علم الأمراض السياسيّة باتــولوجيا الســياسة

 

الحاجة للفحوص الدورية الشاملة لأنظمة الحكم ولياقتها السياسية ليست حصراً بأنظمة الحكم في العالم الثالث او تلك الموصوفة بغير المستقرة. فقد أثبت حكم الرئيس الاميركي السابق ووكر بوش حاجة من تدعي انها ارقى ديمقراطيات العالم الى مثل هذه الفحوص. وبدونها وقعت الولايات المتحدة في سلسلة أزمات لا يتوقع خروجها معافاة منها.

وقبل الوصول الى عالمنا الثالث ومحيطه ودوله العربية لا بد من استغلال ديمقراطية التعبير الاميركية التي سمحت باجراء دراسات اكاديمية حول الامراض السياسية وامراض السياسيين النفسية.

وفي هذا الاطار كنا قد اعددنا دراسة بعنوان "مجانين حكموا اميركا والعالم" انظر: http://mostakbaliat.com/presidents.html#مجانين  حيث لا تهدف السيكولوجيا السياسية أساساً إلى دراسة أخلاق أو سلوك المرشحين بقدر ما هي تسعى لمنع أشخاص مضطربين نفسياً من تولي مناصب حساسة. ومن هنا إخضاع المرشحين لهذه المناصب للاختبارات النفسية والمقابلات الفردية.

وإذا كانت فضيحة مونيكا قد طرحت الجانب الجنسي للقضية الأخلاقية فإن المعلومات عن إدمان الكحول والمخدرات، في أثناء احملة بوش "المعترف بادمانه" قد طرح جانباً إضافياً هو جانب التوازن النفسي لدى الرؤساء والمرشحين. بحيث بات بالإمكان الحديث عن فئتين منهم: الرؤساء الخائنون والرؤساء المضطربون. والفئة الثانية هي موضوعنا. حيث كات اصابة الرئيس ريغان بالخرف (الزهايمير) مناسبة لتذكر الأميركيين باعتماده وزوجته على توجيهات العرافين وآراءهم. ومع هذه الذكرى التساؤل عن بداية المرض، وعما إذا كانت متداخلة مع سنوات حكمه للبلاد؟.

 

ويبدو ان طالع اميركا الفلكي كان شديد السوء ،لمن يؤمن بالابراج، نهاية العام 2000 والعام 2001 حيث تنافس على الرئاسة الاميركية ونيابتها أشخاص مشكوك في لياقتهم النفسية, حيث كان جورج بوش الابن قد تعرض لاكتئاب رد فعلي أيام الأزمة التي أصابت شركته النفطية أواخر الثمانينيات. وهي فترة بدا خلالها عليه إدمان الخمر وتعاطي الكوكايين. فيما يعرف الجمهور عن منافسه الـ غور أنه تعاطى الماريجوانا مع زوجته لمدة عشر سنين متتالية. اما النائب جورج ماكين فهو تعرض لمعاناة الأسر في أحد أقسى السجون الفيتنامية لمدة خمس سنوات. ويشكك بعضهم في كونه قد تخطى هذه الأزمة. ومن جهته يعاني بيل برادلي: من سلس الكلام (كثرة وتدفق الحديث تعرف بعصاب الحديث) بما يجعل عارفيه يصفونه بالممل.

وبالخروج من اجواء الابراج الى التحليل السياسي نجد ان النظام الاميركي بدأ يفقد مناعته مع فقدان العدو السوفياتي عام 1989 وهو فقدها تماماً على ابواب العام 2001 وانتخاب بوش الابن. حيث تؤكد المصادر الاميركية ان الشركات الاميركية الكبرى وبخاصة شركات السلاح والطاقة كانت مفلسة وتغطي افلاسها قبل عدة سنوات. وبما ان هذه الشركات هي آليات مناعة النظام الاميركي فيمكن القول بانه كان في حينه فاقداً للمناعة. وتقدم ديك تشيني الرئيس المتسبب بافلاس شركة هايبرتون ليشغل منصب نائب االرئيس بوش وليملي عليه سياساته باعتراف الصحف الاميركية. وبعد محاكمة حرب العراق في بريطانيا تأكد ان بوش وفريقه قدموا الى البيت الابيض ومعهم خطة إحتلال العراق. ولم تكن حوادث 11 سبتمبر الا ذريعة اضافية للاحتلال. انظر فضائح الشركات الاميركية: http://mostakbaliat.com/link20.html

المخطط كان باختصار نقل عدوى الايدز في النظام الاميركي الى انظمة المنطقة واستخدام ثرواتها النفطية لعلاج الايدز الاميركي. وتؤكد المتابعات ان احتلال العراق تمكن من علاج مرض الشركات الاميركية الكبرى لكن حصة الاقتصاد الاميركي في تكلفة هذا العلاج ادت الى الازمة الاميركية الاقتصادية.

ولسنا نبالغ بالقول ان مشروع بوش المسمى بنشر الديمقراطية في الشرق الاوسط كان في حقيقته مشروعاً لنشر الايدز الاقتصادي والسياسي في هذه المنطقة. ولعل مراجعة موضوعية للفساد في دولنا المتحولة اميركياً تبين عارضاً من اهم عوارض هذا المرض.

أما عن بلوغ المرض اعقد مراحله فتجدها في كل الدول التي شهدت تدخلاً اميركياً منذ 2001 وحتى اليوم. مع امكان تقصي امتداد المرض وخطورته من خلال الشخوص اللصوصية المحلية التي صنعتها واشنطن لتوظيفها في خدمة مشروعها. وفي لبنـان تكتشف هؤلاء حين يتحدثون عن الإفلاس السياسي لرجالات لبنان الكبار دون ان يقولوا لنا من أين أتوا كي يعطوا رأيهم. من السجون.. من الإجرام... من الميلشيات... من الاغتيالات... ام من هوامش المجتمع وسلات نفاياته؟.

عندما يتكلم هؤلاء المتطاولون عن رصيد الزعيم السياسي وعن تخمينهم لإفلاسه عليهم اولاً ان يتذكروا ما اذا كان لهم حساب حتى يكون لهم رصيد. كما عليهم ان يتبصروا مستقبلهم على ضوء تراجع الايدز الاميركي في المنطقة.

مما تقدم لا نجد بأساص من الدعوة لإخضاع الأنظمة لفحوص شاملة دورية حفاظاً على سلامتها؟. ولا بأس ان يُجري النظام لنفسه اختباراً عمليّاً شفافاً في التنمية والعدالة واحترام الحريات، وقبلها صون الكرامات واحترام المقامات. وعند ظهور النتائج، ينبغي عليه اتباع نصائح المتخصصين.

والسؤال الآن: هل يستطيع التطرف العنيف للثورات الاميركية الملونة الظهور والنمو والانتشار في بيئة دولة سليمة متوازنة؟. ما مبرّر وجوده؟. فهذه الحركات تلوح في الأفق بصورة طبيعية لدى خلل مناعة النظام. وتحدثها محركات الثورات الملونة مخابراتياً من خلال العمل على احداث خلل في توازن البلد وتنعدم الشفافية، والتطاول على منظومة القيم التي تعمل عمل المناعة المكتسبة الحقيقية. عندئذ تظهر القروح على الجسم، ولا تعود الأعضاء الخارجية والداخلية تعمل على نحو سليم . ويصبح الجسم أرضاً خصبة لأعدائه . والخاتمة معلومة: بدايتها الفوضى غير الخلاقة.

لا شك في أن أشكال التطرف الديني ونقيضه تطرف العداء للإسلام والعروبة التي تظهر بين الحين والحين في بعض الدول العربية، لا تخلو من علامات استفهام تبعث على الحيرة . إذ لم نعد قادرين على معرفة ما إذا كانت مصنعة بالكامل في مختبرات أجنبية، على غرار فيروسات إنفلونزا الخنازير، طبقاً لروايات غير ضعيفة الإسناد، أم هي نتيجة خلل محلي في تلك البلدان.

 

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية