العودة الأميركية لإستراتيجية الصفقات

 

تشير الخطوات المتسارعة لادارة أوباما لطلاق لا رجعة عنه مع سياسات بوش السابقة. وهي تصحيحات تسبب ارباكاً عالمياً لجهة التعامل مع التوجهات الاميركية الجديدة. ومراجعة تصريحات هولبروك لقناة جيو الباكستانية تمثل نموذجاً للتغيير الاميركي الجديد. فقد ظهر هولبروك على التلفزيون لتهدئة خواطر الباكستانيين الذين انزعجوا من قساوة لهجة احد تصريحاته. ولدى سؤاله عن بن لادن قال هولبروك انه ومعه بضعة اشخاص يعيشون حياة قاسية ان لم يموتوا. وبهذا يكون هولبروك قد جمع بين الموقف التوضيحي وبين التخلي عن قبول دولة عظمى عداء أفراد واحتلال بلدان يزعم مطاردتهم. في المقابل ركز هولبروك على استغلال الاوضاع الباكستانية لجلب باكستان الى اعتماد العقوبات الاضافية الاميركية ضد ايران ونجح في ذلك. وهو نجاح لم يعتمد لهجة الامر كما في ايام الادارة السابقة بل اعتمد خطاب المصالح وتفهم احتياجات باكستان. وهكذا تحول صراع الارادات من ملاحقة بن لادن وقيادات القاعدة وطالبان الى استراتيجية حصار متشدد ضد ايران مع توريط اكبر عدد ممكن من الاصدقاء في هذه المواجهة. حيث وافقت الدول دائمة العضوية على قرار العقوبات الاممي ضد ايران.
هذا وتواصل واشنطن توريط الاصدقاء في مواجهتها الايرانية. فكان الاعلان الروسي عن الغاء صفقة الصواريخ مع ايران بسبب العقوبات. وها هي باكستان تنضم للعقوبات المشددة. وهو مشهد بعيد كل البعد عن مواقف بوش الذي ذهب الى حرب العراق وحيداً او بالحد الادنى من الاصدقاء.
بناء عليه ينصح محللون استراتيجيون بان استيعاب السياسة الاميركية الجديدة والتعامل معها يقتضي فهم كونها حصيلة الجمع بين سياسات الرئيسين كلينتون ونيكسون معاً. وفي الحالتين يورط الاصدقاء ليدفعوا الثمن في حال الفشل لاحقاً. اما في حال النجاح فحسب الاصدقاء تفهم واشنطن لمصالحهم قبل انضمامهم اليها في مواجهاتها.
لكن هذه النصيحة تضعنا امام جملة مفارقات مصدرها الفوارق العديدة بين كلينتون ونيكسون الا اننا نستطيع تجاهلها اذا ما عرفنا ان الرئيس كلينتون كان يعقد اجتماعات مطولة مع سابقه نيكسون مستهدياً بتجربته ومطبقاً العديد من نصائحه. أما عن سبب اصرار النصيحة على اضافة الرئيس نيكسون فمردها مواجهة نيكسون خلال حكمه لأزمة اقتصادية شبيهة بالازمة التي يواجهها اوباما راهناً مع فارق ان اميركا نيكسون كانت قادرة على فرض الإتاوات على الاقتصاد العالمي بصورة مباشرة. اذ واجه نيكسون الازمة بقراره الخروج من اتفاقية بريتون وودز بتاريخ 15/8/1971 وهو قرار اخرج الدولار من الارتباط بالذهب. ولغاية تاريخه كانت الاتفاقية تحدد سعر اونصة الذهب ب 35 دولار اميركي. والخروج من هذه الاتفاقية اعطى للولايات المتحدة حرية طباعة الكميات اللازمة لاقتصادها من الدولارات. اما عن الثمن الذي دفعه العالم لهذه الحرية الاميركية فهو الفارق بين تسعيرة الاونصة ب 35 دولار وبين تسعيرتها الحالية 1250 دولار.
وبالانتقال الى كلينتون فهو يحمل لقب أفضل رئيس اقتصادي في تاريخ اميركا. وهو رغم الاوضاع الاميركية الصعبة اقتصادياً تمكن من نحقيق فائض 115 مليار دولار في الميزانية الاميركية عام 1999 وكان ذلك لاول مرة منذ العام 1956 ولآخر مرة لغاية اليوم. وهي لا شك تجربة يحتاجها اوباما اليوم.
متابعو علاقة اوباما مع الرئيس كلينتون يقولون انها مرت بصعوبات خلال الانتخابات حيث كانت هيلاري منافسة لاوباما. لكنها تحسنت تدريجياً لتعود الى طبيعتها مع اختيار اوباما لزوجة كلينتون هيلاري وزيرة للخارجية. ومع عودة المياه الى مجاريها وعبر استعانة اوباما بالعديدين من فريق كلينتون بات للأخير تأثيره الواضح في استشارات اوباما وليس في قراراته.
وبما يتبقى من حيز سوف نراجع اسلوب كلينتون في القرار والممكن تلخيصه بالبعد عن العقائدية ومعاملة كل حالة على حدة Case by Caseالتي تتيح وتسهل الهرب من دفع اثمان استراتيجية تقتضيها العقيدة الاستراتيجية. وعلى سبيل المثال فقد اكتفى كلينتون العام 1998 بثلاثة ايام من القصف الصوري مستهدفاً معمل الشفاء السوداني وجبال تورا بورا الافغانية مع قصف بغداد في الليل فقط. وكان ذلك رده على تفجير السفارتين الاميركيتين بافريقيا من قبل القاعدة.
اما في كوسوفو حيث التمويل اوروبي فقد قصفها كلينتون على مدى 79 يوماً متواصلة وبعنف مفرغاً فيها مستودعات مصانع الاسلحة الاميركية. في المقابل رفض كلينتون اعلانها حرباً بل اعتبرها مجرد عمليات عسكرية. كما رفض كلينتون انزال جندي اميركي واحد في كوسوفو. ليعود فيقبل بانزالهم كقوات حفظ سلام اي حين زال الخطر.
هذا هو ملخص سياسات كلينتون المناقضة تماماً لسياسات بوش وهو ملخص ما يتوقعه الخبراء حول سلوك الادارة الاميركية في الفترة القادمة. وهو ما يسمح بالاستنتاج ان ادارة اوباما لن تخوض اية عمليات عسكرية بدون قيام الجهات المعنية بتمويلها. وفي حال تحول هذه العمليات الى حروب فان المشاركة الاميركية فيها ستكون بالحد الادنى من المشاة الاميركيين.
هنا تأتي ذكرى نيكسون لتضاف الى السلوك المتوقع مستقبلاً لادارة اوباما اذ دفعت الازمات الاميركية بالرئيس نيكسون للاستعانة بالعمليات الاستخبارية السوداء او القذرة. ومنها مذابح الجنرال بنو تشيه في تشيلي وسلسلة اغتيالات وانقلابات تورطت فيها المخابرات الاميركية حتى اذنيها.
صحيح ان بوادر هذا السواد لم يظهر بعد في سلوك ادارة اوباما لكن الظاهر أسوأ من ذلك. حيث انتقال المخابرات الاميركية من ميدان المعلومات الى ميدان العمليات. اضافة لاصرار الادارة على عمليات الطائرات بدون طيار رغم ايقاعها مئات الضحايا المدنيين في باكستان وافغانستان. وهو يعني ان اوباما سيكون اقدر من نيكسون على الأذى عبر العمليات المخابراتية السوداء ان هو قرر اعتمادها بعد نفاذ خزانات العمليات العسكرية المدفوعة الأجر.
هكذا فان السؤال عن احتمال اية مواجهة او عمليات عسكرية أو ثورات ملونة او دموية وعودة الهامشيين والمرذولين كلها مرتبطة بالسؤال عن وجود الممول. وفي حال وجوده تصبح العملية محتملة بل مرجحة مهما كانت كارثيتها.
ان التعاطي السياسي مع واشنطن خلال الفترة المقبلة يقتضي مراجعة فترات رئاستي نيكسون وكلينتون. وهي مراجعة شديدة الاهمية للتموقع بالنسبة للتحولات الاميركية القادمة.

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية