الحرب المنتهية والحرب اللامنتهيـة
 

أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما الاربعاء ا سبتمبر/ايلول أن الحرب في العراق قد إنتهت رسميا. وأن القواتِ الأمريكيةَ انسحبت من العراق.
لكن محللين استراتيجيين عالميين ومنهم المحلل الروسي فياتشيسلاف نيكونوف، يُـعبِّـرون عن قناعتهم بأن الامريكيين لن يخرجوا من العراق. لأن تواجدَهم فيه يضمن لهم السيطرةَ على احتياطياتٍ هائلةٍ من النفط ويُـمَـكِّـنُـهم من مراقبة البرنامج النووي الإيراني عن قرب ويتيحُ لهم إمكانيةَ التحكم في النزاع العربي الاسرائيلي وإدارةِ مشاكل هذه المنطقة، التي تحتل مرتبةً متقدمة في سلم أولوياتِ السياسةِ الخارجية الامريكية. ولهذه الأسباب مجتمعةً تواصل واشنطن اختلاق الحجج والذرائع لكي تُـبقي على تواجدها العسكري في العراق.
فقد بات معلوما أن واشنطن سوف تحتفظ في العراق ولفترة غيرِ مُـحددة بمن أسمَـتْـهم بالـ"خبراء العسكريين". واجترحتْ ما يمكن اعتبارُه "سابقةً في عالم السياسة" عندما منحت وزارةَ الخارجية صلاحياتٍ عسكريةً. حيث أبقتْ أكثر من 1500 آلية عسكرية ما بين مدرعاتٍ ثقيلة وناقلاتِ جنودٍ مصفحة بحجة حماية السفارة والقنصليات الامريكية في العراق. وبالإضافة إلى ذلك تخطط الخارجيةُ الأمريكية لاستئجار 7 آلاف فرد من منتسبي الشركات الأمنية الخاصة للقسام بهمات باتت مكشوفة بعد فضائح شراكة المخايرات الاميركية مع شركة بلاك ووتر الامنية. ويختم المحلل نيكونوف أن تاريخ الولايات المتحدة يثبت أنها لم تخرج أبدا من منطقة دخلتها. وتمثل فيتنام استثناءً فريدأ لأنها أرغمت الولايات المتحدة على الانسحاب.
وبالانتقال الى أفغانسـتان فان الوقائع الميدانية والدراسات الجيوسياسية تتطرق لأوضاع القوات الاميركية هناك مُـذكِّـرةً بأن الغرب شن حربه على أفغانستان بحجة أنه كان من الضروري الحيلولة دون تحول ذلك البلد إلى دولة مارقة. أما الآن فيرى الغربيون أنه ما دام هناك ولو القليلُ من الاستقرار فَمِنَ الخطأ المخاطرةُ بسحب القوات من تلك الدولة.
اذ أنه ليس ثمة ما يُـشير إلى أن أفغانستان تتحول إلى دولة مستقرة. وأن من واجب الغرب أن يعترف بكل جرأة بأن الحملة الأفغانية لم تجلبِ النتائج المرجوة. وأن من الأفضل لهذا الغرب أن يركز جهوده على التصدي للإرهاب. ذلك أن مكافحة الإرهاب لا تتطلب الدخول في حرب حقيقية. لهذا ينبغي على "الناتو" أن يباشر في سحب قواتِـه من أفغانستان في أقرب وقت ممكن. ويلاحظ المحللون أن الساسة الغربيين يتجاهلون عن قصد هذا الاستحقاق ويسترسلون في التـنظير حول قضايا الثقة بالغرب. علما بأن ما يقلقهم في واقع الأمر هو مصالحُـهم الشخصية ومصالحُ الأحزاب التي أفرزتهم. فقد بات من الواضح تماما أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للتحرك في أفغانستان تهدف إلى الصمود حتى الانتخاباتِ الرئاسيةِ المقبلة. وفي الختام يعبر محللون اميركيون عن قناعتهم بأن إطالة أمد الحرب والرميَ بالمزيد من الجنود إلى التهلكة بهدف الحفاظ على شعبية الرئيس وحزبه عملٌ لا أخلاقي بكل المعايير.
وبالوصول الى ثالث نماذج ديمقراطية بوش وحماية البلدان من التحول الى مارقة ونعني نموذج الفوضى الاميركية في لبنان نجد ان هذا البلد بدوره يتحول نحواللااستقرار ليكمل مثلث الدول التي تحولت الى الفوضى المهددة لسكانها بسبب فشل تصدير الديمقراطية الاميركية.
هكذا اصبح بامكان المؤرخين ،البعيدين عن سجال السياسة بحكم اختصاصهم، ان يؤكدوا ان هذه البلدان كانت اكثر استقراراً وأمناً لسكانها قبل التدخل الاميركي فيها. دون ان يعني ذلك انها كانت تعيش الحياة الوردية في ظل انظمتها السابقة. هذا الكلام كان مجلبة لتهم سياسية تصل الى حد الاتهام بدعم الارهاب والتطرف لكنه تحول الى حقائق تاريخية لا يمكن الالتفاف عليها.
وما لم تعترف به اميركا لغاية الآن هو عجزها عن الخلاص من الدمى السياسية التي اختارتها لتسلم قيادة تلك المجتمعات تحت الاشراف الاميركي. وهو شكل اكثر إنتهاكاً لحرمة البلاد وسكانها من صيغة الانتداب التي ظهرت عقب الحرب العالمية الثانية.
فقد خسرت واشنطن معركتها ضد كرزاي كما فشلت في اقناع المالكي بتقديم اي تنازل وهي استجابت للضغوط الاقليمية لتتحمل وزر كرزايات لبنان. وهذه الكرزايات ستدخل يوما ما في حسابات اخطاء السياسة الاميركية الخارجية. كما ان هؤلاء الكرزايات سيشكلون وحدهم سبباً كافياً لتشويه الصورة الاميركية لعقود قادمة. كما لإعطاء إجابة حاسمة لاي اميركي يعيد طرح سؤال: "لماذا يكرهوننا؟".
حيث تكفي متابعة تقارير الفقر والفساد الذي يمارسه كرزايات الديمقراطية الاميركية في البلدان الثلاث للاجابة عن اي سؤال يتعلق بالظلم الاميركي لشعوب العالم.
الخلاصة ان كرزاي افغانستان يحكم عبر انتخابات ادانها العالم بمؤسساته بالتزوير ومع ذلك حضر تنصيبه كبار المسؤولين الاميركيين. أما العراق فقد تركته واشنطن بدون حكومة لعجز استغرق المدة الدستورية الكافية لالغاء الانتخابات البرلمانية العراقية. اي انها تركته بدون برلمان وبدون حكومة. اما في لبنان فان الصحف الاميركية اليومية أكدت ان انتخابات 2009 لوحدها كلفت دولة عربية لوحدها ملياراً من الدولارات.
انها معالم الشـر الاميركي التي تؤكد ان حروب اميركا المنتهية هي في واقعها حروب لامنتهية. مع ما تفرضه الحروب اللامنتهية من تبعات سبق للولابات المتحدة اختبارها في المنطقة. ونتوقف هنا عن الشرح حتى لانتهم يوماً بالتورط في اغتيال كرزايات اميركا في المنطقة. وبعضهم بالمناسبة يلعبون ادوارهم خارج الدول الثلاث المذكورة.

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية