|
|
| دوايت ايزنهاور | هاري ترومان | ||
|
حروب كلينتون تأليف: ريان س. هندريكسون الناشر: مطبوعات جامعة فندير بيلت 2003 الصفحات: 244 صفحة من القطع الكبير في ظل حروب بوش وتهديداته المتعددة يصبح هذا الكتاب ( حروب كلينتون ) ضرورة لكونه يشكل المحطة النكوصية الأولى للكوارث المرافقة لحروب بوش. التي تطرح العديد من التساؤلات المحرجة. فهل أهمل كلينتون قصداً حل الملفات المزمنة ليتركها فخاً لخليفته؟. أم أنه تمكن من توظيف مهارته لتأجيل تفجر هذه الأزمات ولو الى حين؟. أو انه العجز عن المواجهة والجبن هو الذي أجل حلول تلك الأزمات فإنفجرت في اول فرصة مؤاتية؟. وهذا الكتاب يقدم لنا قراءة رجعية لحروب كلينتون التي إضطر لخوضها على الرغم من ثقته بأن التهديد بالقوة أربح من إستخدامها الفعلي. ومؤلف هذا الكتاب هو استاذ العلوم السياسية في جامعة فندير بيلت بالولايات المتحدة الاميركية وهو يستعرض فيه عدة قضايا اساسية تخص السياسة الخارجية الاميركية واهمها قضية " من الذي يمتلك قرار الحرب في أميركا؟". أي من الذي يحق له ان يتخذ هذا القرار ويدخل اميركا في صراع عسكري واسع او ضيق مع هذه الجهة او تلك؟. هل هو الرئيس؟ أم الكونغرس؟ أم الاثنان معا؟. في الواقع ان كل شيء يعتمد على الظروف وشخصية الرئيس الذي يعتبر القائد العام للجيش والقوات المسلحة. فإذا كان مجربا خبيرا في السياسة الخارجية فإنه يمتلك الوزن الأكبر في القرار. دون ان يعني ذلك عدم استشارته للكونغرس. أما اذا كان الرئيس غراً في السياسة الخارجية وشئون الدفاع كما حصل لبيل كلينتون عندما انتخب عام 1992(بحسب رأي المؤلف الذي يعلن إنحيازه منذ البداية) فإن القرار يكون للكونغرس بالدرجة الاولى. لا بد لنا هنا من مخالفة المؤلف المبكرة ومنذ القضية الأولى التي يطرحها. فقد تجاهل كلينتون الكونغرس في حرب كوسوفو. إذ إلتف على القانون ولم يعلن معاركه الكوسوفية حرباً. وبالتالي فهو لم يكن بحاجة الى موافقة الكونغرس. وهذا يعني أن كلينتون تمكن من شل الكونغرس وإلغاء دوره في حرب كوسوفو وهي من أربح الحروب الأميركية مالياً. منذ بداية كتابه يقول المؤلف ما معناه: بعد تفجيرات 11 سبتمبر الشهيرة دخلت اميركا عصرا جديدا فقد اضطر الرئيس جورج دبليو بوش الى اتخاذ قرار الحرب ضد افغانستان ولكن بعد استشارة الكونغرس وبالتعاون الوثيق معه. فبعد ذلك الحدث الصاعق بثلاثة ايام فقط اي في 14 سبتمبر اتخذ الكونغرس قرارا يبيح للرئيس اشعال الحرب ضد الاعداء من اجل منع تكرار هذه الهجمات الارهابية على البلاد. ولم تكن هذه هي المرة الاولى التي يجيز فيها الكونغرس للرئيس باتخاذ قرار الحرب ففي عام 1964 اتخذ قرارا مشابها واباح لجونسون ان يعلن الحرب على فيتنام الشمالية وتابعه على نفس الخط فيما بعد نيكسون وفورد. ولكن هذا لا يعني ان الامور كانت تتم بسهولة او بشكل اتوماتيكي، فالواقع ان اتخاذ قرار الحرب كان هو الذي يثير التوتر الاكبر بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ولا غرو في ذلك فهو اخطر قرار يمكن ان يتخذه رئيس دولة وبناء عليه يموت الالاف او يعيشون. وبالتالي فقرار الحرب لا يمكن ان يتخذ بسهولة او بشكل متسرع. ثم ينتقل المؤلف بعدئد الى استعراض حروب كلينتون الواحدة بعد الاخرى. حرب الصومال وكانت اولها حرب الصومال وكان اول قرار صعب يتخذه كلينتون المنتخب حديثا يخص هذا البلد. في الواقع ان قرار ارسال القوات الى هناك كان قد اتخذ من قبل الرئيس السابق جورج بوش الاب ولكن على كلينتون ان يتحمل مسئوليته فاما ان يسحب قواته واما ان يبقيها هناك وقد اضطر اخيرا الى سحبها في ظل ظروف مهينة بالنسبة لاميركا ( ألم يكن مهيناً الإنسحاب الأميركي من بيروت؟ أو ليس مهيناً وضع الجيش الأميركي الراهم في العراق وفي أفغانستان؟...) وكان ذلك بعد ان سقط عدد من الجنود الاميركيين في ساحة القتال. واستنتج الجمهوريون واليمين الاميركي بشكل عام ان كلينتون جبان وليس على مستوى المسئولية فيما يخص الحرب والمواجهة وراحوا يتحدثون عن حياته الشخصية وكيف انه رفض ان يؤدي الخدمة العسكرية في فيتنام بل وتهرب منها واخذ البعض يشكك بوطنيته او رجولته (سيتضح لنا أن المؤلف يوافق هذه الاراء ويزيد عليها بما يجعله ماسح جوخ مفضوح لبوش).
بعدئد ينتقل المؤلف للتحدث عن حروب كلينتون الاخرى ويعتبر معظمها خائبة او فاشلة. حرب كوسوفو هي حرب كلينتون ضد الصرب وميلوزوفيتش وهي الحرب التي ادت الى تحرير اقليم «كوسوفو» وانقاذه. ولكن شاركت فيها بالاضافة الى اميركا جميع دول حلف الاطلسي وبالتالي فكانت حربا جماعية لا فردية ولا اميركية بالخالص. التدخل في هاييتي في حديثه عن التدخل العسكري الاميركي في هاييتي يقول المؤلف بانه كان ثاني تدخل يحصل في عهد الرئيس كلينتون. وقد وافق مجلس الامن للامم المتحدة على هذا التدخل وحظي ايضا بموافقة الكونغرس ولكن على عكس الصومال فإن العلاقات الاميركية مع هاييتي كانت تاريخية وطويلة الامد. التدخل في البوسنة هنا يتحدث المؤلف عن التدخل العسكري الاميركي في البوسنة وكان ثالث تدخل عسكري ضخم يتم في عهد الرئيس بيل كلينتون ولكن التدخل هنا حظي بموافقة مجلس الامن والامم المتحدة تماما كما حصل في حالة هاييتي والصومال وذلك على عكس ما سيحصل لاحقا في العراق فهنا خرجت اميركا على الشرعية الدولية وتدخلت بمفردها الى جانب بريطانيا. وفي الختام فإن المؤلف يرى أن انجح تدخل عسكري حصل في عهد كلينتون هو ذلك الذي ادى الى اسقاط مليوزوفيتش وتحرير اقليم الكوسوفو من بطشه وارهابه. بين بوش وكلينتون وصفة الحرب الإستباقية كانت سحرية بالنسبة لبوش. فهي أفهمته الصراعات التي قامت عليها سياسات القرن الماضي. وأوحت له بأن القوة هي الطريق لتغيير التاريخ والدخول فيه. شرط أن تستخدم هذه القوة قبل فوات الأوان. فالعالم يتسلح بسرعة والدول تتسابق لشراء الأسلحة والأدمغة السوفياتية السابقة. لذا يجب إستخدام القوة الأميركية قبل أن يصبح إحتواء النفوذ مستحيلاً. وبالإستناد الى سوابق هتلر وستالين والقياصرة الروس يمكن لأميركا بوش أن تمارس حروبها على أشخاص مثل بن لادن وصدام حسين وهيغو شافيز ومعمر القذافي وغيرهم. وهذا يوفر عليها عناء البحث عن عدو لا تجده. كما أنه يجنبها الصدام مع الدول القوية. إذ يكفي التركيز على الدول النفطية وجوارها للسيطرة على النفط وعبره على الأقوياء بمن فيهم المرشحين لعداء أميركا مستقبلاً. هكذا فهم بوش الحرب الإستباقية وإعتمدها مبدأً له. ظاناً أنه يضع بذلك استراتيجية طويلة الأمد لبلاده. أو هكذا أقنعه وولفويتز على الأقل!؟. وصحيح أن كثيرين من كبار الاستراتيجيين الأميركيين قد عارضوا هذه الحماقة الإستباقية. لكن هؤلاء لم يملكوا موهبة تبسيط الأمور المعقدة وتقريبها الى فهم الرئيس وقدرته الإستيعابية. وهي قدرة محدودة بشهادة الصحافة الأميركية والنيوزويك خصوصاً. لذلك عاند بوش وسار في طريق لا رجعة منه هو طريق الحرب الإستباقية. وهو لم يتوقف لحظة للسؤال عن إمتناع سلفه كلينتون عن إعتماد هذا المبدأ الذي عرض عليه مع خطط حروب جاهزة منذ العام 1997. وربما أقنعه الصقور بغباء كلينتون وجبنه وأن هذه الحروب تحتاج الى تضحيات رجل مميز مثله ( وهذا ما يؤكد عليه مؤلف هذا الكتاب/ هندريكسون). فهي تنقذ أميركا والعالم من لاعدالة ملكية الشعوب المتخلفة للنفط والمواد الأولية. فهذه المواد يجب أن تكون في متناول الشعوب المحتاجة اليها لتحقيق العدالة المطلقة. وهو تحقيق لا يتم إلا على أيدي ماشيح مخلص مثل بوش!؟. وتقمص هذا الأخير الدور لغاية الإنصهار الكلي فيه ولدرجة التعامل بصفاقة غير مسبوقة مع أصدقاء أميركا مع تهديده لمصالحهم ولمستقبل علاقاتهم مع اميركا. وذلك بحيث أصبحت السيطرة على الشرق المسلم النفطي هدفاً إنتقائياً للحروب الإستباقية لإدارة بوش. نحن لا نشكك بأن هذه الرؤية هي واحدة من جملة رؤى مطروحة في أوساط القرار الأميركي. كما لا نشك بقدررة أميركا على إحتلال أفغانستان والعراق ومعهما الشرق المسلم. لكن الإشارة تجب الى كون هذه الحروب سهلة لكنها صعبة الإنتهاء. كما نشير الى دفاعات اميركا الاستراتيجية الصارمة. التي لا تسمح عادة للرئيس وفريقه بتجاوز خطوطها الحمر الموضوعة. بما يستتبع السؤال عن كيفية نجاح الإدارة في إختراق هذه الخطوط وتجاوزها لغاية دفع أثمان استراتيجية غير معقولة بالقياس الى حجم الحروب الجارية. لقد رفض كلينتون تقديم أي ثمن استراتيجي في الصراعات التي قادها. فهو لم يستخدم أي سلاح استراتيجي في كوسوفو أو في السودان أو أفغانستان أو العراق. إذ اكتفى بصواريخ التوما هوك ولم يتجاوزها. مع أن يوغوسلافيا كانت قوة عسكرية كبيرة بالمقارنة مع افغانستان والعراق. في المقابل استخدم بوش كل الأسلحة المحرمة دولياً والأسلحة الجديدة غير المعروفة في مواجهة جيش عراقي لم يحارب أصلاً. ولعل عدد القتلى المدنيين العراقيين هو أفدح الأثمان الاستراتيجية لتلك الحرب. وذلك بالرغم من تسعيرة القتيل الأفغاني بمئتي دولار في مقابل تسعيرة انسان لوكربي بعشرة ملايين دولار. وكذلك بالرغم من التعتيم الأميركي على العدد الفعلي للضحايا العراقيين. بناء على هذه المعطيات نجد أن المراجعة المنهجية للحرب الاستباقية لم تعد بعيدة. خاصة مع تصاعد الورطة الاميركية في المستنقع العراقي. ونحن نعلم أن هنالك من يخالف استنتاجنا هذا بالقول بإمكانية هروب بوش الى الأمام عبر حرب إستباقية جديدة أو حتى عبر عمليات مخابراتية قذرة وسوداء. الا أننا لانجد المجال يتسع هنا لمناقشة الرفض الأكيد للمواطن الأميركي لخوض أية صراعات جديدة. ولكون هذا الرفض قد يصل الى حدود تفجير مواجهات واضطرابات اميركيية داخلية محرجة وغير مسبوقة. فالأهم في رأينا هو تبيان مستوى حماقة الحرب الإستباقية. وهو مستوى حددته نتائج تلك الحرب بحيث لم نعد بحاجة لتقدييم الأدلة عليه. وهذا ما يدفعنا للتركيز على الثغرات الفكرية المنهجية لهذه الحرب وهي في رأينا التالية (للتعمق انظر كتابنا "الحرب النفسية في العراق" ):
الآن وبعد الحرب العراقية يبدو أن مبدأ بوش محكوم بلعنة مباديء الرؤساء الأميركيين. فقد وقع في هذه اللعنة أسلاف بوش من امثال مونرو وولسون وايزنهاور ولن يشذ بوش عن القاعدة. ولعل شخصية بوش هي أحد أهم مسببات فشل مبدئه. إذ تتصف شخصيته بالتبعية ( Personalite Dependante) وتقبل الإيحاءات والعجز عن تحمل الإحباطات والعزلة الدفاعية عن حقائق العالم الخارجي. وهي صفات تتحول الى كارثية لدى ترافقها مع محدودية القدرات الذهنية ( أنظر التحليل النفسي لجورج ووكر بوش في كتابنا الحرب النفسية في العراق). وفي عودة الى صفة التبعية فهي المسؤولة عن وقوع بوش تحت سيطرة نائبه تشيني ومعه فريق المحافظين الجدد. ومن هذا الفريق منظر الحرب الإستباقية بول وولفويتز. مما دفع به للتورط في حروب سهلة لكنها غير مرشحة لنهايات قريبة. حيث لا يوجد من يشكك بقدرة اميركا على احتلال افغانستان والعراق لكن هنالك من يتذكر ويذكر بالخروج الأميركي الذليل من كوريا وفيتنام ولبنان والصومال والبقية تأتي. لقد رفض كلينتون الحرب الاستباقية لأنه رفض دفع ثمن استراتيجي لحرب إقتصادية. حيث بينت حرب العراق أن الجانب الاقتصادي هو الدافع الوحيد لتلك الحرب (بعد أن سقطت التبريرات الأخرى من أسلحة دمار شامل وتهديد للجيران وغيرها). ورفض كلينتون للاستباق أتى في سياق رفضه التورط في اي ثمن استراتيجي. فهو رفض انزال اي جندي اميركي في كوسوفو قبل نهاية الحرب فيها. كما أسعفه ذكاءه لعدم التورط وحيداً في أي صراع كان. فقد كان كلينتون يوظف اصدقاءه وصداقاته لتعينه في المواجهات. وهو كان يدفع ثمن ذلك محتفظاً باستقلالية قراره (رفض شن حرب على العراق العام 1998 بالرغم من الضغوطات الكبيرة عليه لشنها) وبتقدير ذاته والاحتفاظ بذمام المبادرة والقدرة على المواجهة. مشكلة الولايات المتحدة اليوم هي قدرة الصقور على اقناع بوش بان سلوك كلينتون هو دليل ميوعة ونقص القدرة على حسم الأمور. وإقتنع بوش بذلك وسار في الاتجاه المعاكس فأوصل اميركا الى مأزقها الراهن. حيث تقاس نتائج الحرب العراقية وفق المعيار البراغماتي بحسب نتائجها. حيث يصر الاعلام الاميركي على سلبية هذه النتائج ومنها:
خلاصة القول أن الحظ سيكون حليف الولايات المتحدة لو نجحت في جعل بوش يدفع بنفسه ثمن حماقاته. وسيكون من سوء حظها أن ينجح بوش بالفوز في دورة ثانية. فعندها ستدفع اميركا كلها ثمن هذه الحماقات وأولها حماقة الحرب الاستباقية. the clinton wars/the constitation congress/ and war powers/ Ryan c.Hendrickson/vanderbilt university press-2003/P. 224 / |