أوباما يواجه العنصرية مبكراً

 

البعض يذكر شرط كولن باول لتولي وزارة الخارجية أيام بوش الابن والشرط هو ألا يتدخل نائب الرئيس ديك تشيني في شؤون وزارته. وكلنا يعرف ان تشيني تدخل في كل شيء. كما لم يعد خافياً الصراع بين تشيني وكونداليزا رايس خلال السنوات الأخيرة من حكم بوش.

والعنصرية في أميركا لا تمارس فقط على السود بل تمتد إلى كل ما لا ينتمي إلى العرق الآري. مثال ذلك انه وفي بداية علائم انهيار سياسات بوش أقيل رئيس وكالة الاستخبارات جورج تينيت. ويمها كتب معلق مجلة النيوزويك الأميركية ان تينيت ذهب كبش فداء بسبب أصوله اليونانية. ولو كان تينيت آرياً لما ذهب ضحية لأخطاء الآخرين.

وفي عودة للعنصرية الممارسة ضد أوباما نجد انها انطلقت مع بداية حملته الانتخابية ووصلت اثنتان منهما إلى الرغبة الفعلية باغتياله وان بأدوات ساذجة. وبطبيعة الحال فان اليمين العنصري الأميركي اصطف لمواجهة اوباما خلال الانتخابات التي أوصلته إلى البيت الأبيض. وخلال الحملة ظهرت على الانترنت وثيقة ولادة كينية باسم اوباما. والمولود خارج أميركا لا يحق له ان يحكمها.

الأسبوع الماضي عاد اليمين المتطرف لإثارة الموضوع مشككاً بهوية الرئيس في حملة تبطن السعي لاقالة اوباما الكيني.

وتفاعلت القضية حتى وصلت الى الكونغرس حيث صوت مجلس النواب الأمريكي الخميس 30/7/09 لصالح مشروع قرار غير ملزم يثبت فيه أن هاواي هي مسقط رأس الرئيس باراك أوباما، وذلك بعد شيوع موجة تشكيك بجنسيته الأمريكية وبأهليته ليكون رئيسا للبلاد. وصوت مجلس النواب بغالبية 378 صوتا لصالح مشروع القرار، الذي قدمه النائب نيل أبيركرومبي من هاواي، لتثبيت مسقط رأس الرئيس، فيما امتنع أكثر من 50 نائبا عن التصويت.

ويأتي قرار مجلس النواب الأمريكي غير الملزم لمواجهة موجة المشككين بأن يكون أوباما مواطنا أمريكيا مؤهلاً لقيادة البلاد، بعد ظهور نسخ من شهادة ميلاد له صادرة من كينيا.

ويشير امتناع 50 نائبا أمريكيا عن التصويت على مشروع القرار، رغم أنه غير ملزم، إلى أن عملية التشكيك في ولادة أوباما على أرض أمريكية تجد من يصدقها ويروج لها حتى في الكونجرس، وخاصة من غلاة اليمين الأمريكي الذين هالهم أن يصبح رجلا أسود رئيسا للولايات المتحدة.

وفحصت منظمة "فاكت تشيك" غير الحزبية التابعة لمركز السياسة العامة بجامعة بنسيلفانيا، شهادة الميلاد الاصلية في مسعى لانهاء الجدل حول هذه المسألة بلا رجعة، وقالت "خلصنا الى ان الشهادة تتوافق مع كل المعايير لاثبات المواطنة الأميركية وخلصنا الى ان أوباما ولد في الولايات المتحدة".

وأشارت منظمة "فاكت تشيك" إلى أن والدة أوباما الأمريكية ووالده الكيني نشرا في صحيفة محلية بهونولولو نبأ مولد ابنهما في عدد 13 أغسطس عام 1961.

لكن تحليل هذه التهمة يبين انها من نوع الانتقام والتشهير بالتذكير وذلك بسبب سذاجتها المرتبطة بالتطرف العنصري لمطلقيها. فالقضية تثير الغبار لكن التحقق منها لا يستوجب الكثير من الجهد. عداك عن ان الحزب الديمقراطي لا يمكنه ارتكاب هفوة مماثلة وتقصير بحجم عدم دراسة ملف مرشحه الرءاسي بالدقة اللازمة.

في المقابل يتعرض اوباما الى عنصرية سياسية منظمة تتمثل في مشاركة رئيسين له في الحكم. اذ ان نائبه جو بايدن ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون باشرا حملتهما الانتخابية منذ تسلم اوباما لمهامه. وبدأ الإثنان الاستعداد لمهامهما الرئاسية يوم تسلمهما لمنصبيهما.

فالعنصرية تبدو واضحة في سلوك كل من بايدن وكلينتون وفي تقصدهما اظهار اختلافاتهما مع توجهات رئيسهما اوباما. فصحيح ان تشيني كان مهيمناً تماماً على افكار بوش وقراراته لكنه لم يتقصد إحراجه كما يفعل الثنائي بايدن - كلينتون مع اوباما. وهذه مجرد بدايات.

من هذه المواقف نذكر إعلان بايدن ان قرار مهاجمة "إسرائيل" للمنشآت النووية الإيرانية تخصها هي، انطلاقا من انها "دولة ذات سيادة"، وتأكيده على أن واشنطن لن تقف في طريق "إسرائيل" في حال قررت ذلك. في الوقت الذي يجهد فيه اوباما لفتح قنوات الحوار مع ايران ويطلق سراح دبلوماسييها في العراق لتشجيعها على متابعة اشارة استعدادها للمساعدة في افغانستان كخطوة أولى. واضطر اوباما للجوء الى الخارجية لتصحيح تصريح بايدن ومن ثم وبعد ايام أعلن رسمياً بانه غير موافق على توجيه ضربة إسرائيلية لإيران.

أما السيدة كلينتون فقد صرحت بوجود خلافات بينها وبين اوباما في تايلاند وان وصفتها بالبسيطة. ثم عادت لتتحدث عن تأمين تغطية أمنية للخليج العربي. بما فسره الإسرائيليون، ومعهم الأوروبيون، سكوتاً عن النووي الإيراني. وفسره الروس على انه مقايضة مع روسيا على نشر الصواريخ في الخليج بدل اوروبا الشرقية.

وفي عودة لزيارة بايدن الاخيرة لجورجيا واوكرانيا يقول محللون ان بايدن استطاع ان يهدم كل ماحققته زيارة اوباما لموسكو.

ان من يعرف ظروف تشكيل فريق اوباما والتنازلات التي قدمها خلال التشكيل يدرك ان عدم ظهور شرخ في العلاقات بين الرئيس والثنائي هو كون اوباما لا يزال في فترة السماح التي تجعل منه رجل الساعة والوحيد القادر على اتخذا قرار دون رغبة احد في معارضته علناً سواء من داخل فريقه أو حزبه أو من معارضيه في الحزب الجمهوري. وعليه فان اوباما يتجاهل هذه المواقف في سعيه لتحقيق أشياء ملموسة تساعده على مواجهة ما بعد فترة السماح. والا انقلبت الامور لغير مصلحته بحيث انه قد يدفع بادارة اوباما الى التخلي عن اهدافها الخارجية في سبيل اعادة ترتيب البيت الداخلي. وعندها سنلمس ان الرئيس اوباما هو واحد من ثلاثة رؤساء يحكمون أميركا

 

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية