حـرب أوباما الباكسـتانية

الشكوى الاميركية المزمنة هي ان الولايات المتحدة لاتحصل على نفوذ متناسب وقدراتها. وأول النفوذ الاعتراف بان العالم مدين للتجديد البروتستانتي الذي تقوم عليه امريكا.

من جهتها قدمت أوروبا هذا الاعتراف فهي حافظت على الكثلكة لكنها تحولت الى البروتستانتية الاجتماعية والسياسية. فصحت نبوءة جورج مارشيه المحذرة من تحول اوروبا الى احدى ضواحي واشنطن بعد تنفيذ مشروع مارشال الاميركي.

هذا الاعتراف الاوروبي يصل الى حدود القناعة بضرورة ابقاء القواعد العسكرية الاميركية في اوروربا منعاً للصدام بين دول اوروبا بعد غياب العدو السوفياتي.

ويأتي هذا الاعتراف ناقصاً من انحاء العالم الاخرى وبطرق مختلفة ولا ترفضه بصورة مبدئية عقائدية سوى حضارتين هما الاسلام والكونفوشية ومن هنا ترشيحهما كقطب مواجه في صراع الحضارات.

وها هي الحرب الباكستانية اليوم حلقة في هذا الصراع الحضاري الذي يحتار الاميركيون في ايجاد التسميات له. فكان بداية حرباً صليبية ومن ثم حرباً على الارهاب وجاء أوباما ليسحب المصطلحين من التداول كي يحدثنا عن الحرب التي تغلب الحوار. فهو محاور لا يتحول الى الحرب الا اذا فشل الحوار.

العجيب في الامر ان اوباما ينتظر فرص الحوار مع طالبان افغانستان بصبر وأناة لكنه يستمر في الغارات الجوية على المدنيين الباكستانيين. ثم يكثف ضغوطه على الحكومة الباكستانية كي تشن بنفسها الحرب على سكان وزيرستان وتهجر الملايين منهم لتقاتل طالبان باكستان.

تفسير هذا التناقض تقدمه لنا مراجعة سياسات الرئيس كلينتون الذي اعتمد مبدأ "التهديد بالقوة دون استخدامها الفعلي" وهو مبدأ أثبتت فترتي ووكر بوش انه اكثر ربحية ومردوداًُ. فها هي الحرب الباكستانية دائرة بعنف دون تورط اميركي مباشر ودون تدخل بري اميركي وهذا هو الاهم وفق مبدأ كلينتون. الذي قصف كوسوفو بعنف طيلة 79 يوماً دون ان يقبل بانزال جندي اميركي واحد على ارضها الا بعد استقرار القوات الاوروبية والفرنسية خاصة فيها.

ومن الوجهة العسكرية الستراتيجية تعتبر الحرب الدائرة اليوم في باكستان اختباراً لمبدأ حروب أوباما القادمة. وهي مقدمة لاستخدام سلاح الميليشيات كبديل للحرب النظامية الشاملة. كما انها مقدمة لإعادة التعريف الأمريكي لمفهوم "الحرب غير النظامية"، هو ظاهرة عارضة وعملية لمفهوم "الحرب العدوانية الشاملة" للولايات المتحدة الأمريكية التي تعاني من نفاذ المال و"الدافع الهجومي" والشرعية الدولية. وهكذا، فإن نظرية التوازن الهجومي والدفاعي، من المحتمل أن تُمنح الضوء الأخضر، كحافز رئيس لدى الولايات المتحدة لطرح الإستراتيجية "الوقائية" والبدء في مرحلة "الحرب غير النظامية".

محاولة الالتفاف على النمط الدفاعي التكراري لرفض المنطقة للمشاريع الاجنبية. حيث يتم توريط افرقاء المشروع في تناقضات المنطقة. ويجري ضرب المشروع من داخله.

وعليه فان الانسحاب من المنطقة يعني الخلاص من تناقضات افرقاء المشروع واعادة هذه التناقضات الى اهل المنطقة ودولها بدل الغرق فيها كما فعل بوش.

لا شك ان لعبة الإحتواء المزدوج كانت أجدى وأكثر عملانية لكن سلوك بوش وتواجد الجيش الاميركي في المنطقة أضعف كل القوى الاقليمية التي كان يمكن زجها في لعبة الاحتواء المزدوج. مضافاً اليه التحدي الخفي الذي تشكله العودة الروسية المتأنية ولكن الثابتة الى المنطقة.

واليوم اذا ما نجحت حرب باكستان فانها ستقدم لنا اميركا داعمة الدول الديمقراطية للخلاص من متمرديها وفوضوييها وإرهابييها. وعندها ستتحول تهديدات بوش بالهجوم العسكري على ايران والسعودية وسوريا وغيرها الى مساعدة أوباما لهذه الدول كي تتخلص من بؤر التمرد التي تهددها. وصفقات اوباما جاهزة في هذا المجال. خاصة وان بؤر التمرد المندلعة والمرشحة للظهور مرصودة جيداً ومتوقعة التوجهات. بل ان إدارة أوباما تعمل على إعادة تصنيف هذه البؤر وفق تسمية "حروب التمرد" أو "الحروب الإرهابية"، على أمل تكريس تحالف الجهات المعنية مع أمريكا بما يعزز نفوذها ويخرجها من ورطتها الافغانية مع الاحتفاظ بقدرة التدخل في شبه القارة الهندية. وهي وضعية قابلة للإمتداد على مناطق الصراع الاخرى في العالم.

وباختصار فان نجاح الاختبار الباكستاني سيجعل حضور القواعد الاميركية مصدر أمان لإستقرار المناطق التي تتواجد فيها. بحيث تختفي المطالبات بترحيل هذه القواعد وبحيث تنشأ قوات مشتركة تكرر ما جرى في حرب كوسوفو. حيث تقدم اميركا تفوقها العسكري التكنولوجي وتقبض ثمنه وتترك للآخرين المواجهات البرية وانزال القوات على ارض المعارك.

وهذه الرؤية الاوبامية الجديدة تختصر بضعة قرون من التاريخ الأمريكي، ستتضح لنا، المقارنة بين مفهوم الحرب غير النظامية وتشكيل الميليشيات المسلحة، المسؤولة عن العمليات غير النظامية ومكافحة التمرد.

لذلك يبدو أن اليوم مثل الأمس، ولنفس أسباب المال والعتاد، وكذا تراجع في الاحتياط الإستراتيجي، أن الولايات المتحدة تخوض معركة إعادة تعريف الحرب من خلال إعادة تأسيس ميليشيات عالمية مسؤولة عن الحفاظ على "الأمن الأمريكي" على الصعيد العالمي والهيمنة على العالم كله، وهي اللعبة الخطرة التي قد ينقلب فيها السحر على ساحره.

وهنا يجب أن نذكر بخبرة الولايات المتحدة الطويلة في تمويل الميليشيات ودعم القوات شبه العسكرية في أمريكا اللاتينية: السلفادور مع مجموعة (ORDEN) "فرق الموت"، التي ألغيت رسميا في تشرين الأول/ أكتوبر 1979، وفي عام 1954، دربت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مرتزقة في هندوراس ونيكاراغوا، الذين أطاحوا، بمساعدة طيران الولايات المتحدة، حكومة (Arbenz). وفي الستينيات، دربت الولايات المتحدة قيادة الجيش الغواتيمالي ضد الثورة. وفي نيكارغوا، قدم الأمريكيون الدعم المالي والعسكري لمجموعات الكونترا (contras) المتمركزة في هندوراس. نفس الصورة والنموذج، "ميليشيا" ضد التمرد، تستخدم اليوم في العراق وأفغانستان، أين دفع الجيش الأمريكي السكان الأصليين في القوات العراقية والأفغانية "العميلة" للقيام بالأعمال القذرة ضد الجهات المعارضة والمتمردة من السكان الأصليين أيضا من أجل توفير فرص العمل وتحسين ظروف المعيشة.

 

 

ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار احتمال خطورة ردة الفعل "الضربة الارتدادية" (blowback) غير المتوقعة، التي قد تثير آثارا سلبية على التزام الولايات المتحدة في الحروب خارج الوطن.

ليبقى السؤال "ماذا لو فشلت حرب سوات الباكستانية؟".

 

                                                                                                                                       د. محمد احمد النابلسي

                                                                                                                                      رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية