إستمرار مشروع  تغييـر الخارطة العربية

 

تشير مخاطر الصراعات والحروب التي تهدد كامل منطقة الشرق الاوسط بكافة تعريفات واقتراحات حدود هذه المنطقة الى تجدد لعبة الأمم تتجدد في الشرق الاوسط بأشكاله الكبير والعربي والجديد والهجين. وتتلازم هذه المخاطر مع إتجاه الأنظمة الكرتونية التي خلفتها حروب بوش في المنطقة نحو السقوط.

الملفت ان سقوط كرتونيات الديمقراطية الاميركية بدأ من حيث انطلقت الثورات الاميركية الملونة. حيث شهد هذا الاسبوع فوز مرشح المعارضة الاوكرانية على جماعة الثورة الملونة. وهي اشارة واجبة كون حروب بوش في الشرق الاوسط جاءت بعد سلسلة الثورات الملونة في الدول الاشتراكية السابقة. وهي حملت معها اسقاط نظامين وازنين في المعادلات الاستراتيجية للمنطقة وهما أفغانستان والعراق.

في هاتين الدولتين المحتلتين اقامت ادارة بوش نظامين بديلين توخت فيهما بديلين ديمقراطيين للنظاميين السابقين. فكان الفشل الاول لمخلفات بوش من الانظمة في الشرق الاوسط. وهي انظمة فرضت تغييرات سياسية في جوارهما. فكان التخلي الاميركي عن نظام الجنرال مشرف في باكستان وكانت ثورة ملونة في لبنان كخطوة على طريق المساس بالنظام السوري. وقبل كل هذه الانظمة كان نظام السلطة الفلسطينية.

لا شك ان الاوضاع وانعكاساتها كانت مختلفة تماماً لو نجحت مشاريع بوش في المنطقة. لكن فشل هذه المشاريع بات واقعاً يتطلب المعالجات وهو ما تحاول ادارة اوباما معالجته. فافغانستان لم تعد حاضرة في مواجهة التهديد الهندي والعراق غاب عن المعادلة الاستراتيجية كعمق عربي وكطرف توازن مع القوة الايرانية. إنها لعبة الأمم التي سبق وتحدث عنها مايلز كوبلاند وهي اليوم الأخطر والأشد تعقيداً بعد دخول الازمة الاقتصادية العالمية عاملاً مقرراً فيها.

نبدأ من العراق الذي حوله الاحتلال الاميركي الى أول الدول المرشحة للتفكك الجغرافي والتمزيق كما حوله الى الفتيل الاقدر على إشعال الفتنة المذهبية في كامل الشرق الاوسط والعالم الاسلامي.

وإحتلال بوش للعراق يخفي أسراراً قد تنتظر عقوداً قبل الاعلان عنها. لذا  يرى المحللون المستقبليون ضرورة التذكير بمقولة يوليوس قيصر ان "الحرب تصبح خاسرة بدون أخلاق" وعليه يؤكدون أن الذرائع الكاذبة لحرب العراق هي التي حولتها لحرب خاسرة. بل ان خسارتها سوف تتعمق مع الوقت. وبداية الغيث تلك المراجعة البريطانية الداخلية الشبيهة بالمحاكمة. والتي أثبتت لغاية الآن بطلان ذريعة اسلحة الدمار الشامل والنية المبيتة لاحتلال العراق قبل وصول الرئيس بوش الى الحكم. ليضاف اليها هذا الاسبوع اعلان إلفين لويد، زعيم حزب "بليد كايمرو" البريطاني عن وجود مذكرة لديه تظهر أن تونى بلير، رئيس الوزراء البريطانى السابق، عقد اتفاقا سريا مع الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش لغزو العراق قبل عام من غزوه فعليا فى 2003. ومع تراكم هذه الاعترافات لا بد لنا من ان نلفت الى القاعدة االثابتة بضرورة العودة الى الزمن التاريخي. حيث توافرت لدينا معلومات ،من خلال منصب استشاري لنا آنذاك، قبل بداية الحرب أن بلير يساير بوش لكنه يعمل ما بوسعه على وقف مشروع الحرب أو تأجيلها قدر الامكان. وهو ما أشرنا له تفصيلاً في كتابنا "الحرب النفسية في العراق" http://drnaboulsi.com/wanab.html

وبالانتقال الى محطة بوش الفلسطينية فان التقسيم طال الدولة الموعودة قبل ولادتها. ولم يعد لدى السلطة الفلسطينية مجرد أوهام التفاوض حول السلام بعد التوسع السرطاني للمستوطنات الاسرائيلية وخطوات تهويد القدس وسط تجاهل أميركي تام. يقابله ضغط على الرئيس عباس لقبول صيغة المفاوضات غير المباشرة لانقاذ ماء وجه ادارة اوباما.

أما في لبنـان فكانت ثورة الارز محاولة لتقديم نموذج ديمقراطي بديل عن النموذجين الافغاني والعراقي الذين تتكتم الادارة الاميركية على دمويتهما ومئات آلاف القتلى من سكانهما ثمناً للديمقراطية الموعودة. فهل نجحت ثورة الأرز بتقديم الصورة الناضرة للديمقراطية الاميركية؟.

رغم الاقتصاد في دمويتها فان التجربة اللبنانية قدمت أسوأ النماذج الممكنة للديمقراطية الاميركية. فهي أفرزت أسوا دورتين انتخابيتين في تاريخ الانتخابات اللبنانية وذلك وفق متابعات كبريات الصحف الاميركية. التي أكدت على عدم نزاهة هذه الانتخابات وعلى سيطرة المال السياسي فيها. لدرجة تحديد صحيفة اميركية لحجم الانفاق العربي على انتخابات 2009 بالارقام.

الأسوأ في دمقرطة لبنان كانت الشخوص التي افرزتها وأوصلتها الى مواقع تمكنها من تخريب أية انجازات لبنانية سابقة. اذ اطلقت القتلة من السجون لتعطيهم واجهات سياسية ومعهم هامشيون أظهروا عداءهم للمجتمع اللبناني في مناسبات متعددة منها مناسبة الحرب الاسرائيلية على لبنان العام 2006 ومن مظاهره حماستهم لتصنيف مقاومة اسرائيل على انها ارهاب. لتعود هذه الهوامش الى مشاركة المقاومين الارهابيين في حكم ما تبقى من الدولة اللبنانية بعد الثورة الاميركية التي لم تتجاوز انجازاتها انجاز نشر الفسـاد باشكاله الاكثر وقاحة في لبنان. فالفساد كان وحده العلاج المتاح لتثبيت هذه الشخوص في مواقعها ريثما يقلع مشروع تغيير خريطة الشرق الاوسط وتفتيت دوله الى دول متنازعة يستنجد بعضها باسرائيل ويتمسك بعضها باذيال واشنطن وفق صلوات ديمقراطية متصلة.

واليوم يمكن التأكيد على ان مغامرة بوش في الشرق الاوسط تمخضت عن فوضى متعددة الصعد لعل أبرز وجوهها فقدان التوازن الاستراتيجي وتعميق الفشل في أغلب دول المنطقة. وتكشفت عن هذه الفوضى جغرافية يصعب استمرارها بقدر ما يسهل تغييرها. والتغيير الجغرافي قد لا يتطابق وخطة تغيير خارطة الشرق الاوسط وفق طروحات فريق الرئيس السابق جورج بوش: أنظر الرابط: http://www.mostakbaliat.com/link149.html لكن الفوضى التي نشرتها ادارة بوش في المنطقة انطلاقاً من 2001 تركت آثارها على كافة دول المنطقة حيث الحدود وأمور عديدة تبقى مؤقتة بانتظار المعادلات الدولية الجديدة. فثمة انظمة أفرزتها حروب بوش وأخرى افرزتها الصراعات بين صانعي الحضارة ومنتجي القوة. واذا كانت الجغرافيا الناشئة عن صدام الحضارات عرضة دائماً للتصحيح فان هذا الصدام لا يبدو انه وضع أوزاره بعد في الشرق الاوسط. اذ ان تهديدات الحرب تحيط بكامل المنطقة لتبدو كأنها قنبلة دخانية تؤمن الانسحاب الاميركي من المنطقة بافضل الشروط الممكنة.

وبعد الانسحاب الاميركي تبقى المنطقة امام خيارين فاما قبول توبة كرزايات المنطقة من افغانستان الى لبنان ،وعودتهم الى هامش المجتمع من حيث أتوا، وإما محاسبتهم ان هم بقوا في حدود الجغرافيا الجديد لبلدانهم السائرة نحو التقسيم. او ان هم بقوا اصلاً في بلدانهم ولم يغادروها لنيل شرف الطريد السياسي.

بعض التركيز لاكتساب قدرة التذكر لاحقاً فان تغيير الجغرافيا وتقسيم البلدان سيبدأ من الدول التي باركها التدخل الاميركي بلعناته وتحديداً فلسطين (المقسمة مبكراً) وافغانستان والعراق ولبنان والاردن واليمن والسودان والبحرين ودول أخرى....

 

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية