المنعطف الروسي في سياسة أوباما

 
 

لم يكن التحضير لزيارة اوباما الى روسيا سهلاً فالخلافات متراكمة وصراع الارادات متقد اما صراع المصالح فهو خاضع لبرمجة غير اعتيادية. فمنها الحالي الذي لا يقبل أي تأجيل ومنها المؤجل لعقود قادمة. فاذا كان الصراع على ثروات القطب الشمالي مؤجلة لاكثر من عشرين سنة فان المسألة الجورجية تحتاج الى ضمانات اميركية تمثلت بحسب اوساط مطلعة بالإبقاء على الرئيس الجوورجي ساكاشفيلي في منصبه ولكن دون تمكينه من ممارسة الحكم. اما موضوع نشر الدرع الصاروخي فهو بدوره حيوي بالنسبة لروسيا لكن أوباما لا يستطيع دون مقابل اسقاط هذا الدرع الاستراتيجي الذي كلف تريليونات الدولارات استناداً لقناعة ادمغة القرار الاميركي في عهدي ريغان وبوش الابن بفعاليته. لكن الامر بات متاحاً بعد سماح روسيا ب4500 رحلة جوية عسكرية اميركية فوق الاراضي الروسية باتجاه افغانستان بحسب اتفاق الطرفين خلال الزيارة. وبطبيعة الحال لا يمكن تصور تفويت الطائرات الاميركية فرصة التجسس والتقاط الصور للقواعد الروسية الحساسة خلال هذه الرحلات. بما يهيء الأجواء لتراجع أوباما عن نشر الدرع الصاروخي في اوروبا الشرقية. بما في ذلك من خفض في الإنفاق وفي الالتزامات السياسية الاميركية.

صحيح ان الزيارة لم تخرج على اعلان النوايا كون علاقات البلدين اكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فالخلافات في هذه الحالة استراتيجية مستقبلية وليست عتباً على حملة اعلامية او على ملاسنات. الا ان العلاقة المستقبلية الموعودة بين الطرفين من شأنها ان تعيد النظر في التوازنات الاقليمية والعالمية. فاتفاق الطرفان يلغي الحاجة للوسطاء. حيث لاتعود الحاجة الاميركية لاسرائيل حيوية في القوقاز وفي التعاون مع الهند في شبه القارة الهندية بوجود تحالف اميركي باكستاني, وغيرها من الادوار الوظيفية الاسرائيلية.

بمعنى آخر يمكننا توقع زيادة الضغط الاميركي على اسرائيل في موضوع الاستيطان ومبادرة اوباما للسلام. كما يمكننا توقع سعياً اسرائيلياً حثيثاً للتقارب مع موسكو.

ورغم عدم اولويته بالنسبة للطرفين فان الملف الايراني طرح في الزيارة بصفة العاجل المكرر. ذلك ان المصادفة وحدها لا يمكنها تبرير التزامن بين إعلان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن ان قرار مهاجمة "إسرائيل" للمنشآت النووية الإيرانية تخصها هي، انطلاقا من انها "دولة ذات سيادة"، وتأكيده على أن واشنطن لن تقف في طريق "إسرائيل" في حال قررت ذلك، مع الإعلان عن عبور غواصة إسرائيلية استراتيجية من طراز "دولفين" قناة السويس، في اطار مناورة اسرائيلية تستهدف ايران، فضلا عن التسريبات الإعلامية عن استعداد السعودية السماح للطائرات الحربية الإسرائيلية عبور أجوائها لضرب إيران. بما يستتبع السؤال عما اذا كانت اميركا قد انتهت من اعداد سيناريو ضربة اسرائيلية لإيران؟.

الخبرة الروسية مع السياسات الاميركية في هذا المجال غير مطمئنة فقد أوحت واشنطن لموسكو مراراً بعزوفها عن عمليات عسكرية عديدة لتعود وتنفذها وفق مبدأ استسهال خديعة الروس أو السوفيات في حينه.

اليوم الوضع مختلف وأول الاختلاف ان ايران تقع في المجال الاستراتيجي الحيوي الروسي. وروسيا اليوم شنت حربا على جورجيا وكانت تستعد لمعاودة مهاجمتها ما يؤكد انها مختلفة عن السوفيات في تلك الحقبة.

لهذه الاسباب جاء اعلان رئبس الاركان الاميركي الجنرال مولن ،الذي كان يرافق اوباما في زيارته الروسية، أن ضربة عسكرية لايران من شأنها تقويض استقرار المنطقة دون معرفة ردود الفعل المحتملة عليها. وبذلك يكون مولن قد محا تصريحات بايدن. وبعدها بايام ووفق الاتيكيت جاء تصريح الرئيس الاميركي أن الولايات المتحدة لم تعط إسرائيل على الإطلاق الضوء الأخضر لمهاجمة إيران لمنعها من امتلاك السلاح النووي، وذلك في معرض توضيحه لتصريحات نائبه جو بايدن، الذي ألمح فيها إلى عدم معارضة واشنطن لضربة عسكرية إسرائيلية لمنشآت إيران النووية. وقال أوباما بالتأكيد لا. أنا في غاية الوضوح في هذا الشأن، مضيفاً قال نائب الرئيس جو بادين بطريقة قاطعة إنه لا يمكننا أن نملي على دول أخرى ما عليها القيام به من الناحية الأمنية. وقال أوباما، في تصريح لشبكة سي أن أن الإخبارية الأميركية من موسكو، لقد قلنا مباشرة للإسرائيليين إنه من المهم المحاولة وحلّ هذه المسألة (النووية الإيرانية).

وهنا نصل الى تهافت نائب الرئيس ورغبته الجامحة في جعل موقعه وصلاحياته استمراراً لموقع وصلاحيات نائب بوش ديك تشيني الذي كان يصحب بوش للنوم ثم يقوم بتخريب العالم وفق وصف احد الهزليين الاميركيين. فهل ينجح بايدن في تعزيز منصبه كنائب رئيس ام يعود الى الظل جرياً على عادة نواب الرئيس الاميركي؟. ان سلوك بايدن يوحي بالتهافت وبالاصرار على التجاوز بما يجعلنا نتوقع كماً من الخلافات بينه وبين رئيسه ولهذا بحث آخر.

 
 

 

                                                                       د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

 

العودة لصفحة أعمال المركز