ضلال كرزاي
  عندما جاء الرئيس بوش بكرزاي كان يهدف لتسليم افغانستان الى رجل عميق الايمان بالديمقراطية التي يريد بوش نشرها في المنطقة. وأدى كرزاي دوره المطلوب بأمانة كبيرة وورع ديمقراطي غير موصوف حتى بات مثالاً يحتذى ورمزاً لرجال بوش في المنطقة.

عند احتلال العراق كان نموذج كرزاي جاهزاً فكان مجلس حكم كرزاي في البداية لتأتي بعده انتخابات تنشيء دولة كرزاي عراقية. وبما ان بوش نفسه جاء نتيجة انتخابات مزورة فقد أعجبته لعبة الانتخابات وراح يمارسها بوحشية تعادل وحشيته في نشر ديمقراطيته. حتى بات لكل بلد مفتاحه الخاص نحو فوضى بوش الخلاقة ومعها ايصال كرزاي محلي على صهوة هذه الفوضى.

لقد زرع بوش المنطقة بالكرزايات طمعاً منه في تحقيق طموحه لتغيير خارطة المنطقة ومعها تغيير جغرافية الدول العربية وإعادة تركيبها بعد جراحات عسكرية وسياسية متوحشة.

هكذا قاد بوش منطقتنا العربية نحو الإنفجار وزرع فيها كرزايات فاقوا مثيلهم الافغاني في ايمانهم بالديمقراطية. وهو ايمان بلغ حدود التسليم فماذا يعني ان يقع مئات آلاف العراقيين بل وملايين منهم ضحايا لحرب بوش على العراق؟. المهم ان بوش حقق هدفه السامي بالقضاء على نظام ديكتاتوري ظالم.

لكن أهداف بوش الرسولية لم تتحقق فالعراق لم يتحول الى دولة ديمقراطية بل الى دولة فاشلة ومرشحة للحروب الاهلية والتقسيم وتفجير الدول المجاورة لها.

الأخطر ان الدولة العظمى التي يقودها بوش لم تتحمل تكاليف وأعباء حروبه وضحاياها وانعكاساتها فوقعت ضحية أزمة مالية هددت اقتصاد العالم ولا تزال. وكانت اولى تضحيات الانقاذ الاميركي القبول برجل أسود رئيساً للولايات المتحدة. انه باراك اوباما الذي جاء واعداً متفائلاً منفتحاً ومصلحاً.

بدايات أوباما كانت مدروسة ومعدة مسبقاً فهو بحاجة اولاً للتخلص من عار ديمقراطيات بوش الحربية في افغانستان والعراق وعار ديمقراطية بوش المستندة الى فوضى الجنازة في لبنان. لذلك استغل بوش اولى زياراته لاوروبا ليمم وجهه شطر تركيا وليشجعها على التوجه شرقاً لتكون نموذج الدولة المسلمة الممثلة للديمقراطية الاميركية في المنطقة.

خطوة اوباما الاولى سجلت نجاحاً ملفتاً اذ إجتاحت تركيا العالمين العربي والاسلامي حتى سدت ثغرات الزلازل التي خلفتها حماقات بوش في المنطقة. لتأتي بعدها خطوة أوباما الثانية في خطاب اعتذاري للمسلمين من القاهرة. وفيه قال أوباما لكل مسلمي العالم "عفواً " كبيرة. دون ان يبالي ما اذا كان هذا الاعتذار كافياً ليغطي وقوع ملايين المسلمين ضحايا حماقات بوش.

من هذه اللامبالاة انطلق اوباما في خطوته الثالثة للتخلص من كرزايات بوش فوصف كرزاي افغانستان بانه يقود دولة مخدرات فاسدة!؟. دون ان يتجرأ احد على سؤاله عمن اسس هذه الدولة ومن أتى بكرزاي ومن رعاه وبارك فساده ومخدراته.

كلام اوباما حول ايمان كرزاي باميركا وديمقراطيتها الى ضلال والحاد. وكانت اولى خطوات ضلال كرزاي مطالبته في الامم المتحدة بتحديد موعد لانسحاب الجيوش الاجنبية من افغانستان. واتبع كرزاي ضلاله بكفر بائن جعل اوباما مضطراً لتأجيل محاسبته حتى الانتخابات. وفيها مارس كرزاي التزوير الذي تعلمه في دروس الديمقراطية الاميركية ليبقى رئيساً رغم أنف أوباما ودولته العظمى.

دولة افغانستان اليوم أكثر فشلاً منها ايام بوش اذ يحكمها رئيس غير شرعي بات مستعداً لممارسة فساده علانية. فعندما طلب منه بان كي مون محاربة الفساد اجابت وزارة خارجيته ان افغانستان ترفض تدخل الآخرين في شؤونها.

كرزاي الضال هذا لا يستطيع الفوز بانتخابات نزيهة لكنه يستطيع البقاء في الحكم والاستمرار فيه عبر ما إختزنه من الدعم الاميركي وعبر الاموال التي راكمها من فساد يشجعه الاميركيون لانه يورط السياسيين ويختلق لهم نقاط ضعف تسهل السيطرة عليهم.

باختصار فان كرزاي نموذج للسياسي المستعد للإيمان كما للكفر شرط الحفاظ على مكاسبه وعلى ما لم يستحقه ولن يستحقه يوماً. بما يطرح السؤال حول استعداد بقية كرزايات بوش وبخاصة العرب منهم للتحول الى الضلال.

عند هذا الحد نتوقف لان حدة التجاذبات وخطورتها في الساحة العربية لا تحتمل تطبيق مبدأ ضلال كرزاي عليها. كما أننا لا نريد إثارة مواضيع في غير وقتها كي لا نساهم في سيرورات التكفير والتخوين. وهو ما يجعلنا نتوقف هنا عن اي كلام مباح مع توجيه التحذير لكل كرزاي ان ينفذ بجلده مكتفياً بما حصل عليه من نعم بوش وعطاياه قبل ان يضطر لممارسة كفر التمرد على اوباما ومن بعده مواجهة حسابات أو ربما مجرد لعنات الذل في ابو غريب وغوانتانامو.

ولمجرد التذكير بان ذل الحاجة وشراء الذمم والضمائر لا يحميان أي كرزاي نذكر حكاية تعود الى العام 1920 عندما تمكن مبشرون بروتستانت من تنصير قرية عراقية كاملة مستغلين ضغط الفقر والحاجة وفقدان الأمان ومشاعر التهديد من القوة البريطانية العظمى. وبعد اكتمال التنصير بنى المبشرون كنيسة وافتتحوها باحتفال جمع اهل القرية الذين اعجبوا بالبناء فهتفوا في صوت واحد: "الله أكبر".

ولمجرد المثال فان "لعنة الذل" التي نتحدث عنها دفعت بالرائد الاميركي العربي الاصل نضال حسن الى عدم تحمل فكرة المشاركة في حرب العراق والدخول في دائرة لعنة الذل. وهو كلف محامياً لتخليصه من هذه اللعنة لكنها لعنة مفروضة. وكان ضلال الرائد حسن باطلاق النار داخل اكبر قاعدة اميركية وايقاعه ﻠ 48 عسكرياً اميركياً بين قتيل وجريح.

القاعدة وكل التنظيمات الإرهابية والجهادية والمخابراتية لا يمكنها تنفيذ وتخطيط عملية مشابهة لكن "لعنة الذل" تمكنت من تنفيذها. فإحذروا "لعنة الذل".

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية