العلاقات الروسية-الإيرانية بعد قرار العقوبات
 

في التاسع من شهر يونيو 2010 تبنى مجلس الأمن الدولي القرار 1929 في الجولة الرابعة من العقوبات ضد إيران على خلفية إخفاقها في وقف برنامجها النووي، وقد تضمن القرار العقوبات الأقسى ضد إيران بما فيها حظراً على تصدير ثماني فئات رئيسية من الأسلحة التقليدية، وقد أيد القرار كل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي بما فيهم روسيا والصين.[1]

يمثل التأييد الروسي للجولة الجديدة من العقوبات تغييراً ملحوظاً في سياستها تجاه البرنامج النووي الإيراني، ففي خريف 2008 -بعد شن روسيا الحرب على جورجيا والتي لقيت معارضة شديدة من قبل إدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش- قررت روسيا عرقلة الإستراتيجية الدولية الهادفة لتصعيد العقوبات والتي اتبعتها مع القوى العالمية الخمسة –الولايات المتحدة والصين وألمانيا وفرنسا وبريطانيا-، وقد بدأت تلك الإستراتيجية في عام 2006 نتج عنها ثلاث جولات من العقوبات طورتها المجموعة وقدمتها أمام مجلس الأمن الدولي، ولكن بسبب المعارضة الروسية والتغييرات في الإدارات الأمريكية لم يتم تبني عقوبات صارمة ضد إيران من طرف مجلس الأمن الدولي في الفترة ما بين مارس 2008 ويونيو 2010.[2]

ومن هذا المنطلق يمكن إثارة مجموعة من الأسئلة: إلى أي مدى تغير الدور الروسي منذ عام 2006 ؟ وهل جاء هذا الدور نتيجة نقاشات داخلية حول مصالح كبرى أو نتيجة تحول التفكير الاستراتيجي الروسي تجاه إيران والولايات المتحدة من الارتباط والتعاون الاستراتيجي إلى التعاون المحدود والحذر نتيجة عدم قدرة روسيا على قراءة نوايا طهران النووية خلال العقدين الماضيين؟

بإلقاء نظرة متأنية على التطور العام للعلاقات الروسية-الإيرانية والعلاقات الأمريكية-الروسية وخصوصاً في مكونها النووي يبرز المأزق الذي تواجهه موسكو بين المخاوف من الانتشار النووي وبين الإغراءات الاقتصادية والجيوبوليتيكية من ناحية، والتحديات التي تواجه حالياً المجتمع الدولي بهدف تجنب أزمة نووية إيرانية.

روسيا وإيران: الأولويات الثنائية المتحولة:

لم تأتي العلاقات الروسية-الإيرانية من العدم ولم تظهر فجأة إلى الوجود بل كان لها جذور تمتد للعديد من السنوات الماضية، فمنذ الثورة الإسلامية في إيران ربحت قوى دولية أخرى من بينها الاتحاد السوفياتي الرصيد الكبير الذي خسرته الولايات المتحدة. و يظهر تفحص التطور التاريخي للعلاقات الثنائية لنا بوضوح أنه يمكن التمييز بين خمسة مراحل مرت بها تلك العلاقات:

المرحلة الأولى: تمتد من 1979 إلى 1981 وسادها الحرص على الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع القوتين العظميين ثم الانفتاح المحدود على الاتحاد السوفياتي بعد الحظر الاقتصادي الغربي على إيران.

المرحلة الثانية: تمتد من 1981 إلى 1983 وبدأت بالتقارب بفعل زيادة تأثير حزب تودة الشيوعي على الساحة الإيرانية والدعم العسكري السوفياتي لإيران، وانتهت بفتور هذا التقارب مع تحول الاتحاد السوفياتي إلى تأييد العراق.

المرحلة الثالثة: تمتد من 1983 إلى 1988 مع اشتعال أزمة دبلوماسية بين البلدين بسبب ما تردد عن تورط 18 دبلوماسياً سوفياتياً في التجسس على إيران وقيام الحكومة الإيرانية بطردهم.

المرحلة الرابعة: تمتد من 1988 إلى 1991 وتميزت بالتهدئة وخاصة مع انسحاب الاتحاد السوفياتي من أفغانستان. أما في المرحلة الخامسة فقد وجدت إيران نفسها أمام تطورات جيوبوليتيكية واستراتيجية أساسية جراء انهيار الاتحاد السوفياتي ونشوء خمس جمهوريات إسلامية على حدودها، وفي هذه المرحلة وجدت روسيا في السياسة الإيرانية الهادئة تجاه أزمات البلقان: أرمينيا-أذربيجان، والبوسنة والهرسك، وشيشينيا وكوسوفا، ثم شيشينيا مرة أخرى ما يهدئ مخاوفها من تصدير إيران "للأصولية الإسلامية"، وتلك كانت الخلفية التي توثقت فيها علاقات التبادل التجاري والعسكري بين الدولتين وصمدت في مواجهة الضغوط الأمريكية خاصة لتوقيف بناء مفاعل بوشهر النووي.[3]

ومنذ نهاية الحرب الباردة أصبح لروسيا مصالح متضاربة تجاه إيران، فمن ناحية برزت إيران على نحو معتبر في الحسابات الإقليمية الروسية، حيث ساعدت في منتصف التسعينيات في إنهاء الحرب الأهلية الدامية التي عصفت بطاجيكستان، وهي دولة صغيرة وسط آسيا صغيرة استراتيجيا ويتكلم سكانها لغة أقرب إلى اللغة الفارسية، ومع حلول القرن الواحد والعشرين أيدت إيران وروسيا التحالف الشمالي في أفغانستان في مواجهة حركة طالبان قبل أن تصبحا أشد المعارضين للائتلاف الأمريكي في أفغانستان. وخلال الحروب في شيشينيا في منتصف التسعينيات وأوائل القرن الواحد والعشرين، ساعدت إيران في تهدئة العالم الإسلامي بخصوص ما عرف بالاستعمال المفرط للقوة ضد المسلمين من قبل روسيا، وقد منحت روسيا رغم كل الانتقادات وبمساعدة إيران عضوية الملاحظ في منظمة المؤتمر الإسلامي.

من الناحية الجيوسياسية والجيواقتصادية يشكل بحر قزوين وإيران بسواحلها على الخليج العربي بوابة روسيا على المحيط الهندي، وقبل عقد من الزمن كانت هناك محادثات حول تطوير خطوط نقل النفط والغاز الروسي إلى العالم، وكذلك بالنسبة لطرق التجارة التي تمكنها من ربط روسيا وكذا أوربا مع الهند عبر الإقليم الإيراني. فإيران تحافظ على علاقات جيدة مع أرمينيا، وهي الحليف الوحيد لروسيا في منطقة جنوب القوقاز، وهذه الدولة تقع تحت حصار أذربيجان وتركيا بسبب الخلافات حول الأقلية الإثنية الأرمينية في ناغورنو كرباخ، وقد كانت قدرة روسيا على الحفاظ على بوابة إلى أرمينيا عبر جورجيا دائماً عرضة للمخاطر بسبب العلاقات السياسية المتوترة بين موسكو وتبيليسي، وفي هذا السياق يمكن لإيران أن تكون بمثابة بوابة بديلة، حتى أن روسيا تساهلت في إنشاء أنبوب غاز طبيعي يربط إيران بأرمينيا.

اقتصادياً، لعبت إيران خلال سني التسعينيات دوراً مهماً في ضمان بقاء صناعة الطاقة النووية الروسية في الوقت الذي كان مشروع بوشهر أحد العقود الأربعة التي أبرمتها روسيا في الخارج في مجال منشآت الطاقة النووية، وبعد سنوات قليلة كانت هناك آمال كذلك بأن تصبح إيران أحد أكبر مستوردي الأسلحة التقليدية الروسية، فضلاً عن ذلك تمتلك الدولتان ثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي عالمياً، وقد جعلت روسيا الاهتمام بتطوير احتياطيات إيران من الطاقة في صلب أولوياتها، وكان لهما أيضاً أرضية مشتركة للتعاون في مجال جيوبوليتيك الطاقة.

لكن العلاقات الروسية-الإيرانية لم تكن دائماً جيدة، فقد نظرت موسكو بريبة إلى محاولات إيران لتوسيع نفوذها في منطقتي القوقاز وآسيا الوسطى، ومن المعروف أن إيران تعترض على موقف روسيا وكازاخستان وأذربيجان الداعي إلى أن تكون مياه قزوين عامة فيما يتم تقسيم قاع البحر بين الدول المطلة عليه اعتباراً من خط الوسط، وترى إيران أن مثل هذا التقسيم سيهضم حقوقها مقارنة مع الدول الأخرى لأنها في هذه الحالة ستحصل على 13% من إجمالي قاع البحر، وتطالب طهران بأن تحصل على 20% على أساس أن يكون تقسيم ثروات البحر بالتساوي بين الدول المطلة عليه، كما تعارض روسيا علناً مواقف إيران الحادة تجاه إسرائيل والتي يقطنها حوالي مليون ناطق باللغة الروسية، وترفض رسمياً التصريحات المعادية لإسرائيل والصادرة من طهران.

وبحلول عام 2010 تحولت كذلك العديد من المصالح، فقد خفضت انتهاء الحرب في شيشينيا من الحاجة للمساعدة الإيرانية في تهدئة انتقادات الدول الإسلامية، علاوةً على ذلك فإن مهمة الحفاظ على استقرار منطقة شمال القوقاز تطلبت العمل مع جالية شمال القوقاز التي تقطن تركيا وبعض الدول العربية والتي لديها علاقات معقدة مع إيران، وبالمثل فقد ساهم استقرار طاجيكستان في تغيير الرؤى بخصوص التأثير الإيراني هناك، فإذا اعتبرنا عشر سنوات من ذلك التأثير إيجابية فإنها قدرت مؤخراً بصيغ أقل قيمة. وقد انخفضت كذلك قيمة التعاون مع إيران في أفغانستان، فبسبب التواجد الواسع للقوات الأمريكية في تلك الدولة تطلبت مهمة احتواء الطالبان والتي لا زالت أولوية التفاعل مع الولايات المتحدة والحلفاء الأوربيين في المقام الأول، فقد تكون إيران ضرورية في استراتيجيات بديلة ولكن دورها الحالي في تسوية المشكلة الأفغانية مؤجل.

 لم تؤجل الآمال في التعاون الاقتصادي الثنائي فقط، بل بقيت مشاريع الطاقة المشتركة في مرحلة التخطيط بسبب البيروقراطية الروسية، وحتى مشروع بوشهر والذي دخل أخيراً في مرحلة الاكتمال فقد أهمية بالنسبة لصناعة الطاقة النووية الروسية، والآن تتفاخر روسيا بحقيبة واسعة من عقود بناء مفاعلات تجارية في الصين والهند وبلغاريا وأوكرانيا وفي روسيا ذاتها. وإجمالاً فقد تجاوز الميزان التجاري الثنائي الروسي-الإيراني خلال 2009 ثلاث ملايير دولار، وهذه النسبة متواضعة جداً مقارنة مع حجم التجارة الروسية مع تركيا مثلاً والتي بلغت تقريبا عام 2008 ثلاثون مليار دولار، مما يعني –بخلاف الرؤى السائدة- أن مصالح روسيا الاقتصادية متواضعة في إيران، فالتجارة الروسية مع إيران متواضعة نسبياً مقارنة مع التجارة مع ألمانيا، وبعيدة جداً مقارنة مع التجارة الصينية مع إيران بالنظر للخطط الصينية لاستثمار العديد من ملايير الدولارات في الاقتصاد الإيراني.[4]

أما باعتبار المصالح الجيوبوليتيكية الروسية والتي تتعلق بدعم علاقاتها مع إيران حتى تكون بمثابة بوابة من أجل عبور روسيا إلى المحيط الهندي فقد أظهر العقد الأخير افتقار موسكو الأساسي للاهتمام بالمنطقة ما عدا بالنسبة لتنفيذ مهام بحرية محدودة مثل محاربة القرصنة، فليست روسيا بحاجة للتحليق فوق الأجواء الإيرانية حتى من أجل الوصول إلى أرمينيا، فقد تكون احتمالات رفع تركيا حصارها نتيجة لتطبيع علاقاتها الثنائية مع يرفان الحديثة نسبياً مقاربة أكثر جاذبية من تطوير بنى نقل عبر الحدود الإيرانية-الأرمينية.  وبالتالي تريد روسيا الحفاظ على تدخل إيراني أقل في آسيا الوسطى والقوقاز، حيث ينظر بعض المحللين الاستراتيجيين في موسكو بأنه بإمكان إيران على المدى البعيد أن تصبح منافساً جيوبوليتيكياً في الأقاليم المسلمة في روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق ولكنهم لا يعتقدون بضرورة الصدام معها.[5]

مصالح روسيا العالمية:

تستعمل روسيا إيران كقطعة في لعبة شطرنج متعددة الأبعاد تتضمن اعترافاً واقعياً بضعف موسكو النسبي مقارنة مع الولايات المتحدة مع رغبة في إزاحة واشنطن من منطقة الخليج وهي منطقة حيوية سياسياً وعسكرياً، فالأرباح الجيوبوليتيكية لإضعاف النفوذ الأمريكي في المنطقة ترجح على أي مخاوف من إيران نووية، وبالتالي فإن الكرملن لا ينظر إلى إيران كتهديد ولكن كشريك وحليف لتحدي القوة الأمريكية من خلال توسيع نفوذ روسيا الإقليمي والدولي،[6] وتهدف هذه الإستراتيجية أساساً إلى إيجاد عالم متعدد الأقطاب حيث تحاول كل من روسيا وإيران تمييع القوة الأمريكية وإعادة بناء قواعد المؤسسات المالية الدولية الحالية وإضعاف الحلف الأطلسي ومنظمة الأمن والتعاون في أوربا وتكوين تحالف مضاد يكون كثقل موازن للهيمنة الأمريكية من الأرجح أن يضم روسيا وإيران والهند والصين وفنزويلا وسوريا ومنظمات "إرهابية" مثل حماس وحزب الله.[7] وقد ارتقت العلاقة بين البلدين ووضعت في إطارها الاستراتيجي بعد وصول الرئيس بوتين إلى السلطة في روسيا، وإلغائه اتفاقية غور-تشيرنوميردين عام 2001، والتي كانت تلتزم روسيا فيها بعدم بيع تقنيات متطورة إلى إيران.‏

وإذا جلبت الأولويات الإقليمية الماضية موسكو وطهران أقرب لبعضهما البعض فقد باعدت المصالح العالمية بما فيها عدم الانتشار بينهما، حيث تعتبر روسيا عدم الانتشار أحد أهم أولوياتها وتعتقد بأن الانتشار النووي وخصوصاً ضمن دول الجوار سوف يؤثر على نحو كبير سلبياً على أمنها باعتبار هشاشة محيط حدودها. ففي خلال التسعينيات رأى بعض المحللين بأنه رغم أن امتلاك إيران السلاح النووي يعد أمراً غير مرغوب فيه إلا أنه بالنسبة لروسيا فلا يعد من قبيل الكارثة لأسباب عديدة، فأولاً: تتقاسم روسيا وإيران سياسياً العديد من المصالح المشتركة والتي تجعل من الحرب بينهما غير مرجحة، وثانياً: أن روسيا تتمتع بتفوق نووي كبير جداً مقارنة مع إيران حتى في المستقبل المنظور، وهذا ما سوف يسمح لها بالاعتماد على الردع النووي لمنع أي هجوم من إيران.[8]

ولكن التطورات الأخيرة أثبتت بأن الوضع ليس بسيطاً، ففي الواقع لم تسبب التجارب النووية الهندية عام 1998 قلقاً رئيسياً لموسكو ولكنها في المقابل أشعلت تجارب مماثلة من قبل باكستان، ويعتقد العديد من المحللين أن التطورات المقلقة قد حدثت نتيجة للعلاقات الحميمة بين إسلام أباد وحركة طالبان والتي كانت تسيطر في ذلك الوقت على جزء كبير من أفغانستان، وقد أثبتت من جهة ثانية بأن الانتشار النووي ضمن الدول الصديقة قد يصبح حافزاً على انتشار إقليمي أشمل، وبالتالي حتى الدول التي تصنف عادة في فئة مصادر القلق الأمني بإمكانها أن تتحصل بدورها على الأسلحة النووية.  

علاوةً على ذلك فقد أجبرت الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001 الواسعة النطاق والتي نجم عنها مئات القتلى من المدنيين الهيئات الدولية على إعادة النظر في إمكانية استعمال الجماعات الإرهابية الأسلحة النووية، فكلما امتلكت دول أكثر ترسانات نووية كلما زاد احتمال وقوع الأسلحة في أيدي الجماعات الإرهابية، ورغم أن تلك الجماعات التي هاجمت موسكو هي أساساً من المسلمين السنة فإن الطبيعة الأساسية للنظام الإيراني زيادة على إمكانية تحلله في المستقبل قد أثارت مخاوف موسكو تجاه جهود إيران النووية خصوصاً بعد استمرار إيران في عملية التخصيب واكتشاف موقع ثاني سري للتخصيب قرب قم ورفض إيران للعرض الروسي لتخصيب اليورانيوم الإيراني على الأراضي الروسية.[9]

أدى كل هذا في السنوات التالية بموسكو إلى ممارسة ضغط أكبر على إيران تجلى في عدة مظاهر أولها إلحاح روسيا بأن الوقود المستعمل في بوشهر يجب استرجاعه بغرض منع مكون البلوتونيوم من الفصل والاستعمال في الأسلحة النووية، ومن دون هذا الاتفاق هددت روسيا بعدم تزويد الوقود الضروري لعمل المفاعل، وقد أصرت روسيا على هذه الشروط خلال التسعينيات من القرن الماضي، وقدمت من الفترة الممتدة من 2003 إلى 2005 هذه المقترحات إلى الترويكا الأوربية –فرنسا وبريطانيا وألمانيا- في إطار الحلول الدبلوماسية لحل المسالة النووية الإيرانية، وفي العام 2006 بعد أن بدأت إيران تخصيب اليورانيوم على نطاق واسع وافقت روسيا على فكرة مناقشة هذا التطور في مجلس الأمن، وصوتت في الفترة الممتدة ما بين 2006 و2008 على كل قرارات العقوبات الثلاث ضد إيران.

كذلك برز الرفض الروسي لنشاطات إيران النووية في إرجاءها تزويد طهران بأنظمة دفاعية جوية من طراز S-300 وهي صواريخ من نوع "باتريوت" باستطاعتها تدمير الصواريخ الباليستية التي تخشى إيران أن تكون هدفاً لها من إسرائيل أو من القوات الأمريكية في الخليج، ففي عام 2005 وقعت الدولتان على عقد بموجبه تقوم روسيا بتزويد إيران بتلك الأنظمة، وبالرغم من مخاطر دفع غرامات فقد أخرت موسكو العملية للعديد من السنوات تحت ذريعة "الأسباب التقنية"، وقد ربط العديد من المحللين التأخير بالضغوط الأمريكية والإسرائيلية على موسكو، وقد أظهرت موسكو في الماضي قدرتها على مقاومة تلك الضغوط في حالة اقتناعها بأن إتمام الصفقة في مصلحتها، حيث برز ذلك مع مشروع بوشهر خلال التسعينيات ومع صفقة تزويد الهند بالوقود في بداية الألفية حينما كانت تلك الصفقات ممنوعة من ناحية ومع بعض مبيعات الأسلحة للشرق الأوسط من ناحية أخرى، ويربط العديد من المحللين التأخيرات المعتبرة في إكمال مشروع بوشهر بالرغبة في ممارسة ضغوطات إضافية على طهران، كما يربطها آخرون بالتعقيدات التكنولوجية والمالية والتنظيمية المتعددة المرتبطة بالمشروع ذاته.

لكن في كل الأحوال، يتعارض الخطاب الإيراني العدواني المندد بقرارات مجلس الأمن مع مصلحة روسية أخرى حيث يصرح الكرملن دورياً بأن مجلس الأمن الدولي يمثل المؤسسة المركزية في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وقد أضرت التصريحات الإيرانية وعدم امتثالها للقرارات بمصداقية المؤسسة وبالتالي بالحسابات الروسية المرتبطة بها.

العلاقات الأمريكية-الروسية:

لاشك أن الدول الكبرى لها حساباتها الجيوسياسية في مواقفها من هذه الدولة أو تلك ومن هذا النزاع أو ذاك، وهي تسعى دائماً لأن تحقق مكاسب مهمة في منطقة تعتبرها أكثر حيوية لمصالحها القومية، مقابل تنازل تقدمه في مكان آخر أقل أهمية لها، هذه المعادلة صحيحة تماماً عندما يدور الحديث عن وجود متنافسين اثنين، لكن الأوراق يمكن أن تختلط وتنتج هذه المعادلة مفعولاً عكسياً في ظل وجود أكثر من منافس وأقطاب دولية آخذة في التشكل وتتسابق على مناطق للنفوذ وتتساوى في القدرات والإمكانيات.‏

فرغم أهمية العلاقات الروسية-الإيرانية بالنسبة لموسكو إلا أنه في الوقت ذاته يجب أن ينظر إليها كورقة ضغط في سياستها تجاه الولايات المتحدة، ويعد الرفض الروسي لاستمرار تأييد الضغط على إيران بعد "الحرب الباردة الصغيرة" مع الولايات المتحدة بسبب الحرب في القوقاز عام 2008 مثالاً على ذلك، وفي هذا الإطار تبدو رغبة موسكو في معاقبة إدارة بوش على ما تراه كتدخل مفرط في الحرب الروسية-الجورجية عام 2008 أنها تتعارض مع المصالح الروسية المتعلقة بعدم الانتشار ودور الأمم المتحدة، ولكن استعمالها للمقترحات المتعلقة بحل أزمة البرنامج النووي الإيراني كورقة ضغط يعني أنه إذا تحسنت العلاقات الأمريكية-الروسية فإن موسكو ستولي أهمية أقل للتفاعل مع إيران في المنطقة.

لقد اشترطت إدارة بوش دخول اتفاق التعاون النووي السلمي مع موسكو حيز التنفيذ بالمساعدة الروسية حول المسألة الإيرانية، ففي شهر مايو 2008 وقع الرئيس الروسي قراراً بفرض العقوبات على إيران المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن الدولي، وقبل أيام قليلة أرسلت إدارة بوش اتفاق التعاون النووي إلى الكونغرس، ولكن في سبتمبر من تلك السنة تم رفع الاتفاق من الاعتبار بسبب الخلافات حول الحرب مع جورجيا. من المفارقة أيضاً أن غياب الاتفاق النووي قد تسبب في مشاكل أكبر للمصالح التجارية الأمريكية، وحتى في غياب الاتفاق فقد أتاح هذا الأمر للصناعة النووية الروسية بتصدير اليورانيوم منخفض التخصيب للسوق الأمريكية، وفي الوقت ذاته حرمت الشركات الأمريكية من التصدير لروسيا، ولم تكن روسيا بحاجة للتكنولوجيا النووية المدنية طالما أنها تمتلك قدرات وطنية، وبإمكانها كذلك استيراد المعدات الضرورية من العديد من الدول الأوربية واليابان.

ولأكثر من عقد من الزمن عبر قطاع الصناعة النووية عن رغبته في استيراد الوقود المستعمل من المفاعلات النووية الأمريكية الأصل من دول ثالثة مثل كرويا الجنوبية بغرض التخزين أو إعادة معالجته، غير أن ذلك لم يكن ممكناً قانونياً في ظل غياب اتفاق تعاون نووي، وهذا هو السبب الرئيسي لالتزام روسيا بالاتفاق، وقد كان قرار الرئيس أوباما في مايو 2010 بإعادة إرسال الاتفاق إلى الكونغرس يهدف بالتأكيد إلى جلب روسيا مرة أخرى إلى الطاولة بخصوص إيران، فضلاً عن عدة إيماءات مثل رفع العقوبات الأمريكية عن العديد من الشركات والجامعات الروسية لتعاونها المزعوم مع إيران في المجالات الحساسة في الماضي، وقد كان للتحسن العام في العلاقات الأمريكية-الروسية دوراً كذلك في تغيير الحسابات الروسية تجاه طهران.

كذلك تعتقد القيادة الروسية بأن إيران هي قوة صاعدة شرق أوسطية ولا تريد تحديها مباشرةً وبالتالي باعتبار المصالح الجيوسياسية والاقتصادية المرتبطة بتصعيد التوتر في المنطقة فمن غير الأرجح أن تقرر روسيا الإفراط في التدخل في إيقاف برنامج إيران النووي. ولكن الولايات المتحدة تعتقد أنه في حالة امتلاك إيران السلاح النووي فستعمل على تغيير قواعد اللعب لصالحها وكذلك التوازن الاستراتيجي في المنطقة وفي العالم، ومن الأرجح أن تستعمل سلاحها للاستقواء على جيرانها وردع الولايات المتحدة والقوى النووية الأخرى، وتقديم الدعم لوكلائها الإرهابيين مثل حماس وحزب الله، وسوف تهدد الوجود الأمريكي في الخليج وحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وسوف تشعل سباق تسلح نووي إقليمي يضم المملكة العربية السعودية وتركيا وسوريا ومصر، وسوف تهدد وجود إسرائيل.[10]  

وفي المستقبل سيكون من الصعب مقايضة الموقف الروسي من العقوبات الصارمة ضد إيران بالنظر لتشابك القضايا الخلافية بين موسكو وواشنطن، حيث لن يكون كافياً لموسكو إعطاء وعود كاذبة بعدم توسيع الحلف الأطلسي شرقاً وعدم نشر أنظمة الدفاع الصاروخي في جمهورية التشيك وبولونيا، وأنه لن يتم التدخل في الشؤون الداخلية لجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق ولن يتم تأييد القوى السياسية المعادية لروسيا، علاوةً على ذلك ستكون روسيا أكبر المستفيدين من أي ضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية على إيران، ففي مثل هذا السيناريو سوف تتجاوز الولايات المتحدة مجلس الأمن وتؤجج مشاعر العالم الإسلامي ضدها مما سيجبر حتى الدول الإسلامية المعتدلة على اتخاذ مواقف منها، علاوةً على ذلك سوف تشن إيران هجمات انتقامية واسعة النطاق على الولايات المتحدة وحلفائها سوف تزعزع استقرار منطقة الشرق الأوسط وتزيد من ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها، وفي هذه الحالة ستقع الولايات المتحدة في مستنقع العالم الإسلامي وستحرم من الموارد والفرص التي كانت متاحة لها هناك، ولذلك سوف تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط وسيزيد من مداخيلها المالية الضرورية لإعادة هيكلة اقتصادها وتحقيق تنميتها الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة فيها.[11] 

وعلى الرغم من أن روسيا سوف تعارض أي ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية فإنها سوف تكون أكبر المستفيدين من ذلك، ففي ضوء المكاسب التي سوف تحققها من هذا السيناريو يصعب التنبؤ بنوع التعاون الذي سوف يكون بينها وبين الولايات المتحدة في المستقبل.  

ردود الأفعال الداخلية الروسية:

لقي التأييد الروسي لقرار مجلس الأمن الدولي حول العقوبات الجديدة ضد إيران انتقادات شديدة من طرف المتشددين في موسكو، حيث رأوا بأن العقوبات قد أحدثت نزاعاً لا طائل منه بين روسيا وإيران وأن المستفيد الوحيد منه هو الولايات المتحدة، والمعروف أن تطبيق العقوبات لا يتطلب تصديق البرلمان الروسي بل إنها تدخل حيز التطبيق بقرار رئاسي، وأن اللوبيات المؤيدة لإيران في الحكومة ووسائل الإعلام الروسية ضعيفة لدرجة التأثير على تطبيق العقوبات الأممية، وقد كان الرئيس الإيراني يأمل من وراء مهاجمة الرئيس الروسي ميدفيديف والسعي وراء لقاء رئيس الوزراء فلاديمير بوتين في إسطنبول الاستفادة بوضوح من "الشرخ المزعوم" في أوساط القيادة الروسية، لكن ملاحظات بوتين في تركيا قد عكست موقفا موحدا للقيادة الروسية في تأييدها للعقوبات الأممية.

أكدت التصريحات الرسمية الروسية بخصوص العقوبات على إيران على المعايير والحدود المهمة بالنسبة للكرملن بما فيها ضمانات بأن:

·       العقوبات لن تكون مثبطة وبالتالي فسوف لن تكون مؤثرة على الشعب الروسي،

·       لن تتضمن قرار السماح باستعمال القوة،

·       روسيا ستكون قادرة على الدفاع كليا على مصالحها الاقتصادية بالسماح باستمرار التعاون مع      إيران في قطاعات الطاقة النووية وبحوث الفضاء المدنية.

من الجدير بالذكر بأن روسيا بقيت معارضة لتطبيق عقوبات أحادية أكثر قسوة حيث تشير التصريحات الروسية بأنه على الولايات المتحدة وروسيا أن تديرا تطبيق العقوبات بطريقة تعاونية، ففي الولايات المتحدة جرى تأييد العقوبات بسبب أنها سوف تفتح الباب على عقوبات مماثلة من قبل الاتحاد الأوربي وربما بعض الحلفاء الآسيويين، وبالتالي فإن توسيع العقوبات فيما وراء العقوبات الأممية هو بالتحديد ما تعارضه روسيا، علاوةً على ذلك تبرز معارضة روسيا للعقوبات القاسية صعوبة مواصلة جولة خامسة من العقوبات، وبإمكان استمرار التعاون بين روسيا وإيران في مجالات الطاقة النووية المدنية والصواريخ والفضاء أن تقلق العديد في الولايات المتحدة بخصوص قدرة إيران على امتلاك التكنولوجيا النووية من روسيا، وأخيراً فإن الكرملن ليس مستعداً لتأييد قرار مستقبلي باستعمال القوة العسكرية.

بعد تبني قرار العقوبات حاولت روسيا وإيران الحد من الخسائر التي طالت علاقاتهما، حيث أعادت موسكو التأكيد على التزامها بإكمال مشروع بوشهر وذلك بحلول أغسطس 2010، وقد أشار بعض المسؤولين الروسيين إلى استمرار المحادثات مع إيران حول بناء منشآت الطاقة النووية تعمل بالماء الخفيف.[12] وفي الواقع فقد تسبب توقيف بناء مفاعل بوشهر في مرحلته النهائية بمشاكل تقنية كبرى، حيث قامت روسيا في السابق بتزويد المفاعل بعشرات الأطنان من اليورانيوم منخفض التخصيب، واليوم تنتج إيران تقريبا 2 طن من اليورانيوم منخفض التخصيب وهي نسبة قليلة جدا مقارنة مع ما تقدمه روسيا، فقد يحفز إلغاء الصفقة الإيرانيين على التحكم في الوقود مما سينتج عنه زيادة في مخزوناتها من اليورانيوم منخفض التخصيب عشرات المرات، وقد يدفع إيران إلى تفعيل المفاعل بنفسها متجاهلة المخاطر الأمنية، وفي هذه الحالة بإمكان الوقود المستعمل أن يبقى تحت السيطرة الإيرانية مع احتمال استعماله لاستخراج البلوتونيوم، علاوةً على ذلك قد يؤثر على سمعة شركة روساتوم وهي شركة عمومية روسية مسؤولة عن مشروع بوشهر.

في 11 يونيو 2010 التقى نائب وزير الخارجية الروسي المكلف بالعلاقات الثنائية مع الدول الآسيوية بالسفير الإيراني لدى موسكو، وتناقش الجانبان حول تطور العلاقات الثنائية وخصوصاً في جانبها الاقتصادي، ونادى الجانبان كذلك بتأسيس قاعدة إعلامية إيجابية ضرورية بغرض تجنب التصريحات السلبية على العلاقات الثنائية، ومن الجدير بالذكر أنه بعد تبني قرار العقوبات انخفضت حدة التصريحات الإيرانية المعادية لروسيا. وقد جرت النقاشات حول صفقة S-300 حيث لم يحتوي قرار مجلس الأمن 1929 أي تحريم مباشر لتلك الصفقة، فقد أسس القرار حصاراً على فئات رئيسية من الأسلحة التقليدية ولكنه لم يشر إلى الرصد الجوي والأنظمة المضادة للصواريخ، وذكرت المصادر بأن روسيا أصرت على أن تستثني تلك القائمة صفقة S-300 من العقوبات.  

ففي حالة صفقة S-300 حاولت روسيا تحقيق هدفين متناقضين، فمن ناحية أرادت أن تحافظ على هامش تحرك بخصوص الصفقة بهدف الحفاظ على ورقة ضغط في مواجهة كل من الولايات المتحدة وإيران، ومن ناحية أخرى فقد اهتم الكرملن بتقليل الخسائر التي طالت العلاقات مع إيران، ولذلك فقد كان قرار الكرملن باستثناء الصفقة من العقوبات الأممية جذاباً ويحفظ ماء الوجه.

 العلاقات الروسية-الإيرانية إلى أين؟ 

مرت العلاقات بين روسيا وإيران بأزمة كبيرة مع الإرهاصات الأولى لتبدل الموقف الروسي من الملف النووي الإيراني والذي يمكن ملاحظته منذ عام 2005، ففي البداية تجنبت القيادة السياسية الإيرانية بحذر شديد التعبير عن امتعاضها الشديد علناً باستثناء وسائل الإعلام الإيرانية التي نشرت مقالات منتقدةً فيها روسيا على خلفية تأييدها العقوبات الأممية ضد إيران، ولكن منذ 2009 بدأت القيادة الإيرانية تغير من تكتيكاتها وتصدر الهجومات اللاذعة ضد موسكو، وكان ذلك مرتكزاً على الشكاوى حول التأخير في إكمال مشروع تشييد محطة بوشهر وتسليم شحن S-300، وفي مايو 2010 ذهب الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أبعد من ذلك وشن هجوماً لاذعاً على الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف شخصياً وحذر من أن تأييد القيادة الروسية للعقوبات سوف يذكره التاريخ، وفي 2009 أغلقت طهران فجأة مجالها الجوي لطائرة مقاتلة روسية كانت في طريقها لاستعراض عسكري إلى البحرين رغم إعطائها الترخيص المسبق الضروري مما أجبر الطائرة على العودة إلى روسيا، وفي اليوم التالي جددت طهران موافقتها وأصدرت اعتذاراً رسمياً.

وفي تطور آخر أمر الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بتأسيس لجنة لدراسة الخسائر التي تكبدتها إيران على يد بريطانيا والاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة خلال احتلالها لإيران خلال الحرب العالمية الثانية،[13] والتدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية عام 1953،[14] غير أن رد الفعل الروسي كان قوياً على محاولات إيران إعادة تفسير تاريخ الحرب العالمية الثانية والتي راح ضحيتها 27 مليون روسي، فإذا كانت في نية طهران الدخول في نزاع مع موسكو فقد يكون تأسيس هذه اللجنة أحسن خطوة لذلك.

لقد انعكس تدهور العلاقات الثنائية في تخفيض كثافة اللقاءات رفيعة المستوى بين الجانبين الروسي والإيراني، فقد التقى الرئيس الروسي آنذاك فلاديمير بوتين العديد من المرات بالرئيس الإيراني أحمدي نجاد وزار طهران في أواخر 2007، وقد كان للرئيس الروسي دميتري ميدفيدف لقاءً قصيراً مع الرئيس الإيراني على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون المنعقدة في يكترنبورغ بروسيا في يونيو 2009،[15] وقد شاركت إيران في تلك المنظمة كملاحظ وعبرت عن رغبتها في اكتساب عضوية كاملة فيها. ومن الملاحظ أنه في إطار قرار العقوبات الجديدة فقد تقرر من الجانبان التراجع عن اللقاءات الثنائية رفيعة المستوى، ففي 9 يونيو 2010 خلال قمة مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا[16] الذي عقد باسطنبول التقى رئيس الوزراء الروسي بوتين والرئيس الإيراني أحمدي نجاد فقط في إطار متعدد الأطراف ولم تذكر أي لقاءات ثنائية.

 وفي 11 يونيو 2010 لم يحضر الرئيس الإيراني قمة منظمة شانغهاي للتعاون المنعقدة بطاشقند بأوزبكستان، وقد ذكرت بعض وسائل الإعلام الروسية بأن أعضاء المنظمة لم يكونوا يرغبون في حضوره رغم إشارة وزير خارجية روسيا إلى أن غياب الرئيس الإيراني عن الاجتماع كان قراراً شخصياً، وقد مثل إيران وزير خارجيتها منوشهر متكي، ولقد ناضلت إيران لعدة سنوات من أجل عضوية كاملة في منظمة شانغهاي للتعاون، ولكن مطلبها رفض بحجة أن المنظمة لم تبلور عد قواعد الانضمام، غير أنه خلال قمة طاشقند تم الاتفاق على القواعد حيث احتوت الوثيقة على مادة بموجبها لا يحق لأي دولة تفرض عليها عقوبات أممية أن تصبح عضوا في المنظمة، ومن بين المرشحين للعضوية فقط إيران لديها هذا الإشكال، وبالتالي فقد استعملت روسيا والصين الضغط على إيران من خلال العضوية من أجل الامتثال لقرارات مجلس الأمن الدولي، وبالمثل استعملت موسكو هذه الورقة كعقاب لطهران على خلفية خطابها المعادي لروسيا.

وقد تضاعف القلق الروسي مع سعي إيران لكسر احتكار القوى الكبرى لإدارة ملفها النووي عبر إدخال تركيا والبرازيل كوسطاء جُدد، وبالفعل منحت طهران هذين اللاعبين "تنازلات سخية" لترسيخ أقدامهما داخل اللعبة، ولذا فإن الموافقة الروسية على العقوبات رغم ترحيبها المعلن بوساطة تركيا والبرازيل كانت بمثابة رسالة لطهران بأنه لا يمكن تجاوزها أو تهميش دورها.

خاتمة:

لقد جعلت المصالح الروسية المتضاربة تجاه إيران من الصعوبة بمكان قبول كلي وسريع للموقف الأمريكي تجاه إيران، فمصالح الدولتان مختلفتان وبالتالي فمن غير الأرجح أن تقدم موسكو الدعم الذي تريده لإدارة الرئيس أوباما من أجل إيقاف برنامج إيران النووي، ودوافع روسيا من وراء دعم برنامج إيران النووي ومبيعات الأسلحة ليست اقتصادية بحتة ولكنها تهدف كذلك لتحقيق أهداف جيوبوليتيكية، غير أن التحول التدريجي لموسكو بعيداً عن طهران خلال العقد الماضي جعلها تقترب من الولايات المتحدة وبعض الدول الآسيوية، وفي الوقت ذاته عمل الموقف الروسي المؤيد للعقوبات على توتير العلاقات الثنائية، ورغم أن إيران احتلت مكانة صغيرة في الأولويات الاقتصادية والإقليمية الروسية خلال العقد الماضي فلا تزال موسكو تشعر بالحاجة للحفاظ على علاقات إيجابية مع طهران، ولذلك فإن معارضة إجراءات قاسية عدا القرار 1929 يعني أن أي جهد لاتخاذ خطوات أخرى سوف يدخل في جولة أخرى من النقاشات الأمريكية-الروسية الساخنة، فرغم اختلاف مدركات التهديد الأمريكية والروسية لإيران النووية إلا أنهما تنظران إليها كقوة إقليمية صاعدة في منطقة الشرق الأوسط ولا تريدان تحديها بطريقة مباشرة، ولكن إذا استمر التحسن في العلاقات بين واشنطن وموسكو فسوف تكون مخرجات هذه النقاشات إيجابية في المستقبل.


*******************

[1]  اشتمل قرار العقوبات على أن إيران لا يمكنها بناء وحدات جديدة لتخصيب اليورانيوم، كما منعها من الاستثمار في الخارج في نشاطات حساسة مثل استخراج اليورانيوم والتخصيب أو النشاطات المتعلقة بالصواريخ الباليستية، وفي المقابل على الدول الأخرى أن تمنع إيران من القيام بمثل هذه الاستثمارات في شركاتها أو على أرضها. أنظر:

UN Security Council Resolution 1929, June 9, 2010, http://www.aawsat.com/english/news.asp?section=1&id=21255.

[2]  أيدت روسيا القرارات أربع قرارات في مجلس الأمن تطالب إيران بوقف برنامجها لتخصيب اليورانيوم، وفي كل الحالات أصرت على عقوبات أقل صرامة من المقترحات الأمريكية. أنظر تفاصيل التأييد الروسي للعقوبات ضد إيران في مجلس الأمن والمصالح الإستراتيجية الروسية في إيران في:

Cole Harvey and Richard Sabatini, “Russia's Lukewarm Support for International Sanctions against Iran: History and Motivations”, Issue Brief , Monterey Institute for International Studies, James Martin Center for Nonproliferation Studies, April 15, 2010,   http://www.nti.org/e_research/e3_russia_lukewarm_sanctions_against_iran.html

[3]  نيفين عبد المنعم مسعد، صنع القرار في إيران والعلاقات العربية-الإيرانية، الطبعة الثانية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص ص 42-43.

[4] تعد إيران الدولة الثانية من مصدري البترول للصين حيث يمثّل البترول الإيراني ما نسبتُه 11% من حجْم الاستهلاك الصيني، إذ تستهلك الصين يومياً ما يقرب من ثمانية ملايين برميل من النفط، منهم 450 ألف برميل من إيران وحدها، هذا بالإضافة إلى أن الصين وإيران أبرمتا صفقة عام 2006 بقيمة 70 مليار دولار، يتم بمقتضاها تصدير إيران للغاز المسال للصين ولمدة 25 عاماً، في حين يصل حجم التبادل التجاري بين إيران وروسيا إلى نحو ثلاث مليارات دولار. قارن التفاوت في تقدير نسبة التبادل التجاري لإيران مع كل من روسيا والصين في:

Willem van Kemenade, Iran’s Relations with China and the West (The Hague: Netherland Institute of International Relations, 2009), pp. 105-122; Manochehr Dorraj and Carrie L. Currier, “Lubricated with Oil: Iran-China Relations in a Changing World”, Middle East Policy, VOL. XV, NO. 2 (Summer 2008), pp. 66-80,

[5] Ariel Cohen, “ Russia’s Iran Policy: A Curveball for Obama”, Heritage Foundation Executive Memorandum

No. 2359, January 15, 2010, p. 2, at http://www.heritage.org/Research/Iran/bg2359.cfm

[6] Ibid., p. 6.

[7]  هذه الإستراتيجية جرت صياغتها عام 1997 وعرفت بذهب بريماكوف نسبة لوزير خارجية روسيا آنذاك، وجاءت كرد فعل على انهيار الاتحاد السوفياتي وتكوين مجموعة الدول المستقلة وتوسيع الحلف الأطلسي. أنظر:

Robert O. Freedman, “Russia and the Middle East: The Primakov Era”, Middle East Review of International Affairs, Vol. 2, No. 2 (May 1998), pp. 1-8.

[8]  في تحليل لوجهة نظر روسيا من إيران النووية أنظر:

Richard Speier, Rober Gallucci, Robbie Sabel, Viktor Mizin, “Iran-Russia Missile Cooperation”, In Joseph Cirincione, Repairing the Regime: Preventing the spread of Weapons of Mass Destruction (New York: Routledge, 2000), pp.  192-193.

[9] Harvey and Sabatini, “Russia's Lukewarm Support for International Sanctions against Iran: History and Motivations”.

[10] Cohen, Op. Cit., p .2; Geoffrey Kemp et al., Iran’s Bomb: American and Iranian Perspectives (Washington, D.C.: The Nixon Center, 2004).

[11] David J. Kramer, “Resetting U.S.—Russian Relations: It Takes Two”, Washington Quarterly, Vol. 33, No.1, pp. 69-70; Mark N. Katz, “Russian-Iranian Relations in the Obama Era”, Middle East Policy, Vol. XVII, No. 2 (Summer 2010), pp. 62-69.

[12]  أنظر تفاصيل مراحل التعاون النووي الروسي-الإيراني في:

Vladimir A. Orlov and Alexander Vinnikov, “The Great Guessing Game: Russia and the Iranian

Nuclear Issue”, Washington Quarterly, Vol. 28, No. 2, (Spring 2005), pp. 49–66.

[13]  في العام1941 احتل الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة إيران بهدف منع مشاركتها في الحرب العالمية الثانية إلى جانب ألمانيا النازية، وقد غيرت قوات الاحتلال الحكومة في طهران، وفي عام 1943 أعلنت إيران الحرب على هتلر.

[14]  في عام 1953 شاركت الولايات المتحدة وبريطانيا في الإطاحة بالحكومة المركزية في طهران.

[15]  تأسست منظمة شنغهاي للتعاون عام 2001 من قبل الصين وروسيا وأربع دول من آسيا الوسطى وهي كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقيرغستان، وقد أعطي مؤخراً وضع الملاحظ لأربعة دول هي الهند وباكستان وإيران ومنغوليا. أنظر موقع المنظمة على شبكة الانترنت في:

www. sectsco.org/ EN/

[16]  تأسس مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة عام 2002 بمبادرة من كازاخستان ويضم 20 عضواً و10 ملاحظين من كل دول آسيا.

 

 

 

                                                              فاطمة بدروني

                                                                                          استاذة مساعدة بقسم العلوم السياسية

                                                                                         والعلاقات الدولية جامعة سيدي بلعباس