مسيحانية بوش بين الهـذاء والإجرام بحق الانسانية

 

هذيان من نوع خاص تتحدث عنه أدبيات الطب النفسي وهو يتعلق باعتقاد الشخص خلال هذيانه بانه يجسد شخصاً آخر او حتى انه هو بذاته ذلك الشخص. وتضيف مراجع الاختصاص الى اختفاء قائمة من هذه الهذيانات مع التقدم العلمي ومع تطور الاتصالات وبخاصة في الدول المتقدمة.

مثال ذلك ان عيادات الطب النفسي الفرنسية لم تعد تعاين حالات لاشخاص يعتقدون بانهم "نابليون" مثلاً. لكننا لا نزال نشاهد الحالات الشبيهة في عياداتنا العربية وهذا مبحث آخر. كونه متصل بالثقافة وبالفصام الحضاري وبالاستعمار الجديد وغيره من العوامل التي لا نجد متسعاً هنا لمناقشتها.

الهذيان المستمر من بين هذه الهذيانات هو هذاين ديني الطابع ويحالف باختلاف الدين. فهو "هـذيان الموسوية" لدى اليهود بحيث يعتقد المريض اليهودي بانه المسيح المخلص المنتظر من قبل اليهود. اما في الثقافة المسيحية فهو يسمى ب "هذيان المسيحانية" ويعتقد المريض المسيحي بانه عودة للمسيح بن مريم. وتتحول التسمية في الثقافة الاسلامية الى "هذيان المهدوية" اذ يعنقد المريض المسلم بانه المهدي المنتظر...

الرئيس جورج ووكر بوش اظهر ومنذ بداية سباقه الانتخابي "هذيان المسيحانية". وهو تشخيص يدعمه ماضي الرئيس الصحي النفسي بما فيه من فترات إكتئاب وادمان على المخدرات والكحول. لكن اعلان بوش الصريح عن افكاره المسيحانية الهذيانية تأخر لغاية خطابه الشهير الذي قسم العالم الى محور خير من المؤمنين المؤيدين لافكاره وخططه والى محور شر من الكفار غير المرشحين لتاييده لاسباب مختلفة.

بعدها مباشرة بدأ الرئيس يتحدث عن حرب صليبية بقيادته.

من جهتنا تريثنا لاستيعاب المفارقة فهل هي تأكيد لهذيان رئيس سحكم العالم؟ أم هي صيغة لغوية لسانية؟. ام تراها تتعلق بالثقافة الاميركية البروتستانتية؟.

وهذا التريث لم يشاركني فيه كثيرون وبخاصة أصحاب الحساسية المميزة تجاه التعابير التاريخية المسيئة. كما جلب لي هذا التريث تحفظ الاسلاميين الملتزمين. لكن الاكثر إستياء من تريثي كان رجلاً شهد مذبحة الفلوجة بأم عينه ولم يعد مستعداً لتفهم تريثي هذا. وكان لقاءً على احدى الفضائيات خرج الرجل بعده وهو لا يريد أية مناقشة معي طالما ان الاميركيين ورئيسهم يعترفون بأن حربهم صليبية.

والواقع ان تسريبات هذيان الرئيس بوش بدأت بالوصول الى الاعلام مع نهاية العام 2002 رغم التكتم بقصد الحفاظ على هيبته. لكننا قرأنا واتصل بنا ما لا يمكن تمثيله او اصطناعه من قبل غير المرضى.

هنا قفز الى ذهني كتاب لسيغموند فرويد قرأته قبل زمن وهو بعنوان "التحليل النفسي للرئيس وودرو ولسون". فكان طبيعياً أن اعود الى الكتاب ليفاجئني بما أغفلته ذاكرتي منه. فالرئيسان ولسون وبوش مصابان بذات المرض ومن الطبيعي ان تظهر لديهما اعراض مشتركة. بحيث تشعر وانت تقرأ حديث فرويد عن ولسون وكانك تقرأ شرحاً عن بوش وعرضاً لتصرفاته.

وبالنظر لعدم التاكد من المصادر ورغبة بالتريث المشار له اعلاه تجنباً للوقع في أخطاء علمية بسبب التسرع فقد رأيت ان الضرورة تقتضي ترجمة كتاب فرويد عن الرئيس ولسون الى العربية ليكون جاهزاً في حال ثبوت التشخيص على الرئيس بوش. وتمت الترجمة ودخل الكتاب الى المكتبة العربية مرجعاً مساعداً لمن يريد فهم بوش وسلوكه ومرضه.

فقد وجدنا في الكتاب  تقارباً غير عادي بين الشخصيتين. حتى أنهما يشتركان في العبارات والهفوات كما يشتركان في الهوامات. ولعل أهم هذه الهوامات ذلك الشعور الغامض والملتبس بالنبوة. وهو المسؤول عن إعتقادهما المشترك بمجيئهما أنبياءً لإنقاذ البشرية وتوحدهما بالمسيح. فحين سئل ولسون عن القتلى الاميركيين في أوروبا أجاب: " ... لقد كان هؤلاء طليعة حرب صليبية جديدة." وهي الفكرة الهوامية التي كررها بوش عندما أعلن حربه الصليبية على أفغانستان.

كما يشترك الرجلان في قناعتهما بأنهما يراسا اميركا بدفع " حس الواجب المقدس". وهذا ما جعلهما زاهدين بجرعة كبيرة من سلطتهما لصالح المعاونين ولكن مع التمسك بفخامة وفوقية المنصب. ومن الطبيعي ان يحاول هؤلاء الأعوان تمرير بعض القضايا دون علم الرئيس. مما يجعله يبدو غبياً في بعض المواقف المقررة والمفصلية في تاريخ رئاسته. إنهما يمثلا نمط الرئيس الذي يسهل خداعه وتضليله. فقد تبنى ولسون معاهدة فرساي باعتبارها مرسلة لإنقاذ الإنسانية ولرسم حضارة جديدة. وهو بذلك يشبه بوش في تبنيه للحرب على الإرهاب كوسيلة لتحقيق العدالة المطلقة.

لكن ترجمة هذا الهوام الى واقع تبين أن معاهدة فرساي كانت وحشية ولدت الحرب العالمية الثانية ومعظم الحروب التالية للمعاهدة. حيث الصراع العربي الإسرائيلي ناجم عن أحد الملاحق السرية لتلك المعاهدة.

أما هوام بوش في "الحرب على الإرهاب" فيكفيه خطورة أنه جعل أميركا والعالم أقل أمناً منهما قبل تلك الحرب. بل أن هذه الحرب باتت تهدد بتفجير براكين صراعات كادت تتحول الى الخمود الكلي.

ومن اوجه الشبه الواضحة بين الرجلين تحدي ولسون لعصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى وتحدي بوش الابن، لهيئة الأمم المتحدة ومعها الشركاء في الاطلسي وبخاصة في احتلاله للعراق.

ومن كتاب فرويد نقتطف بالنص:

إن قدرة ولسون على التشبه بالصليبي جعلته ينصب نفسه قاضياً على العالم... ص 80 / في يناير 1918 كان لدى ولسون ايمان لا يتزعزع برفع معنى الحرب الى مستوى الفداء الصليبي الكرس لمباديء الموعظة فوق الجبل..... ص 84 / 

عندما اراد كليمنصو ولويد جورج تجاوز مبدايء ولسون الاربعة عشر كان بامكان الاخير ان يرعد مثل "يهوه" لكنه القى عليهما مواعظ تحولهما الى أتقياء!.... ص 91 /  

يقول كليمنصو ان هذا الرجل (ولسون) يظن نفسه المسيح ويريد ان يصلح العالم... ص 111

واذ نكتفي بهذا القدر عن مظاهر "هذيان المسيحانية" لدى ولسون ننتقل لرصد مظاهر هذا الهذيان لدى ووكر بوش حيث ينقل كاتب خطابات بوش المستقيل عن مقربين من بوش:

 أن دافعه وراء غزو العراق بعيداً عن كل التحليلات الإستراتيجية والسياسية حيث يسندها للفكر الوثني والخرافي.

ان ووكر بوش كان يدعي أنه يتلقى يوميا رسائل مشفرة يبعثها إليه (الرّب).

ان ووكر بوش أعلن الحرب على العراق من أجل تحقيق خرافة القضاء على جيش يأجوج ومأجوج.

ان ووكر بوش من أشد المؤمنين بالخرافات الدينية الوثنية البالية، وكان مهووسا منذ الصغر بالتنجيم والغيبيات، وقراءة الكتب اللاهوتية القديمة...

كان ووكر بوش يميل دائماً إلى استخدام بعض العبارات الغريبة في خطاباته مثل: القضاء على محور الأشرار / وقوى الظلام / وظهور المسيح الدجال/ وشعب الله المختار / والهرمجدون  /وفرسان المعبد،.

هذا وكشف الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك عن أسرار الغزو الأمريكي أنه تلقى من الرئيس بوش مكالمة هاتفية في مطلع عام 2003، فوجيء فيها بالرئيس بوش وهو يطلب منه الموافقة على ضم الجيش الفرنسي للقوات المتحالفة ضد العراق، مبرّرا ذلك بتدمير آخر أوكار يأجوج ومأجوج، مدّعيا أنهما مختبئان الآن في الشرق الأوسط، قرب مدينة بابل القديمة، ووصفها بالحملة الإيمانية المباركة، وتنفيذ الواجب الإلهي المقدس، الذي أكّدت عليه نبوءات التوراة والإنجيل.

ويقول شيراك هذه ليست مزحة، فقد كنت متحيّرا جدا، بعد أن صعقتني هذه الخزعبلات والخرافات السخيفة، التي يؤمن بها رئيس أعظم دولة في العالم، ولم أصدق في حينها أن هذا الرجل بهذا المستوى من السطحية والتفاهة، ويحمل هذه العقلية المتخلّفة، ويؤمن بهذه الأفكار الكهنوتية المتعصبة، التي سيحرق بها الشرق الأوسط، ويدمّر مهد الحضارات الإنسانية.

وحديث الرئيس شيراك وثقه الصحافي الفرنسي جان كلود موريس الذي اجرى المقابلة مع شيراك ونشره مؤخراً في كتاب بعنوان: خرافات بوش الوثنية" وهوسه بـ "الغيبيات" سر غزو العراق.

وفي السياق يهمنا ايراد بعض كتاباتنا المنشورة حول الموضوع ومنها:

آل بوش... بيت سيئ السمعة/ 22 / 10 / 2003

التحليل النفسي لجورج ووكر بوش وفريقه

بـوش بين الدين والسياسة /ا 2005-10-17

مشكلتنا مع الرئيس الأميركي هي أنه يظن نفسه المسيح …/ 19-10-2005,

ملف ووكر بوش

ختاماً فان فرويد كتب في تقديمه للكتاب الخاص بالرئيس ولسون بانه يؤجل نشر الكتاب الى ما بعد وفاة ولسون لاعتبارات مهنية وأخلاقية. ذلك ان فرويد كتب ما كتبه بالمشاركة مع سفير اميركا في برلين و.س. بوليت. الذي اعطى معلومات تدخل في اطار السر المهني.

وهذا لا ينطبق على كتابنا الخاص بتحليل ووكر بوش والذي نؤجل نشره منذ سنوات بداعي لا علاقة له بالمهنة بل لارتباطه بالمريدين العرب لهذا المسيح الدجال.....

 

 

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية