ليــالي الكريستال العربية

 

لم تعد التدخلات الاجنبية في المعادلات التوازنات السياسية القائمة في بلد ما مدرجة في خانة المؤامرة. خاصة عندما يكون ذلك البلد مديناً للدولة او الدول المتدخلة في شؤونه. فالتدخل مقابل الإقراض بات قاعدة متعارفاً عليها بين الدول.

ومن مبدأ الفائدة في مواجهة المخاطرة باتت الدول الغنية وتلك المتحكمة بمؤسسات الاقراض الدولية تسعى لتقديم الاغراءات وربما اعلانات دعائية لجذب الدول واقناعها بالاقتراض.

من جهتها قامت الولايات المتحدة ومنذ وقت مبكر بانشاء فريق "السفاحين الاقتصاديين" ومهمته سفك دماء اقتصادات الدول وثرواتها عن طريق تغذية الفساد بين مسؤولي هذه الدول. بحيث يصبحوا متهافتين لتأمين نسبتهم المئوية من القروض. شرط الا توظف اموالها في مشاريع ذات جدوى اقتصادية قادرة على سداد القروض. فهذه القروض تستهدف تثبيت الاستعمار الاقتصادي كشكل جديد للاستعمار.

الدول التي تجتاز امتحان القروض بمقاومتها والاصرار على رفضها تحصن نفسها ضد هذا الاستعمار بما يحولها الى مارقة بتعبير الرئيس ووكر بوش. وبالتالي فهي تصبح مواضيع حصار وتضييق اقتصادي متعدد الدرجات بانتظار فرصة مناسبة للانقضاض عليها والذرائع جاهزة دائماً.

المسألة اذا لا تتعلق بالاعتراض على التدخل السياسي ولا على نفوذ السفراء والسفيرات. لكن الاعتراض بات يتركز على الفاشية التي وظفها الرئيس الاميركي بوش لتسريع ما اعتبره مشروعه لتثبيت لسيادة الاميركية على  العالم لقرن جديد. وفي سياقه السطو على ثروات العراق وجواره لتصحيح مسار الاقتصاد الاميركي المتهاوي منذ منتصف التسيعنيات فترة الافلاس الفعلي للشركات الاميركية الكبرى.

كنا قد توصلنا لاقناع انفسنا بان الواقعية السياسية في ظل قطب عالمي اوحد تقتضي قبول التحكم الاميركي في تثبيت حكام وإقصاء آخرين. ومعها التدخل في انتخابات البلدان الاخرى والتأثير عليها كون التدخل الاميركي لا يتنافى مع الديمقراطية التي تريد واشنطن نشرها والتبشير بها في العالم.

وبغض النظر عن اقتناعنا او رفضنا فان المسؤولين الاميركيين بدأوا يتحدثون عن حكام العالم الثالث وكأنهم موظفون في احدى الشركات الاميركية الصغيرة. بحيث يسرب الاميركيون رغباتهم ونواياهم تجاه هؤلاء الحكام. بين تثبيتهم واقصائهم وصولاً الى نفيهم.

وتجاوز بوش كل هذه الحدود اذ خاض حرباً للقضاء على أسامة بن لادن وأخرى للقضاء على صدام حسين بتكلفة ملايين الارواح العراقية والأفغانية.

وربما تنبه بوش الى الكلفة العالية لهذا الشكل من الاغتيال واحتمالات فشله وايضاً مقتضياته العسكرية. وهو ما يفسر لجوء بوش الى الاغتيالات السياسية كوسيلة لتسريع مشروعه. وبطبيعة الحال فان اسرائيل جاهزة للمشاركة في اية صفقة من هذا النوع كون المقابل الاميركي مغرياً.

سلسلة اغتيالات بوش تبدأ من واقعة انشاء فرق القتل الاميركية في افغانستان. وهو ما استنكره اوباما بداية لغاية دعوته لمحاكمة مسؤولي المخابرات الاميركية المتورطين بهذا الملف. لكن هنالك من شرح لاوباما خطورة الوضع لغاية اقناعه بتحويل سياسة القتل هذه الى روتينية مع زيادة نشاطها وتكثيف غارات الطائرات التي تقوم بهذه العمليات.

وبالانتقال الى الاغتيالات المباشرة قامت الاستخبارات الاميركية واجنحتها المساعدة بعدة محاولات لاغتيال الرئيس الفنزويلي هيغو تشافيز. كما جرى اغتيال الرئيس ياسر عرفات بايدي اسرائيلية دون ان يسمح بمجرد الاعلان عن حقيقة وفاته مقتولاً غيلة. وهو ما لم بيمح بتأكيده لغاية اليوم. وقبل عرفات تأتي الوفاة الغامضة لفيصل الحسيني في الكويت ووفيات غامضة أخرى.

ولنتوقف عند اغتيال نعتبره المثال الاصلح بسبب ما كشف من ملابساته وهو اغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح في دبي في يناير من هذا العام.

الامن الاماراتي كشف عن ضلوع الموساد الاسرائيلي في تنفيذ الاغتيال مع نشر صور المشاركين بالعملية بصورهم وصور جوازاتهم المزورة وبطاقات الدفع الالكترونية التي استعملوها.

تصوروا الوضع فيما لو فشل الامن الاماراتي بالكشف عن هذا الاغتيال!. فالعلاقات الاماراتية مع حركة حماس كانت متوترة بل في اقصى درجات التوتر. وغذتها قرارات ابعاد فلسطينيين تابعين لحماس من الامارات بداعي خطرهم على الامن الوطني الاماراتي. وبمعنى آخر فان الامارات اعلنت اعتبار حماس وجماعاتها خطراً على أمنها.

وفق هذا الواقع كان العالم العربي سينقسم بين مؤيد ومعارض للإغتيال دون البحث في حقيقة منفذيه. كون التهمة سوف تثبت على الامارات كفرضية منطقية قد تحتاج لحملة اعلامية مكثفة لتثبيتها.

الجناح العسكري في حماس كان عليه ان يقوم بطقس الثأر المقدس ضد الامارات وضد قتلة رئيسه المبحوح. أما الجمهور المؤيد لحماس فهو كان سيدعو للانتقام بدوره منتظراً الفرص المتاحة للاحتجاج على مقتله. وبما ان حماس معادية لاميركا فان هذا الجمهور لن يجد من يدفع له أجر المشاركة في المظاهرات والاحتجاجات. وهو كان مضطراً لإسترجاع تعابير وشعارات قديمة تكرس تقسيم الدول العربية الى معتدلة وممانعة.

وإستطراداً فان مصطلح الممانعة جديد طازج حتى انني لم الحق به قبل اصدار كتابي "في مواجهة الامركة" حيث كان بفترض استبداله بعنوان "في ممانعة الامركة".

فماذا لو لم يتم الكشف عن مسؤولية الموساد باغتيال المبحوح. اضافة لكل ما تقدم كان على الامارات ان تتخلى عن انفتاحها لتنتظر الانتقام. وكان روادها سيتجنبونها بانتظار نهاية الانتقام. وباختصار شديد فان وضع الامارات كان سيكون أقرب الى وضع سوريا بعد اتهامها باغتيال الحريري. مع تسجيل الفوراق بين البلدين على أصعدة متفرقة وكثيرة.

فاذا ما أرادت الامارات تجنب كأس شبيهة بالكاس السوري فان النصيحة الاميركية الجاهزة لها كانت عدم الاعتراف بموت المبحوح غيلة كما تم التكتم على اغتيال عرفات. ولهذه التغطية ثمن كان لا بد للامارات من دفعه للنجاة من الوضعية السورية.

لقد نفذ السيد هتلر ليلة كريستال واحدة اما ليالي كريستال بوش فنحن بحاجة للمزيد من الوقت لإحصائها. فعمليات القتل الاميركي الاسرائيلي لم تقتصر على الرؤساء والزعامات والقيادات بل هي لاحقت اصغر قيادي في المجموعات الطالبانية في تورا بورا.

الآن من اغتال الرئيس الحريري ومن هم قتلة الحريري؟.

قيل لنا لوهلة انها سوريا وعرفنا مؤخراً انها بريئة وان اتهامها كان سياسياً.

 

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية