أوباما يكــرر بوش

تستند القرارات الاميركية الى سلسلة بالغة التعقيد من معادلات المصالح وحساباتها الموجهة وفق استراتيجية معرفة ومحددة بدقة. لذلك لا يمكن بحال تصديق قدرة أي رئيس أميركي على إحداث تحولات جذرية في قرارات رئيس سبقه. إذ ان ما يمكن تغييره ينحصر في الوعود التي يطلقها الرؤساء في الخارج.

في هذه الحالة فقط يمكن الحديث عن إنقلابات حقيقية في السياسة الاميركية. حيث تعتبر الصين صاحبة التجربة الأكثر غنى في هذا المجال. حيث تراجع الرؤساء الذين تبعةا الرئيس نيكسون عن وعوده للصين. حتى ان بعض وعود نيكسون الصينية لم يتحقق لغاية الآن.

ولعل أكبر الانقلابيين بين الرؤساء الاميركيين هو الرئيس ووكر بوش الذي انقلب على كافة وعود كلينتون في السياسة الخارجية. كما انقلب على تعهداته خلال حملته الانتخابية في الداخل والخارج ومنها تراجعه عن الموافقة على اتفاقية كيوتو للبيئة وغيرها. بل ان بوش وظف حوادث ايلول للإنقلاب على بعض الثوابت الاستراتيجية الاميركية ومنها تجنب خوض حربين بالتزامن. فخاض حرب العراق وحرب افغانستان لما تنتهي بعد.

إنقلابات بوش الصريحة وحدها تبرر آمال التغيير المعلقة على الرئيس أوباما. وأولها ان انسحابه او بصورة ادق اعادة نشر قواته في العراق يعني العودة لثابتة استراتيجية انقلب عليها بوش وهي عدم خوض حربين معاً. كما تجد هذه الآمال تبريراتها في إغداق الوعود البوشية لغاية التورط والسفه. حيث وصلت وعود بوش الى زعماء العصابات في افغانستان وقطاع الطرق في العراق والمخاتير في لبنـان.

بطبيعة الحال فان دولة بحجم الولايات المتحدة وبحجم الأزمات والتحديات التي تواجهها لا يمكنها الإلتزام بمثل هذه الوعود السفيهة. وهو ما نقرأه بوضوح في جورجيا حيث المحادثات الروسية الاوروبية لن تترك لرئيس جورجيا صديق اميركا الحاصل على وعود كبيرة أكثر من ضمان استمراره في منصبه دون قدرة حكم حقيقية. وقس عليه في باقي دول القوقاز وبلدان الثورات الملونة.

وعلى الرغم من كل ما تقدم فقد بدأت خطوات أوباما الإضطرارية بفرض تفسها عليه مجبرة إياه على تكرار نمطيات بوش في مفاصل عديدة منها إضطراره لمنع صور التعذيب الاميركي لتجنب إحراج انتهاك الانسانية بحجة حماية المواطن الاميركي. إضافة لسماحه ومنذ اللحظة الاولى باستمرار الغارات الاميركية على المدنيين بناء على معلومات استخبارية رديئة بأمل تحقيق غاية قتل احد زعماء القاعدة او طالبان بثمن مئات الضحايا الابرياء.

كما ان أوباما يكرر بوش في حربه الافغانية ولكن بطريقة مختلفة. حيث فشل حرب بوش يصنفها في اطار الحروب غير المرغوبة. وما يفعله أوباما هو جهد لتحويلها الى حرب مقبولة عن طريق توسيعها لكسب تعاطف اقليمي هندي اسرائيلي معها وأيضاً لكسب قبول القطاعات المناوئة للإسلام في شبه القارة الهندية. لكن خطة أوباما تعثرت بالعامل الداخلي لنرى أوباما ينسخ بوش في خطابه الاربعاء الفائت حيث توقف محللون عند حديث أوباما عن ان مسؤولية مواجهة الأزمات الاميركية تتفاقم مع تهديد الايديولوجيات. وأضاف نحن نعلم أن القاعدة تخطط لضربنا من جديد كما نعلم ايضاً أن هذا التهديد سيستمر لمدة طويلة. وعلينا أن نستخدم كل ما لدينا من وسائل للقوى لإلحاق الهزيمة بهم. ورأى المحللون في هذا الحديث عودة لأسلوب بوش في تخويف الداخل الاميركي لتأمين الدعم لسياساته. خاصة بعد تراجع أوباما عن جملة خطوات معاكسة لخطوات بوش. ويدرج المحللون هذا التخويف في الإطار السياسي ويربطونه بحملة الحزب الجمهوري الهادفة الى تبرير تجاوزات ادارة بوش بحماية ارواح الاميركيين والإيحاء بانها أقل أماناً في ظل سياسات أوباما.

وهكذا تتضاءل الآمال بقدرة الرئيس الاسود المنقذ على الخلاص من وعود بوش والتزاماته الفرعية السفيهة لجهة التدخل في متاهات تفاصيل معقدة في دول فجرتها سياسات بوش من الداخل عبر عمليات مخابراتية قذرة أشرف عليها نائب بوش ديك تشيني بصورة شخصية.

هذا وتمثل زيارة بايدن ،نائب أوباما، الى بيروت الجمعة الماضي طليعة لإضطرار أوباما لتكرار بوش عبر تبنيه لسفاهة وعوده التي تبررها ضغوط اقليمية شديدة في ظل الازمة الاقتصادية الراهنة. وبمعنى آخر فان أوباما لم يبدأ فقط بتكرار بوش لكنه تحول الى ممارسة السفه عن سابق تصميم وإصرار ولقاء مكافآت خارجية تبدو وكأنها رشاوى سياسية اقتصادية. وفي المثال اللبناني لا توجد شخصية واحدة في فريق اصدقاء اميركا في لبنان تسـتأهل زيارة نائب الرئيس الاميركي من اجلها لكنها زيارة مدفوعة الثمن من قبل السعودية لدعم فريقها اللبناني. واللبنانيون غير معنيين بصراع السعودية مع ايران كي تدفعهم السعودية لدفع ثمن هذا الصراع.

ختاماً يقول احد الظرفاء ان الرئيس كلينتون عرض البيت الابيض للإيجار لداعمي حملته الرئاسية الثانية حيث حدد ثمناً لمن يريد تناول العشاء في البيت الابيض. وان أوباما يعرض نائبه للإيجار. وها هي زيارة بايدن لبيروت اولى إيجارات الرئيس الجديد وخاتمة الآمال بخلاصه من وعود بوش السفيهة.  

 

                                                                                                                                     د محمد احمد النابلسي

                                                                                                                                     رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية