الإستقالات الأميركية والحرب على لبنان

 

مع اقتراب مرور سنة على دخول أوباما للبيت الابيض تنتهي فترات السماح المتاحة للرئيس الجديد دون تحقيق إنجازات ملموسة وبخاصة دون تحقيق الوعود المطلقة إبان الحملة الانتخابية. ولكن ذلك لا يعني انعدام فعالية تحركات أوباما بقدر ما يعكس تأخر مفاعيلها. وأكثر من التأخير تلك الحاجة لاتخاذ قرارات متعارضة مع الاستراتيجيات المعلنة للادارة الجديدة.

فبمراجعة التطورات الميدانية في أفغانستان نجد استراتيجية أوباما المعلنة تتحدث عن كسب القلوب والتقرب من الشعب الافغاني. فيما تستمر الغارات والعمليات العسكرية الاميركية بايقاع ضحايا مدنيين مثيرة سخط الشعب الافغاني وكراهيته لأميركا. والادارة الاميركية تتقبل هذا التناقض لان غاراتها على افغانستان وباكستان هي الانجاز العسكري الوحيد الممكن في تلك المنطقة.

بذلك تقع واشنطن في تناقض جديد لان هذه الغارات تهدف لاصطياد الرجال من قادة طالبان والقاعدة. وهو الصيد الذي عارضه اوباما وحاول محاكمة رجال المخابرات الاميركية الساعين لتنفيذ اغتيالات لهؤلاء القادة. ولم يكتفي اوباما بوقف هذه الملاحقة القانونية ولكنه تابعها وارتكب اكثر مما ارتكبته ادارة بوش في مجال اعتماد الحرب الاستخباراتية. وهو ما أكدته تسريبات تخول الضباط البريطانيين في افغانستان بشراء الذمم ونفته الحكومة بعد تسريبه.

المبدأ الوحيد الباقي في وعود اوباما واعلاناته هو عدم اللجوء الى القوة المفرطة كما فعل بوش. لكنه بدأ باللجوء الى القوة القذرة وفق ما تشير اليه المعلومات الواردة من افغانستان وكذلك من باكستان. حيث تحولت قيادة الحرب في هذين البلدين الى الاستخبارات التي تقود عملياً الحرب في باكستان التي توشك ان تتحول الى حرب أهلية. وهي التي تجمع المعلومات لتوجيه الغارات الاميركية في انحاء افغانستان وباكستان.

ولمن لا يذكر فترة العمليات الاميركية القذرة مطلع السبيعينيات نذكرهم بانقلاب الجنرال بينوشيه المبرمج اميركيا باشراف مباشر من وزير الخارجية الاميركية هنري كيسينجر ضد الرئيس التشيلي الليندي. وفيه ارتكب بيونشيه مذابح وجرائم ضد الانسانية بقي ملاحقاً عليها لغاية وفاته.

بمعنى آخر فان العمليات القذرة التي بدأها بوش مع بشائر هزائمه العسكرية مطروحة كأحد الحلول الممكنة امام اوباما. وهي تعني استبدال الثورات الملونة وحكومات المتظاهرين بعمليات دموية تنطوي على اغتيالات وانقلابات ومجازر وجرائم بحق الانسانية اضافة لاشعال الحروب الاهلية والنزاعات الاهلية في الدول موضوع الغضب الاميركي. وهذا تحديداً ما فعله الاميركيون عقب هزيمتهم في فيتنام ونكاد نجزم بانهم سيفعلونه عقب هزيمتهم في افغانستان.

وبالعودة الى مسلسل الاستقالات في ادارة اوباما ،لمعارضة زيادة القوات وما يليها من عمليات قذرة ودموية، قالت صحيفتا "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" ان مستشار البيت الأبيض الاميركي جريجوري كريج الذي حاول أن يقود جهود اغلاق سجن خليج جوانتانامو الحربي قدم استقالته الجمعة 13/11.ونقلت الصحيفتان في موقعيهما على الانترنت عن مقربين ومطلعين على الموقف قولهم إن كريج إستقال لينهي شهورا من التكهنات حول بقائه في منصب كبير المستشارين القانونيين للرئيس باراك أوباما. ورفض البيت الأبيض التعليق على التقريرين. وكانت بداية مسلسل الاستقالات مع قائمة المسؤولين الذين تراجعوا عن تقلد المناصب في ادارة اوباما لأسباب مختلفة. ووصف المحللون في حينه سلسلة الاستقالات بـ"الضربة القوية" للرئيس أوباما الذي طالما انتقد غموض سياسية جورج بوش في البيت الأبيض. وكان الدبلوماسي الأميركي ماثيو هوه قد قدم استقالته في 26/10/09 ليكون أول مسؤول رسمي أميركي يستقيل احتجاجا على الحرب الأميركية على أفغانستان.

وهذه الإستقالات ليست مفاجئة للمتابعين المطلعين على تركيبة ادارة اوباما غير المتجانسة. ونرد القاريء هنا الى دراسة نشرها المركز العربي للدراسات المستقبلية في 20/4/2009 على موقعه على الانترنت بعنوان "قراءة سيكولوجية مستقبلية لإستراتيجية أوباما" http://www.mostakbaliat.com/artcle/015.htm  وفيها ان التركيبة العامة لفريق أوباما إعتمدت على مباديء دراسة السلوك والسوابق. حيث وضعت الكفاءات التي تجد صعوبة في عمل الفريق في مناصب استشارية. وحيث تم الاحتفاظ ببعض أعضاء فريق بوش القادرين على التكيف مع منطلقات الادارة الجديدة. فإذا ما نظرنا الى تعقيد الملفات المطروحة على الادارة وصفتها الطارئة أمكننا استبعاد تأثير الاشخاص والعوامل الشخصية في ادارة أوباما. حيث الظروف الطارئة تفرض برمجة الطاقم وفق حسابات بعيدة عن العامل الفردي. وهذه البرمجة سوف تؤثر على مستوى الإنسجام داخل الفريق بما يبرر توقع إقالات وإستقالات وتجميدات وتغييرات سريعة في الطاقم وكذلك في السلوك المعهود لبعض أفراده. ومن هنا ضرورة استبعاد كل التوقعات التي تقوم على اساس معرفة السلوك السابق لأعضاء الادارة.

اليوم ومع تراجع التأييد الداخلي لاوباما بالتزامن مع نهاية فترة السماح المعطاة للرئيس الجديد يتوقع تراجع نفوذ أوباما بصعود تأثير نائبه جو بايدن ووزيرة خارجيته كلينتون. حيث أبدى الاثنان مواقف عنصرية ضمنية من أوباما في مناسبات عديدة. وعليه فان القرار الاميركي سيتحول الى ثلاثي الرؤوس مع هبوط قدرة اوباما على التصرف في افغانستان.

هذه الفترة يحددها متخصصون متزامنة مع الربيع القادم. حيث اليأس من افغانستان يصل الى أقصاه وحيث الارض العراقية المحروقة لم تعد صالحة كمنطلق للدفاع عن المصالح الاميركية. وعندها تكتمل معالم دور اسرائيلي جديد يعيد طرح اجراء تغييرات قهرية في المنطقة ولكن لنطلاقاً من لبنان هذه المرة. حيث فشل الطاقم اللبناني الاميركي المدوي يفتح الباب امام حرب اسرائيلية على لبنان مدعومة من الاميركيين بصورة صارمة تبلغ حدود التورط في مواجهة الدعم السوري والايراني لحزب الله وللمقاومة اللبنانية ضد اسرائيل.

لقد باتت هذه الحرب الاسرائيلية الربيعية على لبنان مؤكدة بحكم دخولها ضمن الضرورات الاستراتيجية لكل من اسرائيل والولايات المتحدة. ولا يمكن تجاوزها الا باستباقها قبل تحرر واشنطن من التزاماتها العسكرية الافغانية. أو بوصول الخلافات داخل فريق أوباما بادارة اوباما الى حدود تخليها عن اهدافها الخارجية في سبيل اعادة ترتيب البيت الداخلي. وعندها سيظهر الرئيس اوباما هو واحد من ثلاثة رؤساء يحكمون أميركا.

 

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية