الإغتيالات السياسية والأمن القومي العربي

 

لا يزال الاعلام العربي غريزياً ومتابعاً على طريقة الاكشن للأحداث والأزمات العربية. وذلك بعيداً عن تحديد الأولويات المرجعية المفقودة في اعلامنا العربي. وهو ما شهدناه في متابعات حرب العراق ولبنان وغزة. التي كانت متابعات حدثية من نوع الأكشن ونقل مباشر دون التطرق للأولويات المرجعية. ومن أمثلتها ما نقلته الجزيرة خلال حرب العراق من خلال تواجد مراسلها احمد منصور في الفلوجة. الأمر الذي أتاح مصادفة نقل الإنتهاكات الوحشية للجيوش المتمدنة. فيما كانت بقية متابعات الحرب متابعات معارك ومواقع وملاحقة لمجرى تقدم القوات.

أما في لبنان فقد غيبت ممارسات ومحاولات إسرائيل لتقليد الهولوكوست على اللبنانيين عبر الجدل السياسي ومشاعر الفقدان والنواح على الموسم السياحي. حتى إختفى العدو الإسرائيلي وإستبدل بعدو داخلي تمكن الاعلام من تسويقه مهدداً بخطورة تفوق خطورة إسرائيل.

وإذا كان الإستقراء السياسي يبرر الحديث عن مغامرة عسكرية لحزب الله استناداً للإنتصارات الحربية الاسرائيلية السابقة فاننا لن نجد تبريراً لبراغماتية تمني انتصار اسرائيل للخلاص من حزب الله. وهي براغماتية تجدد جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل. ولسنا نعلم دور الاعلام اللبناني في المساعدة على نسيان ممارسات حواجز الجبش الاسرائيلي في لبنان وحفر ممارسات الحواجز السورية في الذاكرة اللبنانية.

وبالانتقال الى حرب غـزة فقد كانت العواطف جياشة والأولويات مخدرة. ما جعل من مواقف الاعلام العربي في حرب غزة مهزلة مستكملة الفصول.

اما بالنسبة لعملية اغتيال القائد الحمساوي محمود المبحوح في إمارة دبـي فان سلوك الاعلام العربي تكشف عن جملة مهازل أمكن رصدها بسبب غياب الجدل السياسي وتعطيل شيزوفرانيا النظام العربي الحاكم. فالمسألة كانت بوضوح تتعلق بإنتهاك أمن دولة عربية مسالمة ومعتدلة من قبل الموساد الاسرائيلي بمبرر اغتيال شخصية مقاومة خاضعة لجدلية الشيزوفرانيا والخلافات العربية.  

حيث حظي ملف اغتيال المبحوح وكشوفات تحقيق شرطة دبي المتدرجة بالتقسيط مع وعد باكمالها لاحقاً باهتمام عربي وعالمي. وتصدرت صور الفيديو التي نشرتها شرطة دبي الصفحات الاولى للصحف العربية والاسرائيلية والعديد من الصحف العالمية. إلا أن ردود الفعل العربية المستنكرة لهذا التهديد لأمن دبي إحتاج لأسابيع كي يترجم اعلامياً. علماً بأن انتهاك أمن دولة عربية أخطر كثيراً من أية عملية إغتيال. فهل ينظم الاعلام العربي جدول أولوياته ويضعها قيد التطبيق؟.

كما اننا لا نزال بنتظار طرح السؤال عن الدوافع الاسرائيلية لاختيار دبي تحديداً لإنتهاك أمنها؟. وهل هذا الاختيار على علاقة بنموذج دبـي المتفرد عربياً؟. خاصة وأن الضجة الاعلامية لعملية الاغتيال لم تحول الانظار عن أزمة شركة دبي العالمية ومخططات اعادة جدولة ديونها. بل صاحبتها نصيحة مؤسسة موديز لشركة دبي بسرعة جدولة ديونها مقابل رفعها مستوى التصنيف لكل من السعودية وعمان.

هذا وجاءت مهنية وكفاءة التحقيق في اغتيال المبحوح لتحسم المعركة لصالح الامارات حيث تحول الموساد الاسرائيلي الى مثار للسخرية والى مثال للتفكير المخابراتي المتخلف امام جهاز أمني عربي دخل عصر المعلومات والديجيتال. لتتصاعد المطالبات الاسرائيلية باستقالة رئيس الموساد مخطط الاغتيال الفضيحة. وهي فضيحة ادخلت اسرائيل في أزمة دبلوماسية مع الدول الاوروبية الصديقة.

لقد حسمت شرطة دبي الجدل في قضية اغتيال المبحوح بتحقيق متكامل الأركان. دون اهمال الإشارات التحذيرية لأية جهة تحاول التلاعب بأمن الامارات. مع التأكيد على تورط الموساد بالعملية واستمرار التهديد بطلب توقيف نتنياهـو ومن عدع بتوقيف رئيس الموساد مئير داغان.

وبذلك اعادت الامارات الطابة الى الملعب الفلسطيني لاكمال الكادر بتوضيح خلفيات العملية وحجم تورط السلطة الفلسطينية في العملية والاختراقات الحمساوية المؤدية اليها.

حيث أشارت المعلومات ،قبل اعلان حماس لها، لتورط محمد الدحلان القيادي الامني الفتحاوي في اغتيال المبحوح. وجاء الاعلان عن اسماء الضابطين الامنيين المعتقلين في الامارات بعد هروبهما للاردن لتأكيد هذه المعلومات. فالمعتقلين ضابطين أمنيين في السلطة الفلسطينية هما احمد حسنين وانور شحيبر. وتقول المصادر ان دحلان زار الامارات وحاول التوسط لاطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين لكن وساطته باءت بالفشل.

لقد تمكنت امارة دبي استناداً لدقة تحقيقها من تحويل أية اتهامات محتملة الى ملاعب الآخرين المتورطين في الاغتيال. وهو ما لا يمكن الفوز به دائماً ولا تتوافر ادواته وعناصره في بلدان أخرى. فلولا جلاء الحقائق واضحة لإتجهت اصابع الاتهام نحو البلد الذي حصل فيه الاغتيال اي نحو الامارات.

وبالقليل من الاعلام الغبي والمدفوع الثمن كان يمكن للمتدربين في الوكالة الاميركية للتنمية على قيادة التجمعات والمظاهرات تنظيم وإحياء حفلات ومهرجانات حاشدة للمطالبة بدم الشهيد. ومعها تتعمق تدخلات المخابرات العربية والاجنبية للمفاوضة على ثمن السكوت. ودونه تأجيج العواطف ودعوات الثأر وإتهام النخب وتهديدها وملء اماكنها بمتدربي وكالة التنمية الاميركية من هوامش المجتمع ورعاعه.

الأمن القومي الوطني والعربي مرتبط في مثل هذه الحالات بالاعلام. حيث من واجب الاعلام عدم الانغماس في الفرضيات والتسريبات والإتهامات التي تحول الاعلام الى قاضي تحقيق واداة تهديد للأمن المحلي والعربي. والخطوة الاولى للاعلام العربي في مثل هذه الحالات تكون في الاعتراض على تهديد أمن واستقرار البلد. مع توجيه طرح الأسئلة وتحري المعلومات ومتابعة التسريبات التي تشير الى الجهة او الجهات التي اختارت مكان الاغتيال ونفذته بغرض تهديد الاستقرار وتفجير الاتهامات والصراعات.

المؤسف ان اعلامنا العربي لم يعتد بعد لعب دوره كسلطة فاعلة ومؤثرة وعليه الاعتياد على ذلك وباسرع ما يمكن. وحول هذا الموضوع يجب تركيز التدريبات وليس على مواضيع الوكالة الاميركية. اذ لا يجوز ان يوجه الاعلام وان توجه عبره اتهامات قاتلة يتبين خطأها لاحقاً. وعوضاً عن الاعتذار والتراجع والمراجعة يقال انها كانت "إتهامات سياسية". وكأن الصاق صفة سياسية بالاتهامات تشرعنها.

وفـي مثال الإعتراض على تهديد أمن دبـي كان الكاتب عبد الباري عطوان اول صحفي عربي يمارس هذا الاعتراض اذ كتب في صحيفة القدس العربي السبت 20/2 ان عملية 'الموساد' المتمثلة باغتيال المبحوح فضحت الارهاب الاسرائيلي ومعه التواطوء الاوروبي. حيث صمتت الحكومات الغربية التي استخدمت وحدة 'الموساد' جوازات سفر عدد من مواطنيها لانتهاك أمن امارة مسالمة معتدلة، وتنفيذ عملية ارهابية فيها.  وختم عطوان مطالباً الحكومات العربية بالتهديد بوقف كل اشكال التعاون الامني مع الدول المتواطئة مع الموساد ما لم تتحرك بسرعة لمعاقبة اسرائيل.

 

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية