عندما تصير العــروبة مربحة 

تعرض العرب في تاريخهم الحديث لحملات ظالمة وضعتهم في أسفل السلم الحضاري والبشري. وتم تصويرهم كأدنى المخلوقات. وهو ما كرسته الدراسات الاميركية حول الشخصية العربية. التي رسخت صورة قاتمة وبشعة للإنسان العربي. وأضيفت الى هذا الرصيد جهود اللوبي الصهيوني الذي رسم للعربي صورة الانسان النزوي المنقاد وراء شهواته والمستعبد بتراث يتعارض مع فلسفة المصلحة والإنتفاع التي روجتها الثقافة الاميركية وفرضتها على العالم.

ضمن هذه الشروط كانت العروبة دائماً متعارضة مع مبدأ الإنتفاع وبالتالي فهي تجارة خاسرة. والعرب الرابحون هم فقط المستعدون للخروج من جلدتهم ولعن تراثهم وآبائهم وأبناء جلدتهم.

لحظات عصيبة عشناها في لبنان خلال ما سمي بثورة الأرز حيث كنا نقرأ ونستمع ونشاهد في الاعلام الاجنبي مقابلات مع بعض ثوار الارز يمجدون فيها إسرائيل ويعلنون صداقتهم لها ورغبتهم في الذوبان فيها. وكان علينا أن نميز وسط هؤلاء بين اللبنانيين العائدين من اسرائيل كأعضاء في جيش لحد وبين شخصيات صاحبة مشروع لإغتيال العروبة في لبنان. ولطالما تساءلنا عما اذا كان هذا يرضي الرئيس الحريري؟.

أحد الضالعين في هذا المشروع المدعو زياد عبد النور الذي يرأس ما يسمى ب "المنظمة اللبنانية العالمية" التي تنادي بقيام إسرائيل باحتلال لبنان من جديد. وصرح عبد النور في 2/11/2005 : سيتم تغيير النطامين اللبناني والسوري احبوا ذلك ام كرهوه عن طريق انقلاب عسكري أو بطرق اخرى. ونحن نعمل من أجل ذلك. ونعلم بالضبط سلفا من ستكون البدائل. نحن نتعاون مع إدارة بوش في هذا الأمر.

وفي احدى التظاهرات أكد ميخائيل سويدان من القوات اللبنانية لمراسلة اجنبية وهو محاط بالأعلام الحمراء والبيضاء: " نحن نحب إسرائيل. إسرائيل تساعدنا". وللإطلاع على فظائع العنصرية ضد الذات وتصريحات جماعة ثورة الارز انظر على الانترنت الرابط التالي:

http://www.psyinterdisc.com/kalb.html

في تلك الأجواء تحولت العروبة في لبنان الى تهمة ليصبح الانتماء للعروبة معادلاً للتورط في خدمة المخابرات السورية. وهي تهمة ألصقت بكل المرشحين من خارج لوائح ثورة الارز وتطاولت على زعامات دفعها عفافها وكبرياءها نحو المواقف النابذة. إذ لا يليق أن يضع هؤلاء أنفسهم في مصاف شتامين خرجوا من جلودهم دون علم بانهم سيعودون بدون هذه الجلود يوم تنتهي صلاحيتهم للإستخدام الاستخباري الاميركي والاسرائيلي.

بعض هؤلاء يرفض الخضوع لفحص الدماء لإثبات عروبته مدعياً الأصالة العروبية رغم انخراطه في ثورة الارز تحت شعار الوحدة الوطنية. والحقيقة أن العروبة خاصة في هذه المرحلة لاتتطلب أية فحوصات فهي الخاسرة كعادة الضعفاء والقوية كعادة القضايا العادلة. والرابحون من خسارة العروبة تخلوا حكماً عن جلودهم.

الجديد في الموضوع هو ان تراجع النفوذ الاميركي بعد حماقات بوش جعل الادارة الجديدة لأوباما تتبنى مخططاً لإعادة إحياء الدعوة العروبية برعاية أمريكية. وها هو الفكر القومي يقدم بنكهة المارينز!. وهي النكهة الوحيدة التي تتيح الاحتفاظ بعراة الجلود في دائرة العروبة. انها صفقة تسميم العروبة وتفخيخها بأفكار وشخوص من جماعة ثورة الأرز. ولبنان هنا ليس الهدف وليس الأهم فهذا المخطط الارهابي يستهدف العرب والعروبة عامة وليس فقط صنف فقراء ما بعد الإغتيال في لبنان.

تصوروا التراجع عن الحملات الاعلامية الضخمة والمكلفة لتصوير العروبة على انها فكرة عنصرية بغيضة. وتصوروا القناعة الأميركية الفجائية بضرورة إحياء الفكر القومي العربي. لغاية وضع السيناريوهات اللازمة لإجراء مصالحة بين حزب البعث في سوريا ونظيره في العراق، وظهور دعاوى إعادة الاعتراف بالبعث العراقي بعدما كانت توجبهات بوش تدعو الى "اجتثاث حزب البعث".

الجديد في الأمر أن التركيز سيكون على ضرورة أن نتحد جميعا كعرب في مواجهة إيران، الفارسية، ذات المطامع الإقليمية. بشرط ألا نتمادى في "الإستهبال" ونعتقد أن علينا أن نتحد كعرب لنواجه أيضا الأطماع الإقليمية الصهيونية أو المخططات الأمريكية، لأن الأمريكان والصهاينة بالطبع ليسوا من الفرس ولا يمكن أن يكونوا من الشيعة؛ وإنما هم منا وعلينا، عرب أولاد عرب وموحدون أيضا!.

عروبتنا هذه المرة ضد الأطماع الفارسية، وفقط. وهكذا أيها السادة، توقعوا أن تعود إليكم أحلام العروبة وأغنياتها وأناشيدها، ولكن بنكهة أمريكية ليبرالية عصرية!. وهو ما يقتضي تلزيم هذه العروبة لقادة مجتمع على طريقة اوباما والتخلص من فوج بوش. وهذا ما يعقد مهمات هذا الفوج بدءاً بمالكي العراق وصولاً الى عباس فلسطين مروراً بطاقم فيلتمان اللبناني وصولاً لإفشال قمة الدوحة وتعويقها تمهيداً لإطلاق العروبة الجديدة بنكهة الموساد الاسرائيلي. واسألوا في ذلك ميخائيل سويدان ورئيسه سمير جعجع وفوقهما العودة الى ينابيع كراهية العرب والعروبة من زياد عبد النور الى وليد فارس وجو بعيني والقائمة تطول.

 

                                                                                                                                         د. محمد احمد النابلسي

                                                                                                                                        رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية