الصراع داخل إدارة أوباما

 

كشفت استطلاعات الرأي الأخيرة عن تراجع شعبية الرئيس باراك أوباما إلى أدنى مستوياتها, حيث وصلت بعد مضي ستة أشهر على توليه لمنصب الرئاسة في بلاده مستوى أدنى من المستوى الذي بلغته شعبية سلفه جورج بوش عندما كان في مثل هذه المرحلة من رئاسته.

حيث اظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب بالتعاون مع صحيفة يو أس أي توداي أن مستوى رضا الأميركيين عن أوباما تراجع بتسع نقاط منذ يناير/كانون الثاني الماضي ليصل 55% فقط وسط ارتفاع البطالة في أميركا وتراجع الثقة في خططه الاقتصادية.

كما أظهرت استطلاعات أخرى للرأي أجرتها أي بي سي نيوز وواشنطن بوست أن شعبية أوباما تراجعت إلى أقل من 60% لأول مرة منذ تسلمه زمام الأمور وهو أول رئيس أسود للولايات المتحدة الأميركية.

ورغم أن أوباما ورث مصاعب اقتصادية هائلة عن سلفه بوش, فإنه تعرض أيضاً للتحديات التي تواجه كل رئيس اميركي في الفترو الاولى من ولايته. هذه التحديات التي يصنفها عالم السياسة "بروس بوكانان" من جامعة تكساس، ويخلص للتأكيد أن الرؤساء الأميركيين يواجهون أربعة تحديات أساسية تعترض مدة إقامتهم في البيت الأبيض هي:

المجد المفرط : هو التحدي الأول حيث يكثر المادحون والمتزلفون، بحيث تتحول معارضته إلى مفاجأة يستجيب لها البعض بالغضب ( يزداد الغضب مع ازدياد القناعة بأقوال المادحين).

إجهاد القرارت : ان التحدي الثاني، الذي يواجه الرئيس، هو العراقيل والحواجز المؤدية للإحباطات وكيفية تعامل الرئيس معها. فهل هو يعرف متى يحارب ومتى ينسحب؟ وهل هو قادر على تحمّل الفشل وهضمه؟.

التوفيق بين أجنحة ادارته: وهو التحدي الثالث في مواجهة الرئيس. وهو أسلوب الإدارة التي غالبا" ما تواجه الرئيس بمطالب متناقضة، حيث يجب أن يملك الرئيس القدرة على التوفيق بين هذه القدرة المتناقضات. هذا التوفيق الذي فشل فيه جيمي كارتر لتدخّله الزائد لدرجة التورط. كما فشل فيه ريغان بسبب تراجعه وعدم تدخله بالمستوى المطلوب.

الإغراءات الضخمة : وهي التحدي الرابع للرئيس. ويعطي بوكانان على هذا التحدي مثال جونسون الذي رغب في تحقيق برامجه الإجتماعية (مشروع المجتمع الكبير) وبأن ينتصر في فييتنام في آن معا". لكن الكونغرس لم يكن مستعدا" لتمويل الاثنين معا". كما أن ريغان كان مستميتا" لتحرير الرهائن الأميركيين ولم يكن مستعدا" لاجراء أية مقايضة مع الزعماء الإيرانيين. وفي كلتا الحالتين فإن فشل الرئيسين في تحقيق إغراء الحصول على هدفين في آن واحد قد دفعهما إلى الكذب.

هذا ولا يهمل بوكانان، الاشارة إلى جملة عوامل تؤثر في أسلوب مواجهة الرئيس لهذه التحديات، فيذكر العوامل التالية:

1- مجموعات المصالح.

2- الحزب المسيطر على الكونغرس والمحكمة العليا.

3- الدعم الشعبي .

 4- أجواء التوقع (تذكيها الصحافة)...الخ. 

وفي حالة الرئيس باراك أوباما يلاحظ أن هذه العوامل إتخذت طابع الحدة بسبب قائمة الأزمات الاميركية. بحيث أصبحت موازية للعوامل الرئيسية في أهميتها وفي تأثيرها على قرارات الرئيس.

فاذا ما استعرضنا بعجالة هذه العوامل نجد أن اوباما لا يزال يوظف مجده "الأكثر إفراطاً " لتحسين صورة اميركا التي شوهها بوش كل التشويه. وهو ينجح لغاية الآن في كسب قلوب الشعوب التي يزورها او يخاطبها. رغم انه لم يقدم لغاية الآن اية معطيات ملموسة لعلاج آثار بوش الكارثية.

كما يبدو اوباما في كامل لياقته لتحمل الاحباطات ولاتخاذ القرارات بل ولتعديل ما يجب تعديله منها وخاصة في الملف الاقتصادي. حيث برر عدم نجاح خطته التحفيزية بالكامل بعرضه لحقيقة ان الاقتصاد كان على وشك الانهيار لولا تقديم الدعم الحكومي للمصارف الاميركية. لينطلق منها لقرار جديد بفتح معركة مع بيوت التصنيفات الإئتمانية وهي معركة قاسية.

اما عن التوفيق بين اجنحة ادارته فان الخلل يبدأ من هنا حيث بدا التعثر واضحاً في مناسبات مختلفة بين اجنحة الادارة. ومنها اعلان نائبه بايدن عن حرية اسرائيل في اتخاذ قرار الحرب على ايران. وما تلاها من تصريحات مضادة تعكس انعدام التنسيق داخل الادارة. اضافة لتلميحات كلينتون في تايلاند بوجود خلافات طفيفة بينها وبين اوباما.

وبالنسبة للإغراءات فيمكن القول بان اوباما يتعرض لاكبر الاغراءات التي تعرض لها رئيس اميركي قبله. فهو مرشح لانقاذ اميركا اقتصادياً وسياسياً وهو اغراء بحجم التأثير الاميركي. ليبقى السؤال هل ينجح أوباما في تحقيق ما هو ملقى على عاتقه من ملفات؟!.

عند هذا السؤال نتوقف تحديداً لنقول بان تراجع شعبية اوباما في الاحصاءات المذكورة اعلاه تعود تحديداً الى هذا السؤال. اذ يحمل الاعلام الاميركي انباء فشل خطط اوباما الاقتصادية. ومعها فشل الحملة على سوات الباكستانية وعملية الخنجر الافغانية.

اما على الصعيد السياسي فقد دخلت الادارة في تجاذبات مع اسرائيل بشأن مبادرة اوباما السلمية المنتظرة ومعها عتب كبير من اصدقاء اميركا العرب من المراهنين على السلام الاميركي. اما في الملف الروسي فقد اعلنت كلينتون ان مشقات وصعاب تنتظرها في زيارتها لموسكو الخريف القادم. وسط مواقف روسية ثابتة وراسخة لغاية جهوزية المواجهة سواء في جورجيا او غيرها.

كما يواجه الرئيس انتقادات بشأن الكيفية التي سيؤمن بها الموارد المالية الضرورية لخطته الرامية إلى إصلاح نظام الرعاية الصحية والتي تبلغ تريليون دولار, فقد عبر نصف من استطلعت آراؤهم في أحد هذه الاستطلاعات عن أنهم يعارضون هذه الخطة.

ومن المعتقد أن غالبية من تخلوا عن تأييدهم لأوباما هم من المصوتين المستقلين أو أعضاء الحزب الديمقراطي المعتدلين, وفي ولايتين يواجه فيهما عضوان من مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي انتخابات العام المقبل, بدأ القلق بالفعل يدب في نفوس الديمقراطيين.

 

 

 

                                                                        د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية