|
جمهورية فيلتمان (2005 - ...... ) |
||
|
|
منذ لحظة اعلان بوش عن تمام احتلال العراق ونهاية الحرب مطلع مايو /ايار 2003 تحـول لبنان الى حاجة اميركية حيوية. ذلك ان التواجد العسكري الاميركي المباشر في المنطقة يعني ان تتولى واشنطن بنفسها وبجيشها حماية المصالح الاميركية والغاء كل التنازلات السابقة للاطراف الاقليمية الهادفة لتأمين هذه المصالح. إضافة لتضمن خطة احتلال العراق مشروعاً أكبر يتعلق باقامة "شرق اوسط اميركي" عبر تطبيق خطة تغيير الخارطة العربية الصادرة عن مركز للابحاث تابع لوكالة المخابرات المركزية الاميركية. العراق كان المحطة الأهم في المشروع الاميركي نظراً لكونه الدولة النفطية الوحيدة التي تملك عدد السكان الكافي للتحول الى قوة عسكرية والتي تبدي اتجاهاً لإعتماد المباديء القومية التي تشكل خطراً على الامن الاسرائيلي. مهدداً المركز الرئيسي لحماية المصالح الاميركية في المنطقة ووكيلها الرئيسي. وعليه فان الموضوع لم يكن على علاقة لا باسلحة الدمار الشامل ولا بتهديد العراق بالتحول الى دولة مشاركة لتنظيم القاعـدة. وهو ما أكدته الوثائق الاميركية المفرج عنها في ايلول/ سبتمبر الماضي. منذ تلك اللحظة كشف الاميركيون عن الخطوط العريضة لمشروعهم الشرق اوسطي وهي تتلخص بتقسيم كل الدول التي تحتوي على أقليات كافية لاقامة دول مستقلة وباستغلال الخلافات الحدودية التي لا تزال قائمة دون حلول بين دول المنطقة منذ الحرب العالمية الاولى. وعلى هذا الاساس كشفت الصحافة الاميركية علانية وجهاراً عن محطات المشروع القادمة ومنها: تقسيم السعودية الى دولة حج سنية ودولة نفط شيعية. ثم إعادة رسم الخارطة الايرانية بعد التخلص من النظام الاسلامي فيها. لكن سوريا اكتسبت الاولوية في جدولة مراحل المشروع لكونها امتداداً جغرافياً سياسياً للعراق حاملاً نفس تهديداته للمصالح الاميركية. وهكذا صدرت دراسة "دمشق المحطة التالية بعد بغداد". وباشر الاميركيون تصعيدهم ضد سوريا دون تأخير وكانت زيارة وزير خارجيتهم كولن باول لدمشق بمثابة الانذار الاخير كي تطرد كل الفصائل الفلسطينية المقيمة في سوريا ومعها كل التنظيمات التي تصنفها واشنطن كارهابية. وكان الطلب يحتوي على دفع سوريا نحو رفضه كون الذريعة غير مقنعة وتخفي خلفها مجموعة ذرائع اخرى من النوع الذي لا يقبل الرد. لكن اندلاع المقاومة العراقية وتحويلها حرب العراق الى حرب غير محددة النهاية اوقفت التوجه الاميركي نحو المحطة الدمشقية. اذ ان اطلاق هجوم اميركي جديد على سوريا في حينه كان يعني اعادة احياء المشاعر القومية العربية والاسلامية ودفعها للتحالف في مواجهة اميركا. عداك عن احتفاظ سوريا بعلاقات استراتيجية مع ايران وبعلاقات مقبولة مع الدول العربية اضافة لامكانية تنفسها من الرئة اللبنانية. هكذا تحول لبنان الى أهم بلدان المنطقة وأهم المحطات في المشروع الاميركي. وكانت الخطوة الاميركية الاولى لبلوغ المحطة اللبنانية هي اخراج سوريا من لبنـان بالعمل على جبهته الداخلية عبر تأسيس معارضة لبنانية للوجود السوري مكونة من شخصيات سياسية كانت سوريا تتبناهم ارضاء لاميركا وبايعازات منها. وكانت هذه الشخصية معروفة على انها الحصة الاميركية في النظام اللبناني. وبعد تأمين الدعم الاقليمي لهذه المعارضة جاء دعمها بقرار من الكونغرس عبر "قانون محاسبة سوريا" ثم من الامم المتحدة عبر القرار 1559. وهذه الخطوات دفعت بسوريا لسحب دعمها للمعارضين بمن فيهم الرئيس الحريري وباتخاذ خطوة التمديد للرئيس لحود لاستحالة التفاهم مع الاميركيين على شخصية مقبولة لرئاسة الجمهورية. وجاءت حكومة الرئيس كرامي على مرمى اشهر من انتخابات العام 2005 ويومها توقفنا عند ظروف تشكيل الحكومة التي استنفذت خبرة الرئيس كرامي وأناقته في تفهم وجهة النظر الاخرى. لغاية اقدامه على سابقة ،يسمح بها رصيده وتاريخه السياسي، حيث قام بزيارة البطريرك صفير ضمن مداولاته لتشكيل الحكومة. ورغم هذه السابقة بقي الجميع على مواقفهم بما دفعنا لنشر مقالة "هل تصمد الحكومة الكرامية؟" في جريدة اللواء اللبنانية حيث تضافرت في حينه ظروف سقوط هذه الحكومة. ولعل ابرز دوافعنا لتوقع استقالة الحكومة الكرامية كان انها حكومة انتخابات قاطعتها شخصيات تتعرض لاضرار انتخابية بالغة في حال بقائها خارج الحكومة. وكان من الطبيعي ان نستنتج ان هذه الشخصيات كانت تملك معطيات مؤكدة ،اميركية بحكم تموقع تلك الشخصيات، بان هذه الحكومة لن تصمد لغاية الانتخابات. واذا ما جمعنا هذا الاستنتاج مع المعطيات المتوافرة والمعلنة في حينه حول ضرورة بقاء الحكومة وحيوية ادارتها للانتخابات نجد ان المعطيات السرية لدى مقاطعي حكومة كرامي كانت تتضمن سيناريوهات قاسية لإزاحة هذه الحكومة. وجاء اغتيال الرئيس الحريري كواحد من أقسى السيناريوهات المحتملة لفبركة برلمان يقع تحت السيطرة الكاملة للسفير الاميركي جيفري فيلتمان. اذ تمكن فيلتمان من تنفيذ الانتقال الاميركي الى المحطة اللبنانية عبر الخطوات التالية: دفع القوات السورية للانسحاب من لبنان تحت وطأة تهديد سوريا بتوريطها عسكرياً في لبنان. تعميق الفراغ الامني والفوضى المصاحبة له بعد الانسحاب السوري باعتقال الضباط الاربعة. التدخل الاميركي المباشر في مناقلات الضباط اللبنانيين وفي توزيع مناصبهم العسكرية. تجاهل الانشطار النصفي في لبنان والاصرار على اجراء الانتخابات في موعدها. دفع حزب الله نحو التحالف الرباعي مع الرموز الاميركية في لبنان تحت وطأة تهديده بالفتنة المذهبية. توظيف تقارير لجان التحقيق الدولية على شكل اتهامات معلبة جاهزة لاصابة معارضي الامركة بالشلل. حملة اعلامية بالغة الضخامة وفق مباديء تسويق الانتخابات الاميركية. التوظيف المبالغ للاعلام بحيث لا يمكن الطلب الى الجمهور اللبناني مقاومة إيحاءاته التكرارية. إستغلال انتهازية بعض الشخصيات التي لا تملك ما يمكن خسارته وتصديرها كواجهة للتطرف الجديد. الإستخدام المفرط للمال السياسي ،الاقليمي المصدر، لشراء الذمم ولتغطية الثغرات الاخلاقية. ونكتفي بهذا القدر من خطوات حكم فيلتمان للدولة اللبنانية وتحكمه فيها وبمؤسساتها وبانتخاباتها وبتصنيفاتها السياسية والاجتماعية وبمعاييرها الدينية والاخلاقية والوطنية وصولاً لأكثرية فيلتمان في برلمان 2005. وبمراجعة هذه الخطوات نجد انها لا تنتمي الى "الفوضى الخلاقة" كما قالت الحملات الاعلامية في حينه بل انها تنتمي الى ممارسة ارهاب الدولة الصريح على صعد متعددة وعلى شعب بكامله. وهذه الممارسة الارهابية هي التي مكنت فيلتمان من قيادة معركة المحطة اللبنانية واعطاءها شعار الديمقراطية. والغريب ان البعض لا يزال يهنيء فيلتمان على قيادة هذه المعركة دون اراقة دماء؟!. بعد هذا الارهاب المكمل لارهاب الشعب العراقي ها هم الاميركيون يعلنون فشلهم في المحطتين معاً. حيث سحبوا 150 اللف جندي من العراق مع ادراكهم بان الحفاظ على ثورة فيلتمان اللبنانية كان يقتضي توجيه هؤلاء الى لبنان. اذ ان الاحتفاظ بتركيبة فيلتمان اللبنانية يحتاج الى مثل هذا العدد من الجنود الاميركيين. الاميركيون من جهتهم لا يبالون بالجانب المعنوي اذ لا توجد عندهم عقد "الكرامة المهدورة" و"اعلان الفشل" و"الهروب الكبير" وغيرها من مظاهر ما يعتبر إذلالاً وذلاً صريحاً بحسب القاموس الشرق اوسطي. فالمسألة تتعلق بمصالحهم وسبل حمايتها. وبمراجعة الانسحابات الاميركية المذلة السابقة ،اميركا اللاتينية والصومال ولبنان مثالاً، نجد انهم ينتقمون لشرفهم باشعال البلدان التي يجبرون للتخلي عنها. وهو ما يدعم توقعات الصراع الاهلي في العراق كما في لبنان. لغاية حديث بعض المحللين عن احتمال تعويض العجز العسكري الاميركي بالتحول الى حروب المخابرات " العمليات القذرة" على غرار مذابح الجنرال بينوتشيه في تنشيلي مطلع السبعينيات. وفي المقابل يهزأ محللون من هذه الفرضية لأنها تعني بلغة اليوم انتقال العمليات القذرة الى الداخل الاميركي. كما تعني تعرض الكرزايات الاميركيين لوضعية معاكسة تماماً لوضعية الجنرال بينو تشيه.
|
|
|
|
د. محمد احمد النابلسي رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية
|
|