بيروت: دار الطليعة )، ط1، 1995، ص54، ص 134 – 137. 4. النقيب، خلدون حسن. ( 1997 ). في البدء كان الصراع! جدلية الدين والأثنية، الأمة و الطبقة، عند العرب. ( بيروت: دار الساقي )، ط1، 1997، ص
5.
جماعة من الباحثين / إشراف النابلسي، محمد احمد: الصدمة النفسية / علم نفس
الحروب والكوارث، مركز الدراسات النفسية ط1 1992. |
||
|
حماقة الحرب الإستباقية لم يكن بوش ليحظى بمبدأ يناسب قدراته السياسية والذكائية أفضل من مبدأ "الحرب الإستباقية". التي تحولت بفضل سحرة البنتاغون ،وعلى رأسهم بول وولفويتز، الى طلسم يدعى ب "مبدأ بوش". ومن المعروف والمنشور صحفياً أن الرئيس يحتاج الى من يبسط له الأمور المعقدة. ولقد إختار له والده المساعدين على هذا الأساس وليس على أساس قدراتهم الفعلية. فالإبن يحتاج الى من يلقنه المعادلات المعقدة لحكم الولايات المتحدة. وصفة الحرب الإستباقية كانت سحرية بالنسبة لبوش. فهي أفهمته الصراعات التي قامت عليها سياسات القرن الماضي. وأوحت له بأن القوة هي الطريق لتغيير التاريخ والدخول فيه. شرط أن تستخدم هذه القوة قبل فوات الأوان. فالعالم يتسلح بسرعة والدول تتسابق لشراء الأسلحة والأدمغة السوفياتية السابقة. لذا يجب إستخدام القوة الأميركية قبل أن يصبح إحتواء النفوذ مستحيلاً. وبالإستناد الى سوابق هتلر وستالين والقياصرة الروس يمكن لأميركا بوش أن تمارس حروبها على أشخاص مثل بن لادن وصدام حسين وهيغو شافيز ومعمر القذافي وغيرهم. وهذا يوفر عليها عناء البحث عن عدو لا تجده. كما أنه يجنبها الصدام مع الدول القوية. إذ يكفي التركيز على الدول النفطية وجوارها للسيطرة على النفط وعبره على الأقوياء بمن فيهم المرشحين لعداء أميركا مستقبلاً. هكذا فهم بوش الحرب الإستباقية وإعتمدها مبدأً له. ظاناً أنه يضع بذلك استراتيجية طويلة الأمد لبلاده. أو هكذا أقنعه وولفويتز على الأقل!؟. وصحيح أن كثيرين من كبار الاستراتيجيين الأميركيين قد عارضوا هذه الحماقة الإستباقية. لكن هؤلاء لم يملكوا موهبة تبسيط الأمور المعقدة وتقريبها الى فهم الرئيس وقدرته الإستيعابية. وهي قدرة محدودة بشهادة الصحافة الأميركية والنيوزويك خصوصاً. لذلك عاند بوش وسار في طريق لا رجعة منه هو طريق الحرب الإستباقية. وهو لم يتوقف لحظة للسؤال عن إمتناع سلفه كلينتون عن إعتماد هذا المبدأ الذي عرض عليه مع خطط حروب جاهزة منذ العام 1997. وربما أقنعه الصقور بغباء كلينتون وجبنه وأن هذه الحروب تحتاج الى تضحيات رجل مميز مثله. فهي تنقذ أميركا والعالم من لاعدالة ملكية الشعوب المتخلفة للنفط والمواد الأولية. فهذه المواد يجب أن تكون في متناول الشعوب المحتاجة اليها لتحقيق العدالة المطلقة. وهو تحقيق لا يتم إلا على أيدي ماشيح مخلص مثل بوش!؟. وتقمص هذا الأخير الدور لغاية الإنصهار الكلي فيه ولدرجة التعامل بصفاقة غير مسبوقة مع أصدقاء أميركا مع تهديده لمصالحهم ولمستقبل علاقاتهم مع اميركا. وذلك بحيث أصبحت السيطرة على الشرق المسلم النفطي هدفاً إنتقائياً للحروب الإستباقية لإدارة بوش. نحن لا نشكك بأن هذه الرؤية هي واحدة من جملة رؤى مطروحة في أوساط القرار الأميركي. كما لا نشك بقدررة أميركا على إحتلال أفغانستان والعراق ومعهما الشرق المسلم. لكن الإشارة تجب الى كون هذه الحروب سهلة البداية لكنها صعبة الإنتهاء. كما نشير الى دفاعات اميركا الاستراتيجية الصارمة. التي لا تسمح عادة للرئيس وفريقه بتجاوز خطوطها الحمر الموضوعة. بما يستتبع السؤال عن كيفية نجاح الإدارة في إختراق هذه الخطوط وتجاوزها لغاية دفع أثمان استراتيجية غير معقولة بالقياس الى حجم الحروب الجارية. لقد رفض كلينتون تقديم أي ثمن استراتيجي في الصراعات التي قادها. فهو لم يستخدم أي سلاح استراتيجي في كوسوفو أو في السودان أو أفغانستان أو العراق. إذ اكتفى بصواريخ التوما هوك ولم يتجاوزها. مع أن يوغوسلافيا كانت قوة عسكرية كبيرة بالمقارنة مع افغانستان والعراق. في المقابل استخدم بوش كل الأسلحة المحرمة دولياً والأسلحة الجديدة غير المعروفة في مواجهة جيش عراقي لم يحارب أصلاً. ولعل عدد القتلى المدنيين العراقيين هو أفدح الأثمان الاستراتيجية لتلك الحرب. وذلك بالرغم من تسعيرة القتيل الأفغاني بمئتي دولار في مقابل تسعيرة انسان لوكربي بعشرة ملايين دولار. وكذلك بالرغم من التعتيم الأميركي على العدد الفعلي للضحايا العراقيين. بناء على هذه المعطيات نجد أن المراجعة المنهجية للحرب الاستباقية لم تعد بعيدة. خاصة مع تصاعد الورطة الاميركية في المستنقع العراقي. ونحن نعلم أن هنالك من يخالف استنتاجنا هذا بالقول بإمكانية هروب بوش الى الأمام عبر حرب إستباقية جديدة أو حتى عبر عمليات مخابراتية قذرة وسوداء. الا أننا لانجد المجال يتسع هنا لمناقشة الرفض الأكيد للمواطن الأميركي لخوض أية صراعات جديدة. ولكون هذا الرفض قد يصل الى حدود تفجير مواجهات واضطرابات اميركيية داخلية محرجة وغير مسبوقة. فالأهم في رأينا هو تبيان مستوى حماقة الحرب الإستباقية. وهو مستوى حددته نتائج تلك الحرب بحيث لم نعد بحاجة لتقدييم الأدلة عليه. وهذا ما يدفعنا للتركيز على الثغرات الفكرية المنهجية لهذه الحرب وهي في رأينا التالية (للتعمق انظر كتابنا "الحرب النفسية في العراق" ):
الآن وبعد الحرب العراقية يبدو أن مبدأ بوش محكوم بلعنة مباديء الرؤساء الأميركيين. فقد وقع في هذه اللعنة أسلاف بوش من امثال مونرو وولسون وايزنهاور ولن يشذ بوش عن القاعدة. ولعل شخصية بوش هي أحد أهم مسببات فشل مبدئه. إذ تتصف شخصيته بالتبعية ( Personalite Dependante) وتقبل الإيحاءات والعجز عن تحمل الإحباطات والعزلة الدفاعية عن حقائق العالم الخارجي. وهي صفات تتحول الى كارثية لدى ترافقها مع محدودية القدرات الذهنية ( أنظر التحليل النفسي لجورج ووكر بوش في كتابنا الحرب النفسية في العراق). وفي عودة الى صفة التبعية فهي المسؤولة عن وقوع بوش تحت سيطرة نائبه تشيني ومعه فريق المحافظين الجدد. ومن هذا الفريق منظر الحرب الإستباقية بول وولفويتز. مما دفع به للتورط في حروب سهلة لكنها غير مرشحة لنهايات قريبة. حيث لا يوجد من يشكك بقدرة اميركا على احتلال افغانستان والعراق لكن هنالك من يتذكر ويذكر بالخروج الأميركي الذليل من كوريا وفيتنام ولبنان والصومال والبقية تأتي. لقد رفض كلينتون الحرب الاستباقية لأنه رفض دفع ثمن استراتيجي لحرب إقتصادية. حيث بينت حرب العراق أن الجانب الاقتصادي هو الدافع الوحيد لتلك الحرب (بعد أن سقطت التبريرات الأخرى من أسلحة دمار شامل وتهديد للجيران وغيرها). ورفض كلينتون للاستباق أتى في سياق رفضه التورط في اي ثمن استراتيجي. فهو رفض انزال اي جندي اميركي في كوسوفو قبل نهاية الحرب فيها. كما أسعفه ذكاءه لعدم التورط وحيداً في أي صراع كان. فقد كان كلينتون يوظف اصدقاءه وصداقاته لتعينه في المواجهات. وهو كان يدفع ثمن ذلك محتفظاً باستقلالية قراره (رفض شن حرب على العراق العام 1998 بالرغم من الضغوطات الكبيرة عليه لشنها) وبتقدير ذاته والاحتفاظ بذمام المبادرة والقدرة على المواجهة. مشكلة الولايات المتحدة اليوم هي قدرة الصقور على اقناع بوش بان سلوك كلينتون هو دليل ميوعة ونقص القدرة على حسم الأمور. وإقتنع بوش بذلك وسار في الاتجاه المعاكس فأوصل اميركا الى مأزقها الراهن. حيث تقاس نتائج الحرب العراقية وفق المعيار البراغماتي بحسب نتائجها. حيث يصر الاعلام الاميركي على سلبية هذه النتائج ومنها:
خلاصة القول أن الحظ سيكون حليف الولايات المتحدة لو نجحت في جعل بوش يدفع بنفسه ثمن حماقاته. وسيكون من سوء حظها أن ينجح بوش بالفوز في دورة ثانية. فعندها ستدفع اميركا كلها ثمن هذه الحماقات وأولها حماقة الحرب الاستباقية. محمد احمد النابلسي / جريدة اللواء |