مقبـرة الإمبراطوريات هل تدفن اميركا؟

 

تشير متابعة الدراسات الصادرة عن مراكز الابحاث الاميركية الى ان المحللين العسكريين لوكالة "سي آي اي" قد استبقوا توقع المآزق العسكرية الاميركية الحالية. كما تشير لإلتفاف ديك تشيني على الوكالة بانشاء ذراع مخابراتي للبنتاغون. وعندما تولى اوباما المسؤولية كان قادته العسكريون في غاية الوضوح وصوابية الرؤية. حيث يذكر انهم لم يجدوا دعوة الانسحاب من العراق منطقية وطلبوا تأجيلها. كما ضغطوا بقوة لتحفيف العبء على قواتهم في افغانستان. وها هو أوباما يواجه اليوم أوزار الإرث البوشي في الدولتين والعالم كما في الداخل الاميركي. من جهته طلب قائد الناتو في افغانستان رسمياً هذا الاسبوع زيادة القوات الاميركية في افغانستان تحت طائلة الفشل العسكري في حال عدم الاستجابة. فيما يواجه إقرار هذه الزيادة صعوبة موافقة الكونعرس على تمويلها. ومعها إنخفاض نسبة التأييد لأوباما وتنامي مشاعر الخيبة من أدائه بما دفعه للإعتراف هذا الاسبوع ان معظم الاميركيين غير راضين عن الحرب في افغانستان. وهو تصريح يضاف الى تلميحات سابقة تدفع بالمحللين لتوقع ظهور خطة اميركية للانسحاب من افغانستان. ما لم تستجب دول التحالف ودول الجوار ومعهم روسيا والصين لدعم الحرب في افغانستان. وهو تعاون لايمكنه ان يتم بدون شروط تغير وجه الحرب. وتجدر الاشارة الى نجاح طالبان في تعطيل الانتخابات حيث تزويرها مؤكد وجرأة اعلان نتائجها لم تبرهن حتى اليوم.

اما عن  تقلص الخيارات الاميركية في افغانسـتان فقد بدأ الطابع النقدي والتحليلي يغلب على تغطية الإعلام الغربي بعد أن كانت التقارير الإخبارية هي السمة الغالبة فيها. خاصة بعد تحذير الجنرال ماكريستال من الفشل هناك وبعد ما رصده المحللون من إشارات على تفكير اوباما بالانسحاب من ذلك البلد وبعد تردده في الاستجابة لارسال جنود اضافيين الى افغانستان. وبهذه الصدد قالت الاندبندنت البريطانية الجمعة 25/9 إن الآخرين إذا أدركوا أن واشنطن تعارض زيادة قواتها في أفغانستان, أو تميل إلى خفضها، فإن دولا أخرى في التحالف، لا تحظى الحرب فيها بأي شعبية، ستُهرع إلى الخروج من هناك. كما أشارت صحيفة ذي فايننشال تايمز, الجمعة إلى أن انهماك البيت الأبيض في دراسة خيارات بديلة، من بينها تركيز المجهود الحربي على ضرب تنظيم القاعدة في باكستان، يجيء في وقت تستغرق فيه الإدارة الأميركية في كيفية التعامل مع تداعيات انتخابات الرئاسة الأفغانية التي حفلت بالتزوير. وأيدت صحيفة واشنطن تايمز اليمينية الجمعة 25/9 بقوة زيادة أعداد الجنود الأميركيين في أفغانستان. مستدعية في افتتاحيتها الملابسات التي صاحبت الحرب الأميركية في فيتنام في ستينيات القرن العشرين، وكأنها تريد أن تقول: ما أشبه الليلة بالبارحة. محذرة من تكرار خطأ الرئيس جونسون بعدم الاستجابة لطلب الجنرال ويليام ويستمورلاند، قائد القوات الأميركية في فيتنام، العاجل من حكومة بلاده لزيادة عدد قواته حتى يتمكن من تحقيق النصر. لكن وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس رفض الاثنين 28/9 دعوة عدد من السياسيين الأمريكيين إلى وضع جدول زمني محدد لسحب القوات من أفغانستان واصفا مثل هذا الأمر بالخطأ الاستراتيجي.

وهكذا فان الخيارات الاميركية في افغانستان تزداد صعوبة فبعد الحديث عن تقلص الخيارات الاميركية في افغانستان بدأ الحديث عن صعوبة المتاح من هذه الخيارات. اذ يبدو أن خيارات واشنطن وحليفاتها التي تقاتل معها حركة طالبان بأفغانستان أصبحت محصورة بين السيئ والأسوأ, فرجال الإعلام وكذا الساسة في هذه البلدان منهمكون في استقراء الوضع الميداني وسبر الإستراتيجيات الممكنة على الأقل لصيانة ماء الوجه بعد أن تفاقمت خسائر قواتهم بأفغانستان وتراجع تأييد شعوبهم لهذه الحرب. فلا تكاد تجد صحيفة أميركية خالية في صفحتها الأولى من افتتاحية أو تحليل أو مقال أو تقرير عن الوضع في أفغانستان, فمن محذرة من الخطوات الخجولة في التعامل مع هذه الحرب كصحيفة يو أس أيه توداي, إلى داعية لاستثمار المزيد من الوقت والمال والدم لضمان عدم تحول أفغانستان من جديد إلى مصدر تهديد للمصالح الأميركية كمجلة نيوزويك. وفي المقابل, فإن مما نشرته تلك الصحف والمجلات تقارير تدعو لرسم خطة انسحاب من هذا البلد ترتكز على مدى النجاح في تفكيك تنظيم القاعدة وهزيمته في كل من أفغانستان وباكستان. ويجمع المحللون على ان ادارة اوباما لا تعطي أولوية لزيادة قواتها في افغانستان رغم الحاح القادة العسكريين. كما ينبهون من أن عناصر في شتات البشتون بدؤوا ينمون شعور عداء تجاه الغرب, وهو ما يبعث على القلق, خاصة بعد اعتقال مواطنين افغان في الولايات المتحدة يحضرون لعمليات ارهابية.

وهكذا يبقى أمل الخروج الاميركي بحد ادنى من الضرر في افغانستان مرتبطاً بمساعدة دول الجوار لاميركا. وثمة طريقة واحدة لإجبار دول الجوار الافغاني للمساعدة على إقرار الامن في افغانستان. هذه الدول شبه المنتشية بالمشهد الراهن حيث يدفع الاميركيون ثمن اقتحامهم لتخومهم الحدودية وحيث المتشددين الاسلاميين يخوضون معركتهم ضد واشنطن وحلفائها على الارض الافغانية. مع ما يرافق هذا الصراع من تظهير حاجة الطرفين لدول الجوار ومحاولة كسب ودها اضافة لنشاط تجارة التهريب وعائدات زراعة الافيون التي تمتد من المزارع الافغاني لغاية الخزينة الاميركية مروراً بدول الجوار كنقاط معتمدة للتهريب. لذا كان لافتاً تريث الرئيس اوباما تجاه مطالبة قائد القوات في افغانستان بارسال اعداد اضافية من الجنود تحت طائلة الهزيمة. كما كانت لافتة احاديثه في المقابلات التلفزيونية وخلاصتها أنه بصدد مراجعة إستراتيجية الحرب على أفغانستان، وأنه سيرسل مزيدًا من القوات إذا كان ذلك سيؤدي إلى هزيمة تنظيم "القاعدة" وطالبان، مضيفًا أنه إذا تبين أن الوضع على الأرض ليس كذلك، فإنه لا يرغب في البقاء في أفغانستان لمجرد البقاء في أفغانستان، في إشارة منه للانسحاب من الحرب. فهل بدأ اوباما يفكر جدياً بالانسحاب ام هو ضغط الازمة المالية الذي لا يسمح له بانفاق عسكري اضافي ام الاثنين معاً؟. ويرجح المراقبون كفة التفكير الجدي بالانسحاب مدعومة بمعلومة ميدانية حيث تلقت القوات الأمريكية أوامر بالانسحاب من القرى الأفغانية المتناثرة، والتوجه إلى المناطق ذات الكثافة السكانية العالية في البلاد. ويؤكد المحللون الاستراتيجيون ان اعلان نية اميركية للإنسحاب وربما بداية انسحاب جزئي محدود من شأنها ان تستنفر دول الجوار وتجعلها تتحسس حدودها خوفاً من تسرب المقاتلين الاسلاميين اليها. وهو خوف سيجبر هذه الدول على التعاون لاقرار الامن الافغاني. لكن لهذه الحلول أثمانها التي تستجيب لمطالب دول الجوار التي لاتقتصر على روسيا والصين بل تتعداهما الى دول شبه الجزيرة الهندية وبعض دول الآسيان. وهو ما قد يعني انهيار الامبراطورية الاميركية بطريقة أخرى وربما مؤجلة.

يبقى ان نقارن مستوى الارباك الاميركي امام مقاتلي افغانستان وبين استمرار الخارجية الاميركية باصدار اوامرها الى العرب. وفي لبنان لا تزال رائحة فيلتمان ومخلفاته حاضرة مع وجود عاملين على الاحتفاظ بها وصيانتها. مع استجداء استمرار النظر بعين العطف لهؤلاء العاملين. او على الاقل دعمهم لإطالة بقائهم في وظائفهم ولو بثمن تعطيل الجمهورية اللبنانية.

 

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية