الأميركيون يودعون 14 آذار
تنقل اوساط اميركية فاعلة اصرار جماعة اللوبي اللبناني الصهيوني على الادارة الاميركية لإستمرار تدخلها في لبنان. وتقول هذه الاوساط ان الحاح هؤلاء شرق أوسطي لا يستمع الا لما يريده ويتجاهل الوقائع. واهمها ان أوباما قرر توديع لبنان وأن الضحية هي فريق 14 "آذار"،الذي يعتبره هذا اللوبي صنيعته وتابعه. فالقائمة التي تضم وليد فارس وجو بعيني وبقية قواد اللوبي ينظرون الى قيادات 14 آذار على انهم من أزلامهم وأتباعهم. لذلك فهم لا يريدون ان يفهموا ان إدارة أوباما لم تعد مستعدة للرهان على هذا الفريق الذى أثبت عجزه فى ظل إدارة بوش التي كانت تدعمه صباح مساء وبتورط يفوق كثيراً ما تسمح به هيبة دولة كبرى مثل اميركا وكرامة دولة صغيرة مستقلة مثل لبنان.
ما يجب فهمه هو ان اوباما لا يملك سبباً واحداً للإعجاب بسابقه بوش كي يقلده وفي لبنان خصوصاً. بل ان الصحف الاميركية اكدت ان اوباما كان يرفض الرد على مكالمات بوش خلال الفترة الانتقالية قبل دخوله البيت الابيض. وعليه فان الرئيس الجديد لن يخصص خطباً صباحية لهذا الفريق الفاشل ولا للرئيس السنيورة كما كام يفعل سلفه بوش.
أما وزيرة الخارجية الجديدة كلينتون فهي تسعى لإقناع الصين بالمشاركة في انقاذ الاقتصاد الاميركي ولإقناع روسيا بتفاهمات أطر تساعد على حل المشاكل العالقة بين البلدين. وبالتالي فهي لا تملك الوقت للقاء وجهاء 14 آذار في عوكر فضلاً عن عدم هوايتها للسندويشات. وهي وضعت الحدود لمثل هذه الدعوات المستجداة عبر تجاهل المبعوث الاميركي للشرق الاوسط جورج ميتشل لمجرد زيارة رمزية الى لبنان. واكتفت وزيرة الخارجية هيلارى كلينتون باتصال بروتوكولى بالسنيورة.
وهذا يدعم التحليلات والمعلومات القادمة من واشنطن والقائلة بان الملف اللبنانى غائب الآن بعد أن غاب لبنان عن حقل الرؤية الأميركي الجديد. فالمستشارون الجدد فى إدارة أوباما مقتنعون بأن استقرار لبنان موجود فى سورية وإيران، فيما اعتقدت إدارة بوش أنه يمكن رسم طريق السلام عبر لبنان وتبين أن الأمر مجرد حماقة من صنف حماقات الإتكال على كرزايات (كرزاي) محليين هم أشبه ببساط الحشائش البلاستيكي على حد قول محلل أميركي.
وبشكل محدد، يتوجب على إدارة أوباما الأخذ بعين الاعتبار الحصول على فهم أكثر دقة للواقع الديموغرافى والسياسى فى لبنان، فالحنكة السياسية تفرض الاستناد الى تحليل معمق يحدد الفروقات الدقيقة. ويتوجب على السياسة الأميركية التعامل مع الحقائق على الارض اللبنانية. فالرئيس الجديد قرر الإنسحاب من العراق المستنزف ويبحث عن آليات جديدة لمواجهة الوضع الأفغاني. وهو غير معد للنكات السمجة التي اشتهر بها بوش. ومنها رده على تحدي حزب الله في 8 آذار 2005 القائل: "من يريد سلاحنا فليأتي بأساطيله الينا" ورد بوش بان طالب حكومة السنيورة بنزع سلاح حزب الله.
وبعد التورط المفضوخ لبوش ورايس وفيلتمان وآخرون بات لزاماً على أوباما وفريقه الحذر الشديد من الدخول طرفاً في الشجارات السياسية اللبنانية ومقاومة إغراءات اتخاذ مواقف إلى جانب مجموعة ما بما يجرها الى مستنقع السياسة اللبنانية. حيث بينت التجربة هشاشة الكوخ الديمقراطي الذي بناه بوش وضآلة فعالية وتأثير سكانه وإدمانهم على المنشطات السياسية. حيث ستقتصر هذه المنشطات في المرحلة القادمة على خزان الشائعات التي يمكن فبركتها عبر ما يسمى بالمحكمة الدولية التي ستنطلق مطلع الشهر القادم. مسجلة آخر التجاوزات الممكنة للقانون الدولي. وهكذا فان تصفية تركة بوش في لبنان والخلاص من أعبائها تقتضي ندخل واشنطن لتسهيل التسوية بين الفصائل اللبنانية المتناحرة عبر دعم الحوار. على أساس دعم وزارات الدولة لتحسين الخدمات الأساسية وتشجيع الإصلاحات التى تقوّض الفساد عبر المساءلة والشفافية.
هنا سوف تصطدم ادارة اوباما بواقع خطورة المساءلة والشفافية على جماعة 14 آذار لأن تطبيق هذه المباديء انما يعني الغاء هذه الجماعة. وعليه سيكون الإضطرار الاميركي والضغط الاقليمي لتجاهل هذا التطبيق باعتماد مبدأ "عفا الله عما مضى". وهو ما يتطلب ضغوطاً سورية وايرانية على المعارضة التي لا تخضع بمجملها لهذه الضغوط. بل ربما اعتبرتها نوعاً من الخيانة ليعتبرها فريق معارض آخر تدخلاً مرفوضاً في الشأن الداخلي اللبناني.
وهذا ما تؤكده تصريحات مستشاري الرئيس اوباما بانه يتوجب على أميركا إشراك سورية للمساعدة على تشجيع الاستقرار، ويجب الاعتراف فى النهاية بمصالح سورية الطويلة والتاريخية فى لبنان. وبالذات، يتوجب على أميركا تشجيع عملية التطبيع المستمرة للروابط اللبنانية السورية. فقد قامت دمشق مؤخراً بفتح سفارتها فى بيروت، وهذا حدث مفصلى تاريخى. وستكون الخطوات التالية الأكثر أهمية تخطيط الحدود والتعامل مع الاتفاقيات المتنوعة التى تحكم العلاقات، والتى وُقّعت أثناء السيطرة السورية على لبنان.
وما ينطبق على لبنـان ينطبق على باقي النظمة البلاستيكية المجهزة على الطريقة الأميركية. حيث يتداول المراسلون الاجانب في افغانستان نكتة مفادها أن الرئيس كرزاي ونوابه دخلوا الاحد 22/2 في مشادة داخل المجلس الرئاسي حيث راح الجميع يتداولون بصراخ تهمة "أنت دمية من صناعة الاميركيين وأداة لهم!" ويتابع الصحافيون ولكن من جاء بهؤلاء وجعلهم حكاماً وسياسيين؟!....
د. محمد احمد النابلسي
رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية