عـودة القوميات وموت المواطن الصالح

 

 بعد تعليق عضوية الاتحاد السوفاتي في المنظمة العالمية للطب النفسي قبلت عودته بعد سقوط جدار برلين فحضر اطباءه المؤتمر العالمي للطب النفسي الذي اقيم في اثينا 1989. وفيه قبع الصقور من الاطباء الاميركيين المفعمين بالانسانية لاصطياد اي انتهاك لحقوق الانسان في العروض السوفياتية المعروضة في المؤتمر.

وتمكن الزملاء الاميركيون من اصطياد مجموعة مخالفات للانسانية في تلك البحوث ولكن من منطلق: "إصطياد الحماة لهفوات كنتها".

هي مواقف انسانية تستثير الاعجاب ونزيف العواطف لولا معرفتنا لجزء ضئيل من ممارسات الطب النفسي الاميركي اللا انسانية. ونبدأ من الخمسينيات عندما اعتقد اطباء الوكالة سي اي ايه انهم اكتشفوا مصل الحقيقة الذي يجبر المعتقليت على قول الحقيقة وكان لا بد من تجربته. فانتهز احد عملاء الوكالة فرصة دعوة عشاء ضمته الى اصدقاء حميمين وجرب المادة عليهم. فانتحر احد الاصدقاء ومات الآخر بجرعة زائدة من المادة المجهولة التي لم تكن سوى المخدر الذي عرف فيما بعد باسم ال اس دي. وبالنظر الى مبدأ السوق الاميركي القائل ببيع كل ما يمكن بيعه فقد تحول ال اس دي الى مخدر يجلب الملايين لمصنعيه الاميركيين. وهي طريقة للتربح من المخدرات دونما حاجة لزراعتها والمطالبة بالقضاء على هذه الزراعات.

أما عن الادوية النفسية الاميركية فحدث بلا حرج اذ تنطلق وفق حملات الدعاية الاميركية وبرشوة الاطباء واغراءهم بشتى الوسائل لوصف هذه الادوية الباهظة التكلفة. لتأتي النتائج لاحقاً سلبية ومؤذية فتدفع التعويضات للمتضررين الاميركيين ويهمل الآخرون. ويسحب بعض هذه الادوية من السوق الاميركية ليستمر استخدامه في الدول المتخلفة.

ولعلنا نقع على المثال الاسهل في الافلام الاميركية الناقدة لإساءة استخدام الطب النفسي من قبل الحكومة الاميركية. ومن هذه الافلام ما لايزال متداولاً ويمكن انتقاؤه بسهولة كمثل فيلم "البرتقالة المعدنية" و "طيران فوق عش الكوكور" التي تبين كيفية تحويل الانسان الحر الى مواطن مطيع.

صحيح ان الاميركيين لم يعودوا يطبقوا مبدأ المواطن المطيع في بلادهم لكنهم يطبقونه بوحشية فائقة في الدول الاخرى وبخاصة العربية منها.

فاذا ما تابعنا ردود فعل الجماهير العربية على جريمة اسرائيل ،بقتل متضامنين في اسطول الحرية الهادف لفك الحصار عن قطاع غزة، لوجدنا اننا امام عودة جديدة للناصرية. أو اقله لتأكدنا ان الشعوب العربية لا تزال تحتفظ بكرامتها وعنفوانها ورغبتها في نيل الاعتراف بانسانيتها ودينها وقيمها. بل انها لا تزال مستعدة لتقديم التضحيات وخوض التحديات.

لكن كل هذا مرتبط باعطاء هذه الشعوب جرعة من الشعور بالفاعلية وبالقدرة على الفعل وبجدوى التضحيات التي يقدومنها. وهذا الشرط يفسر المظهر الكاذب والخادع لهذه الشعوب اذ بدت في السنوات الماضية خانعة ذليلة مستكينة. وباختصار فقد كانوا مثالاً للمواطن الصالح الذي يستسلم لجلاديه برضى لا يشوبه الاعتراض. وهذا نتيجة الممارسات الوحشية التي حولت العرب الى مواطنين صالحين. وخاصة في دول النفوذ الاميركي.

في تلك الدول كان المواطنون المتحولون (لصالحين) يتلذذون بالجزمة الاميركية ويقارونها بجزمات أخرى. كان هؤلاء المتحولون يهادنون اسرائيل بقبول اية بدائل تطرح لها... كان هؤلاء يقبلون حصار غزة لأن حماس خارجة على الارادة الاميركية. ويقبلونها ارهابية لان الاميركي وزبانيته العربية تراها كذلك.

الا ان ما يستوجب الملاحظة الدقيقة هو ان بعض الحكام العرب لم ينجوا من الخضوع لتحولات المواطن الصالح المطيع للأميركيين بدون شروط. بدليل قيام هؤلاء اليوم بالدعوة لفك الحصار على غزة.

امام هؤلاء نرجو الا تكون ردود الفعل حادة اذ ان تخويف الحكام من شعوبهم يدفعهم في الاتجاه المعاكس نحو المزيد من اظهار صفات الحاكم الصالح. كما ان اللحظة السياسية الاستراتيجية الراهنة لا تحتمل اية تغييرات جراحية. وحسبنا عودة الشارع العربي الى أصالته وتهميشه للبؤر المارقة التي وظفت اميركيا للمشاركة في تحويله الى مواطن صالح تحت شعار ان الفساد قدر ولتنل حصتك منه مهما كانت ضئيلة. وبقدر ما يزداد صلاحك تكبر حصتك. فدعك من المثاليات المنهزمة وكن صالحاً علك تصل الى ما وصلت اليه حثالات مجتمعك بقبولها الصلاح. وأول شروطه التشكيك بكل ما قد يكون فاعلاً في انقاذ كرامتك. فهذه الاخيرة دعها لنا وخذ مقابلها نقداً ووعوداً.

ولعل أكاديميات التعذيب الاميركية تعطينا المثال على أوهام حلم التيوس الاميركيين اذ تنطلق البحوث في هذه الاكاديميات من مبدأ ان الطب يعرف الالم بانه احساس ذاتي يتعلق احتماله بالصفات الجسدية والنفسية للمعاني من الالم. وهذا التعريف لا ينسجم مع المدرسة الطبية الاميركية التي اعتادت تحويل الذاتوية الى أرقام تجعل قياسها ومقارنتها ممكنين. من هذا المنطلق العلمي الفلسفي لم يقنع الاطباء الاميركيين الراغبين بقياس عذاب وآلام الانسان. فكانت عمليات تعذيب المعتقلين بتهمة الارهاب ممن ثبتت براءة معظمهم حقل تجارب لا يفوت لهؤلاء الاطباء. حيث يمكن قياس الالم بعد وقف مثيره فجأة ثم استئنافه من جديد. وهي فرصة لا تتاح لدى المرضى المتألمين الذين يتألمون بصورة متواصلة. ويبدو ان هذا البحث العلمي لم يعجب دعاة حقوق الانسان حيث نشرت منظمة "اطباء لحقوق الانسان" (فيزيشنز فور هيومن رايتس) تقريرا بعنوان "تجارب في التعذيب" للاعتراض على هذه الابحاث. لكن ولحسن الحظ فان هذه المنظمات مرتبطة بارادة الكونغرس السياسية. ولما كانت هذه الارادة غير مهتمة بالموضوع فقد بقي الامر مجرد تقرير. فهل تقبل شعوبنا ان تبقى مجرد تقرير وان يكون قياس المها مرتبطاً بالميزان الاميركي؟.

ان الوقائع تشير الى تعرض الولايات المتحدة لكوارث اقتصادية واجتماعية وسياسية بسبب حروب بوش التي تواجه الخسارة فقط لغياب الأخلاق عنها. وغياب الاخلاق هو سببب رفض الاوروبيين ارسال جندي واحد اضافي الى افغانستان والعراق قبله. ذلك ان الاوروبيين لا يرديون التحول الى مجرمي حرب. كما انهم لا يريدون التضحية بحياة ابنائهم في حروب تغيب عنها الأخلاق والاهداف الانسانية التي تبررها.

آن لهذه الشعوب ان تلفظ أقذارها وان تعود لعروبتها ومعها ما تفرضه من واجبات وتضحيات والتخلي عن رشاوى الحثالات الاميركية. خاصة وان عصر القوميات بدأ يعود بقوة حيث الحكم في روسيا والصين يستند الى المشاعر القومية. وقريباً سيخسأ كل من يحاول السخرية بالعروبة.

 

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية