أوباما يتخلى عن دعم الديموقراطية في الدول العربية

 

أكدت مصادر أميركية موثوقة إن إدارة الرئيس باراك أوباما تخلت على "دعم قضايا الديموقراطية في الدول العربية بما فيها لبنان. وهي تحرص بوضوح شديد على اعلان طلاقها مع السياسات التى اتبعتها إدارة الرئيس السابق جورج بوش بهذا الخصوص. وكانت صحيفة "واشنطن بوست" الاميركية قد أكدت هذه المعلومات ونشرتها لزيادة التأكيد.

حيث قالت صحيفة "واشنطن بوست" في افتتاحيتها أن إدارة بوش أدركت بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 أن غياب الحرية السياسية والديمقراطية فى الدول العربية والإسلامية كان أحد أسباب "نمو التطرف الإسلامى". لذلك ضغطت إدارة بوش من أجل الإصلاح الديمقراطى فى العديد من الدول العربية بما فيها لبنان قبل أن تتراجع هذه الإدارة عن موقفها فى سنواتها الأخيرة.

وأضافت أن إدارة أوباما أوضحت منذ البداية أن نشر الديمقراطية لا يمثل أولوية بالنسبة لها. وهو الموقف الذى أعلنته بوضوح وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون فى مؤتمر صحفى بالقاهرة فى تشرين الثاني الماضى عندما قالت إن إدارتها تركز على "التعليم والتنمية البشرية والتنمية الاقتصادية وحقوق الإنسان" دون أى ذكر لكلمة الديمقراطية.

وتابعت "واشنطن بوست" إن توقيت تخلى الولايات المتحدة عن دعم الديمقراطية الآن سيىء للغاية لأن المنطقة ستشهد خلال العامين الحالى والمقبل انتخابات تشريعية ورئاسية يمكن أن تحدد ما إذا كانت أنظمة الحكم في المنطقة نظام سوف تستمر أم لا.

وأشارت الصحيفة إلى أن حركة المعارضة الديمقراطية فى مصر مثلاً  تضغط بقوة من أجل ضمان نزاهة وحرية الانتخابات وهى القضية التى حصلت على قوة دفع مؤخرا من الدكتور محمد البرادعى المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية والحاصل على جائزة نوبل للسلام، بإعلان استعداده خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة فى حالة توافر ضمانات النزاهة والحرية.

وقالت إن أمام الولايات المتحدة فرصة عظيمة للضغط من أجل الإصلاح الديمقراطى فى مصر، ولكن لا توجد أى إشارات علنية على أن الإدارة الأمريكية تدعم دعوة البرادعى لانتخابات تنافسية وحرة فى مصر. بل إن العكس هو الصحيح حيث تتحدث السفيرة الأمريكية بالقاهرة مارجريت سكوبى عن الحرية الكبيرة للتعبير فى مصر وحيث خفضت الإدارة الأمريكية مخصصات دعم برامج الديمقراطية فى مصر بنسبة 60%.

وقد هاجمت الصحيفة تصريحات سكوبى عن حرية التعبير فى مصر ، وذكرت الصحيفة إن سكوبى التى قالت خلال زيارتها لجامعة القاهرة يوم 14 ديسمبر الماضى "خلال وجودى فى مصر لاحظت أن الكثير من المصريين يتحدثون بحرية للغاية" كانت تتحدث عن مصر أخرى غير تلك التى يعرفها المصريون.

وواصلت الصحيفة انتقادها للسفيرة الأمريكية فى القاهرة، فقالت إن سكوبى هربت من الحديث عن "موقف الولايات المتحدة من الديمقراطية فى مصر" وقالت إن "الولايات المتحدة تدعم القيم الديمقراطية وتدعم احترام حقوق الإنسان وستعمل مع أى شخص من أجل الوصول إلى هذا الهدف" وبهذه الكلمات تكرر نفس النغمة التى وضعتها إدارة أوباما فى التعامل مع مصر وغيرها من الحكومات فى الدول العربية.

ولكن ماذا عن الديمقراطية الاميركية في لبنان؟. وهل موقف ادارة اوباما من هذه الديمقراطية مختلف عن باقي الديمقراطيات العربية؟.

الاجوبة مرتبطة برؤية الادارة الجديدة المخالفة لرؤية بوش والقائلة بالحاجة الى حلفاء فاعلين وقادرين على تقديم المساعدة والتغطية لاميركا. وهي رؤية تسقط كل جماعة بوش في الشرق الاوسط التي كانت وظيفتها مجرد تأمين التغطية للتدخل الاميركي في بلدانها. وهذه الرؤية تبرر تخلي أوباما عن كرزاي في افغانستان وعن زرداري في باكستان وعن الاختبارات التي يخضع لها مالكي العراق وغيرهم. اذ ان ادارة اوباما تدرك انها لا تملك قوة ونفوذ لبعثرتهما. وهي بحاجة الى كل قدراتها للخروج من حماقات الادارة البوشية السابقة.

لقد حاولت ادارة اوباما الحفاظ على أصدقائها اللبنانيين شريطة عدم استمرار مطالبتهم ببعثرة الجهود الاميركية لتثبيتهم في الواجهة السياسية اللبنانية.

في خطوة أولى قام نائب الرئيس أوباما بزيارة بيروت ليعلن تأييده للأصدقاء وضرورة فوزهم في الانتخابات. وتابعت السفيرة الاميركية دعم الاصدقاء خلال الانتخابات وبعدها لغاية التدخل الخارج على الاصول الدبلوماسية في تشكيل الحكومة اللبنانية. الا ان هذه الجهود لم تنفع لايصال حلفاء اميركا لمرحلة الاعتماد على النفس من اجل استمرارهم بصفة سياسيين. وعندها فقط تخلى أوباما عن دعم الديمقراطية في لبنان.
خاصة وان مستشارو أوباما شرحوا له ان بوش اعتمد اللوبي اللبناني الاميركي دليلاً لتعامله مع لبنان. لكن هؤلاء هم مجرد "عرب يكرهون انفسهم واصولهم ويريدون الانتقام منها". والانسياق خلفهم قد ينجح في لبنان ولكن على حساب خسارة كامل المنطقة العربية.

لذلك كانت اولى خطوات اوباما للتخلص من أوزار وحماقات بوش اللبنانية هو التخلي عن اللبنانيين الاميركيين كارهي أنفسهم. وان اكتشف لاحقاً أن عدواهم وصلت الى لبنان فحولت قسماً من اللبنانيين الى عرب يكرهون انفسهم والعروبة معها. لكن دعم هذه الكراهية مكلف بدليل الاموال التي أهدرت في الانتخابات الاخيرة لايصال كارهي أنفسهم والعروبة الى مجرد مقعد نيابي. بما يطرح السؤال حول الاموال المطلوبة كي ينتقل هؤلاء لممارسة السياسة الفعلية؟.

لهذه الأسباب تحول الأذى الاميركي من تهديدنا بثورة الارز بعد التخلي النهائي عنها الى العودة لتهديدنا بحرب إسرائيلية قادمة.

 

 

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية