نهــاية الحرب على الارهـــاب

 

بصورة رسمية, لم تعد الولايات المتحدة الأميركية تعتبر نفسها منخرطة في "الحرب على الإرهاب" ولا في مقاتلة "الجهاديين" ولا هي تخوض "حربا عالمية", بل هي في حالة حرب مع تنظيم القاعدة وحلفائه المتطرفين العنيفين فقط.

هذا ما عبر عنه رئيس مكتب الأمن الداخلي بالبيت الأبيض جون برينان أثناء خطاب ألقاه أمس في مركز الدراسات الإستراتيجية الدولية بواشنطن.

ويعني ذلك أن كبير مساعدي الرئيس الأميركي باراك أوباما للأمن القومي ومكافحة الإرهاب قد أعلن رسميا أن تلك العبارات التي صممتها إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج دابليو بوش لم تعد مقبولة.

ورغم أن القصد من وراء تغيير هذه العبارات هو إضفاء مزيد من الدقة على طريقة وصف أوباما ومساعديه الجهود التي يبذلونها لمواجهة القاعدة, فإن مسؤولي إدارة بوش يؤكدون أن السياسات التي تنفذها إدارة أوباما في هذا الإطار هي نفسها تقريبا.

وقد برر برينان سبب تخلي الإدارة عن الحديث عن قتال "الجهاديين" بالقول إن "الجهاد يعني تطهير النفس أو شن حرب مقدسة لتحقيق هدف أخلاقي" مما يعني أن استخدام مثل هذه الكلمة "يهدد بإعطاء هؤلاء القتلة الشرعية الدينية التي يسعون يائسين للحصول عليها".

بل إن ذلك –حسب قوله- "قد يعزز الفكرة القائلة بأن الولايات المتحدة الأميركية إنما تشن حربا على الإسلام نفسه".

أما "الحرب على الإرهاب" فبرر عدم استخدام إدارة بلاده لها قائلا "إن الإرهاب ليس سوى إحدى تكتيكات القاعدة لتحقيق ما تصبو إليه من خلافة إسلامية مهيمنة على العالم".

ولن تستخدم الإدارة الأميركية كذلك "الحرب العالمية" على الإرهاب لأن ذلك يعزز نظرة القاعدة لنفسها بوصفها "كيان عالمي فائق التنظيم, قادر على استبدال الدول ذات السيادة بخلافة دولية" على حد تعبير برينان.

وتعليقا على ما جاء في هذا الخطاب, قال جوان زراتي -وهو أحد المساعدين السابقين لمستشار بوش لمكافحة الإرهاب وكان ضمن الحضور الذين استمعوا لبرينان- إن خطابه كان تجميليا, مؤكدا أن إدارة أوباما لم تقم حتى الآن إلا بالاستمرار في سياسات بوش بشأن الإرهاب.

وبمعنى آخر فقد عادت الدولة الأعظم لقبول عداء الاشخاص كما فعلت إدارة بوش خلال بحثها عن عدو وفق نظرية الحاجة الاميركية الحيوية للعدو. التي طرحت فرضية "صدام الحضارات" معلنة حرباً إستباقية على الإسلام بصفته عدواً حضارياً. لذلك حصرت ادارة بوش عداءها في أشخاص أفراد منهم بن لادن وصدام حسين وهيغو تشافيز وتحول هدفها الاستراتيجي للحصول على جثث هؤلاء الاشخاص الافراد. حيث كان يوم النصر الاميركي الكبير يوم اعدام صدام حسين. ومعه تبجح الرئيس الاميركي بتخليص العراق والعالم من هذا الديكتاتور. حتى بدت حرب النجوم مخصصة لذلك وايضاً لتسجيل عدة محاولات لاغتيال شافيز وتفجرت فضائح قبل اسبوعين تتعلق ببرامج مخابراتية لتعقب واغتيال الأفراد. ورغم استنكار ادارة اوباما لهذه العمليات الا انها عادت لمبدأ العدو الفرد. ولكن هذه المرة في غياب القدرة على مواجهة العدو الدولة وهي القدرة التي كانت متاحة لبوش. ولدى البحث في هذه الاستراتيجية الاوبامية القاعدية تطرح الاسئلة عما اذا كانت القاعدة تعتبر بالفعل أولوية قبل كوريا الشمالية ودول اميركا اللاتينية العائدة بسرعة نحو الشيوعية وقبل روسيا التي أبدلت طموحها السوفياتي بطموح قيصري جديد. اضافة للصين التي تكاد تتحكم بمفاصل الاقتصاد الاميركي بعد قيود كمالية وضعتها ادارة بوش في وجه الصناديق السيادية العربية. خاصة وان تحييد القاعدة يبدا بالغاء خطوات بوش المعادية للإسلام باعتباره العدو الحضاري. في رأينا الشخصي ان اسقاط نظرية صدام الحضارات اسهل كثيراً من محاولة حشد قوة عالمية لمحاربة القاعدة وانتظار اغتيالات افراد كمؤشرات على النصر الاميركي في الحرب على الارهاب.

ختاماً هل يستحق الاصرار على اغتيال الاشخاص ولسنا نعلم ،ربما لن نعلم، قائمة الاغتيالات الاميركية القيام بكل هذه الحروب وتعريض ملايين المدنيين للخطر الحياتي وايقاع ملايين منهم قتلى؟. ثم هل يبرر هذا الاصرار الجرائم ضد الانسانية التي ارتكبها الرئيس بوش والتي لا تزال في وضعية المسكوت عنه لغاية الآن. فمن غوانتانامو الى ابوغريب الى بلاك ووتر جرائم لا يبررها السعي لقتل اشخاص. فهل هذه هي الاستراتيجية الانقاذية التي يعدنا بها الرئيس المخلص أوباما؟!.

 

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية