قــــــراءة تحـليليــة لزيارة أوبــاما الى روســـيا

 
 

 المقـــدمة

هل يسجل العالم عودة الى حقبة السبيعينيات والعمليات المخابراتية القذرة التي حملها الجنرال بينوشيه معه لغاية وفاته والتي كانت كفيلة بإدانة هنري كيسينجر؟. صحيح ان الرئيس كارتر أغلق ملف هذا النوع من العمليات الاستخبارية لكن الصحيح أيضاً ان بوش الإبن عاد وفتحه على مصراعيه. والصحيح أيضاً ان ادارة أوباما تحاول اغلاق ملف العمليات البوشية الفاضحة لكنها تتجنب اغلاق الملف بكامله مكتفية بوقف عمليات بعينها. وبتطبيق مبدأ "عدم قابلية الصدفة للتكرار" لايمكن رد ما يجري في دول عديدة الى مبدأ الصدفة. فمن تحركات الداخل الايراني الى تحركات الايغور في الصين مروراً بالعودة القوية للإرهاب القوقازي. وحتى التحركات الداخلية في العديد من الدول الحليفة والصديقة لاميركا. ويقدم اصحاب هذا التفسير عرضاً إستقرائياً مقارناً بين الحالة الاميركية الفيتنامية في السبيعينيات والحالة الاميركية العراقية الحالية. حيث العلائم والمؤشرات المشتركة في الحالتين أكثر من ان تحصى. فيما يؤكد المحللون المستقبليون ان اعتماد الفكر الاستراتيجي الاميركي على السوابق والتجارب السابقة يؤكد نكوص ادارة اوباما لمرحلة السبعينيات الشبيهة لحد التطابق مع المرحلة الحالية والإهتداء بتلك التجربة. ويخلص المستقبليون الى ان ادارة اوباما ستحاول تحقيق العديد من اهداف ادارة بوش ولكن عن طريق العمليات السوداء بدل العمليات العسكرية.

آفاق زيارة أوباما لموسـكو

كما كان متوقعاً فان اوباما كان ينظر خلف كتف نظيره الروسي ميدفيديف ليلحظ أثر رئيس الوزراء بوتين ودوره في القرار الروسي. ويرى المحللون دلالة من هذا النوع في استعجال الاعلان عن الاتفاقيات في اليوم الاول قبل اللقاء مع بوتين في اليوم الثاني للزيارة. وينقل مقربون عن نائب رئيس ديوان الحكومة الروسية يوري أوشاكوف ملاحظته  أن جلّ الحديث كان من نصيب فلاديمير بوتين، فيما كان باراك أوباما مستمعاً معظم الوقت. ولم يكشف أوشاكوف عما دار في اللقاء بشأن مسألتين، هما الدرع الصاروخية، ومصالح البلدين في الجمهوريات السوفيتية السابقة. ويعزو المحللون ذلك إلى أن اللقاء لم يتمخض عن أي نتائجَ محددة بخصوص هذين الموضوعين. بما يؤكد نفوذ بوتين القوي واظهاره المتعمد لأوباما وفق المحللين. وكان قد اعلن عن توقيع اتفاقيتين تتعلقان بالقضية الأفغانية. وهما قد تشكلان ،بحسب محللين، فاتحةً لتعاونٍ وثيق بين روسيا والولايات المتحدة في مجالاتٍ أخرى. خاصة وانها تضمنت استعداد الطرفين للتعاون في إعادة إنشاء البنية التحتية لقطاعات النقل والطاقة والصناعة في أفغانستان. ويخلص الكاتب إلى أن هذا الاتفاق سيتيح لموسكو استعادة مواقعها السابقة في الاقتصاد الأفغاني. وبإستعراض آراء الساسةِ والمحللين الروس. رأى رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الدوما قسطنطين كوساتشوف أن زيارة أوباما حدثٌ مهم لأن الولايات المتحدة اعترفت بعجزها عن حل مشاكل العالم المعاصر بمفردها. وأن الأمر يتطلب التعاون مع دائرةٍ واسعةٍ من الحلفاء وروسيا بالدرجة الأولى. من جانبٍ آخر يعتقد المحلل السياسيُ البارز سيرغي كاراغانوف أن الاتفاقيات التي تم توقيعها تحمل طابع إعلان نوايا. ويرى أن القمة لم تحقق اختراقاً يمكن وصفه بالتاريخي، ولكنها أوقفت تدهور العلاقات الروسية الأمريكية. فيما يلاحظ ليونيد إيفاشوف رئيس أكاديمية القضايا الجيوسياسية بأن موقف روسيا خلال المباحثات كان ضعيفا، والسبب في ذلك يعود إلى عدة عوامل منها أن الأزمة المالية أضعفت الاقتصاد الروسي بشكل ملموس. ومن هذه الأسباب أيضا، تدني مستوى الجاهزية القتالية للقوات المسلحة الروسية، وارتفاع وتيرة العمليات الإرهابية.

الرؤية الاميركية لزيارة أوباما

 أجرت صحيفة "كوميرسانت" الروسية الجمعة 10/7 مقابلة ً مع زبيغنيو بجيزينسكي مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي. ويقول ضيف الصحيفة إن القمةَ الروسيةَ الأمريكية حققت تقدماً ملحوظاً في مجال الرقابة على الأسلحة. ويرى أن الجانبين أبديا الرغبة بعدم استغلال الرقابةِ على الأسلحة لجني مكاسبَ استراتيجية. كما يعتقد السياسيُ الأمريكيُ المخضرم أن التعاون بين الطرفين في القضية الأفغانية يبعث على التفاؤل. ومن ناحيةٍ أخرى ينوه بتصريحٍ لباراك أوباما جاء فيه أن زمن الإمبراطوريات قد ولى، وهذا ما ينبغي أن يدركه الطرفان. وقد أدركت واشنطن هذه الحقيقة في السنوات الثماني الأخيرة، إذ تبين لها أن القرارات من جانبٍ واحد لم تكن مجدية. وعلى روسيا الآن حسب أوباما أن تدرك استحالة إحياء ما وصفه بالامبراطورية الروسية السوفيتية. وفي ما يخص القضية الإيرانية يعتقد بجيزنسكي أن الرئيس أوباما لم يتمكن من إقناع الكرملين بضرورة فرض عقوباتٍ مشددة على طهران. ويضيف أن قرار روسيا ببيع إيران منظوماتٍ للدفاع الجوي من طراز "إس 300" يعد مؤشراً على الدعم العسكري الذي تقدمه موسكو لطهران. وحول لقاء الرئيس الأمريكي مع فلاديمير بوتين يقول بجيزينسكي إنه لقاءٌ لجس النبض. وإذ يعترف المستشارُ الرئاسيُ السابق بأن مدفيديف يلعب دوراً هاماً في الحياة السياسية للبلاد، يرجح أن القرار النهائي لا يزال بيد رئيس الحكومة.

الجوانب الخفية في زيارة أوباما لموسكو

يكشف مصدرنا الروسي عن بعض الجوانب الخفية لزيارة الرئيس الأمريكي إلى روسيا. منها أن أوباما كان يراهن على نظيره الروسي دميتري مدفيديف، ولم يكن يحبذ الاجتماع برئيس الحكومة فلاديمير بوتين. بل انه كان ينوي تجاوز بوتين تماماً. حتى  أن المسؤولين الأمريكيين اعترضوا عشية الزيارة على الاجتماع مع بوتين بحجة عدم التكافؤ من حيث المنصب الرسمي. غير أن الموقف الحازم الذي اتخذته الخارجية الروسية أسفر عن تضمين برنامج الزيارة غداء عمل مع رئيس الحكومة. وعن محادثات سيد البيت الأبيض في موسكو يقول المصدر إنها شملت العديد من القضايا الدولية، وعلى رأسها العلاقات مع الصين الشعبية. ويضيف أن الأمريكيين أطلعوا الجانب الروسي على معلومات تنبئ بأن تداعيات الأزمة العالمية ستطال الصين التي بات استقرارها الاجتماعي مهدداً بالانفجار. وحذر الجانب الأمريكي من المجازفة التي تقدم عليها موسكو اذا فضلت الشرق الأقصى على أوروبا لجهة تصدير النفط والغاز. وفي ما يخص قضية الشرق الأوسط، عبرت واشنطن عن قلقها من احتمال تضرر سياستها تجاه طهران بسبب تصرفات تل أبيب. ونقل المصدر عن خبراء أن توجيه ضربة إسرائيلية للمنشآت النووية الإيرانية سيضيِّع على الأمريكيين فرصة هامة. ذلك أنه سيقضي على الأمل بانفجار ما يسمى ثورة ملونة في الجمهورية الإسلامية. وفي هذه الحال لن يكون بوسع الشركات الأمريكية التطلع إلى الاستثمار في صناعة النفط الإيرانية. وانطلاقاً من هذا التصور ترغب واشنطن بأن تعمل موسكو على تليين موقف طهران بشأن برنامجها النووي. ويمكن إيجاز الموقف الأمريكي على النحو التالي: إن نجاح الروس في تخليص العالم من التهديد النووي الإيراني، سيؤدي إلى انتفاء الحاجة لنشر عناصر الدرع الصاروخية الأمريكية في شرق أوروبا.

ملامح الشراكة الاميركية الروسية في الحرب الافغانية

نصت الاتفاقية الروسية الاميركية الموقعة الاثنين 6/7 على تأمين الإمداد الجوي العسكري الاميركي لافغانستان عبر الأجواء الروسية بحيث تكون في حدود 4500 رحلة حصراً خلال العام الواحد. ويرى المحللون إن نقل الإمدادات العسكرية الأمريكية جواً لا معنى له في حد ذاته لأنه يتم بشكل روتيني عبر المناطق والممرات الجوية الأخرى. لكنه يتخذ معناه من مرور طائرات عسكرية اميركية فوق الاراضي الروسية وهو ما لم يكن متصوراً منذ قيام الثورة البلشفية العام 1917. كما ان الاجهزة الامنية الاميركية لن تفوت هذه الفرصة السانحة لالتقاط الصور التجسسية للمناطق الروسية الحساسة. كما ان إن سماح موسكو لواشنطن بتمرير الإمدادات عبر الأجواء الروسية يتضمن أن روسيا أصبحت شريكاً في الحرب الأفغانية إلى جانب أمريكا وإن كانت هذه الشراكة غير مباشرة. كما ان الاتفاق سيعطي المبررات والذرائع لدول آسيا الوسطى لتدخل في برامج التعاون إلى جانب أمريكا وهذا معناه أن أمريكا سوف لن تضيع هذه المرة فرصة ترويض دول آسيا الوسطى وكسبها نهائياً والعمل على استخدامها مستقبلاً ضد روسيا. كما انه سيفسح المجال أمام الصين لتتعاون هي الأخرى مع أمريكا طالما أن بكين تفهم تماماً أن أي تعاون روسي – أمريكي سيؤدي بالضرورة إلى جعل الصين تقف لوحدها مما يعني احتمال قيام الصين بالمضي قدماً في تطوير قدراتها الاستراتيجية والاقتصادية. هذا اضافة الى ان التعاون العسكري الأمريكي – الروسي سيضعف احتمالات التعاون الأمريكي – الهندي وهو الأمر الذي لا يصب في مصلحة إسرائيل التي كانت تركز على دفع واشنطن في اتجاه التعاون مع نيودلهي وتصعيد المواجهة ضد موسكو بما يتيح لتل أبيب الاستفادة من تداعيات ذلك، والمضي قدماً في إكمال المخطط الذي يتيح لإسرائيل القيام بدور الوكيل الأمريكي لحلفاء أمريكا القوقازيين وعلى وجه الخصوص جورجيا وأذربيجان. وبحسب طبيعة العقل السياسي الاسرائيلي فان الباحثين المستقبليين يتوقعون استعجال اسرائيل بتحسين علاقاتها مع موسكو وتقديم المغريات لذلك.

فـي مواجهـة الدرع الصاروخي الاميركي

في إشارة للإمكانيات والبدائل الروسية المتاحة لمواجهة الدرع الصاروخي الاميركي أعلن الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف من سوتشي في جنوب غرب روسيا، الثلاثاء 14/7  أن بلاده نجحت أمس الاثنين في اطلاق صاروخ استراتيجي من على متن غواصة حربية ، وذلك عقب تصريحاته بأن اصرار واشنطن على نشر عناصر من نظام الدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا من شأنه أن يعرقل الخفض المتبادل للترسانة النووية. وتابع مدفيديف خلال لقاء مع بحارة من الأاسطول الروسي:" لقد تم اليوم بنجاح اطلاق صاروخ استراتيجي من غواصة". وأضاف ميدفيديف: "تمت اصابة الهدف وسقط الصاروخ في المكان المحدد". ولم يحدد الرئيس الروسي نوع الصاروخ. هذا وتجري روسيا منذ سبتمبر 2005 تجارب على صاروخ "بولافا" الذي يبلغ مداه 8 آلاف كلم. وكانت نتائج هذه التجارب حتى الآن متفاوتة، حيث منيت الأخيرة منها في ديسمبر/كانون الأول 2008، بالفشل. يذكر ان روسيا تعتبر نشر الدرع الصاروخية الأمريكية في اوروبا تهديدا لامنها ، وكانت قد هددت بنشر صواريخ أسكندر في كالينينجراد الجيب الروسي الذي تحيط به دول اوروبية. وتقول واشنطن ان الدرع موجه لدول تعتبر ان اسلحتها تشكل تهديدا مثل إيران. وقالت ادارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما انه يمكنها مراجعة بعض جوانب نشر الدرع الصاروخية في تشيكيا وبولندا وهو المشروع الذي كانت قررته ادارة جورج بوش السابقة.

حـول الدعم الروسي لقيرغيزسـتان

كشفت مصادر روسية عن زيارةٍ سرية قام بها إلى العاصمة القرغيزية وفد حكومي روسي الثلاثاء الماضي. وضم الوفد ضم كلاً من نائب رئيس الوزراء إيغور سيتشين ووزيرِ الدفاع أناتولي سيرديوكوف. ولا تزال أهداف الزيارة طي الكِتمان، إذ أن الطرفين التزما الصمت حيال مهمة الوفد. ويرى المراقبون أن مشاركة وزير الدفاع الروسي تعني أن البحث دار حول إقامة قاعدةٍ عسكريةٍ روسية في هذه الجمهورية. وبهذا الصدد يقول الخبير ألكسندر كنيازيف أن القاعدة ستعود بالفائدةِ أيضاً على الجانب القيرغيزي. ذلك أنه يعاني من ضعفٍ شديد في المجال العسكري ويتعرض لتهديداتٍ متزايدة من قبل المتطرفين الإسلاميين. من جانبٍ آخر يربط المحللون بين زيارة الوفد الروسي وافتتاح معملٍ في بيشكيك لإنتاج رقائق السيليكون. وتعد هذه الرقائق ضروريةً لتصنيع الخلايا الشمسية والأجهزة الالكترونية. ويوضح المتخصصون أن الرقائق القرغيزية تتفوق على مثيلاتها الغربية من حيث السعر والنوعية. ولكن المعمل بحاجةٍ إلى مئتي مليونِ دولار لكي ينتقل إلى الإنتاج بكامل طاقته. وبناءً على ذلك لا يستبعد المراقبون أن تتقدم بعض المؤسساتِ الروسية بعرضٍ للاستثمار في هذا المجال.

حـول تشكيل منظمة جيوسياسية جديدة في محيط روسيا

أكدت صحيفة "إزفيستيا" الروسية الاثنين 13/7 أن الأزمة المالية العالمية أرغمت الجمهوريات السوفيتية السابقة على إعادة تقييم علاقاتها مع الغرب، معتبرة من المستجدات التي طرأت على علاقات الغرب بجمهوريات البلطيق. فقد كان الجميع، حتى العام الماضي، يعتقدون أن جمهوريات لاتفيا وإستونيا وليتوانيا، حصلت على فوائد كبيرة، بفضل سياساتها الموالية للغرب والمناوئة لروسيا. لكن عندما نشبت الأزمة المالية امتنع الغرب عن مساعدة تلك الدول، الأمر الذي دفع بها إلى حافة الإفلاس، وأدى إلى اندلاع اضطرابات اجتماعية واسعة. من هنا فإن الأزمة الاقتصادية فقط هي التي جعلت ممكناً انتخاب السياسي من أصل روسي نيل أوشاكوف، محافظا للعاصمة اللاتفية ريغا. علما بأن أوشاكوف يجاهر بآرائه الموالية لروسيا. وتضيف الصحيفة أن الأزمة المالية العالمية، ساهمت في تغيير الأوضاع الجيوسياسية على الساحة السوفيتية السابقة. فقد وقعت روسيا مؤخرا مع قرغيزستان، اتفاقية لتقديم قرض وفق شروط ميسرة. وتعهدت روسيا الشهر الماضي بتقديم قرض بقيمة 500 مليون دولار لمولدافيا، الأمر الذي ساهم في تحويل المزاج السياسي في ذلك البلد من مناوئ لروسيا، إلى مناصر لها. وكانت روسيا في عز الأزمة المالية قدمت عدة قروض إلى بيلوروسيا. ويرى كاتب المقالة أن الأزمة المالية العالمية مهدت السبيل أمام تشكيل منظمة جيوسياسية جديدة، تلعب روسيا فيها دورا محوريا.

 
 
 

                                                                    د.محمد احمد النابلسي

                                                                                       رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية