نهــــــاية دولـة

 

كانت مملكة تايلاند احدى اكثر الدول استقراراً في محيطها حيث يتمتع ملكها بسلطة معنوية ودينية دعمها بسحره الشخصي وبمنحه الحرية لللعبة السياسية الديمقراطية في مملكته. حتى بات الملك المحبوب ذي النفوذ المتجاوز للسياسة الى سلطة التدخل الحاسم لانقاذ البلاد في الأزمات.

وتايلاند عضو جماعة النمور الآسيوية وهي كانت الأسبق بينها بالتأثر بالأزمة التي عرفت بأزمة النمور الآسيوية العام 1997. وتبين لاحقاً ان المضارب العالمي جورج سوروس بدأ مضارباته التي أدت لازمة النمور من بانكوك عاصمة تايلاند. حيث بدأ بالمضاربة على عملتها. كما تبين لاحقاً أن هناك ميلياردير تايلاندي شارك في صنع الأزمة لبلاده لكن من وراء الستار.

فجأة برز هذا المياياردير في الواجهة السياسية ليتمكن من تسلم رئاسة الوزراء العام 2001 في ظروف محاولة البلاد للتعافي من أزمتها الاقتصادية. هذا الثري المدعو تاكسين شيناواترا كان السباق لخلق معادلة زيادة التضخم مع زيادة الدخل الفردي. وبحجة الانقاذ الاقتصادي عمد تاكسين الى خصخصة مؤسسات الدولة عبر صفقات فاحت منها روائح الفساد. وهو فساد ذاع سيطه في العالم حتى باتت تايلاند رمزاً للفساد العالمي. حيث المناصب والانتخابات معروضة وفق تسعيرات محددة ومن منطلقات براغماتية نفعية لا تتطلب من راغب المنصب أو الصفقة اي ولاء سوى دفع الثمن المحدد.

وتفاقمت الامور لغاية الخشية على مستقبل تايلاند واستقرارها ما إقتضى تدخل الجيش وقيامه العام 2006 بانقلاب أبعد تاكسين ونفاه خراج البلاد.

وتوخياً للموضوعية نعرض لسيرة تاكسين كما وردت في مصدر محايد "ويكيبيديا" وفيها:

تاكسين شيناواترا (ولد في 26 يوليو 1949) هو رئيس وزراء تايلند من 2001 الى 2006.

تاكسين شيناواترا، رئيس الوزراء التايلاندي الأسبق يظل شخصية محورية في تايلاند إلى حد أن فرق التايلانديين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم. نحن في 2006 عندما اشتدت الأزمة إذ تداعت عليه المعارضة منددة وضاغطة. مؤيدوه يرون فيه فارسا مغوارا. مؤيدوه أغلبهم من ميسوري الحال من أهل القرى فهم يشدون من أزره على الأقل على المستوى القاعدة الشعبية. “ إخواني وأخواتي أطمئنكم أن رئيس الوزراء الذين تثقون فيه، لم يخالف القانون يوما ولم يرتكب جرما وهو رجل فاضل.

معارضوه هم في الأغلب الأعم من النخبة، من سكان الحضر, وهم من مناصري حزب الائتلاف الشعبي من اجل الديمقراطية PAD وهم يتهمون تاكسين بالفساد.

القطرة التي افاضت الكأس واشعلت لهيب الأزمة الضارية ضد تاكسن كانت بسبب ضلوعه في قضايا فساد .وهي ضربة قضت مضجع رئيس الوزراء وكانت سببا في الانقلاب عليه ليلة 19 إلى 20 من أيلول 2006. فالعسكر وضعوا حدا لعهدته التي بدأت في 2001 وقد وعدوا جراء ذلك باسترداد الحكم إلى المدنيين بعدها.

تاسكين يولي وجهه شطر المملكة المتحدة بعدها حيث يمتلك فيها بيتا واشترى الملياردير نادي مانشستر Manchester City Football Club. لكنه يظل محتفظا بشعبية كبيرة في أوساط فقراء تايلاند.

الانتخابات الأولى بعد الانقلاب كانت جرت في نهاية 2007، ساماك سوندراجيف, من رفقاء درب تاكسين ومقربيه يفوز برئاسة الحكومة. تاكسين يعود أخيرا إلى أرض الوطن. في فبراير 2008 تاكسين يعلن أنه لن يرجع بعد ذلك اليوم إلى الخطوط الأمامية في السياسة التايلاندية، لكن معارضيه ومؤيديه، يخامرهم في ذلك شك..و حتى وإن ابتعد, فلايزال ثقل الرجل السياسي يحسب له في تايلانذد ألف حساب.

وهكذا عاد تاكسين عبر فوز مقربه ساماك سوندراجيف تحت يافطة حزب الشعب لكن المحكمة الدستورية حكمت بعدم أهلية ساماك لتولي رئاسة الوزارة لتورطه في فساد مشترك مع تاكسين فجاء بديل له من حزبه ليتولى رئاسة الوزارة العام 2008 وكان هذا البديل يدعى سوماتشى وونجسوات الذي أزيح بعد شهرين ليحل مكانه في ديسمبر 2008 رئيس الوزراء الحالي ابهيسيت فيجاجيفا وليعود تاكسين الى المنفى.

لكن تاكسين سعى لان يعين مستشاراً حكومياً في كمبوديا التي تنازع تايلاند على منطقة حدودية بين البلدين. مع الإستمرار في تمويله لحركة القمصان الحمر التي أنشأها كداعم شعبي له بعد فشل فريقه في تكوين حزب سياسي من قاعدة تقتصر على الريفين والفقراء. لكن هؤلاء كانوا يضمنون له ولفريقه الفوز في الانتخابات. كما انهم يشكلون قوة معارضة ضاغطة عددياً وان غابت عنها النخب.

وتسبب تعيين تاكسين بأزمة مع كمبوديا أدت لسحب متبادل للسفراء مطلع تسرين الثاني 2009 وسويت الازمة بانسحاب تاكسين ومواصلته تحريك القمصان الحمر. الحركة التي صعدت معارضتها في الاسابيع الاخيرة لتضع البلاد امام خيارين. فاما ان انقلاب عسكري يعلق الديمقراطية واما انقلاب شعبي يطلق الحرب الاهلية. والامر متروك لحكمة الملك وقدرته الفعلية على التدخل.

وها هي تايلاند وبعد تقديمها المثال للحكم الفاسد لرجال الاعمال تقدم نموذجاً لسيناريوهات نهاية الدولة وفق نموذج الفصام "الشيزوفرانيا" بين النخب وبين الفقراء.

 

 

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية