أوباما يتجه نحـو تركيـا

 كياسة أوباما ودبلوماسيته الودودة في قمة العشرين وبعدها في قمة الأطلسي ومعهما القبول الشعبي الاوروبي للرئيس الاميركي الجديد لم تخف الممانعة الاوروبية لخطط أوباما. حيث فشل أوباما في الحصول على موافقة اوروبية على خطته للحفز الاقتصادي كما فشل في الحصول على دعم عسكري اروروبي لحربه الأفغانية. والأهم ان استراتيجية الحلف الاطلسي بقيت على نصها الموقع في 26/4/1999 والتي أعطت لووكر بوش حرية ممارسة حماقاتها رغم معارضة اوروبا مبدئياً لهذه الحماقات.

المحللون الستراتيجيون يعتبرون حلف الاطلسي مشلولاً في ظل استراتيجيته الحالية والمستمرة لاستحالة التوافق على تعديلها. حيث يطرح الراهن العالمي قضايا لا تلحظها هذه الستراتيجية من الملف الكوري الى الملف الباكستاني ومعه شبه القارة الهندية. إضافة لملف توسيع الحلف الاطلسي وإضافة الملحقات له.

وهكذا فان ابتسامات الرؤساء في القمتين لم تخف على المراقبين إحباط اوباما وفشله في الحصول على مبتغاه منهما وتريثه في طرح المواضيع الصدامية خلالهما. وهو ما دفع بالمراقبين لتعليق أهمية لافتة لزيارة أوباما الى تركيا عقب القمتين. إذ أن توتر العلاقات مع تركيا بسبب سياسات بوش ادى الى توتر وارباك عملية صنع القرار الاميركي في المنطقة. بما يجعل من تخفيف حدة التوتر وإعادة المياه إلى مجاريها بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية هدفاً من أهم أهداف السياسة الخارجية لأوباما.

لكن مراكز الابحاث الاميركية تقدم للرئيس إستشارات متناقضة إذ يرى أحدها ان الاعتراض الاوروبي على دخول تركيا الى الاتحاد جعلها تتحول شرقاً بما يجبرها على التغاضي عن مثلث أنقرة - تل أبيب واشنطن الى غير رجعة. خاصة بعد تحول هذا المثلث الى حبل يخنق تركيا في ظل سياسات بوش. فيما تنصح دراسات أخرى بدعم المعارضة التركية التي يمكن إقناعها بجدوى العودة الى هذا المثلث. فيما تشير دراسات أخرى لعدم المغامرة بتدخل من اي نوع في تركيا والإكتفاء بالحفاظ على العلاقات مع تركيا مع عدم مسايرتها في المواقف المخالفة للسياسة الخارجية الاميركية. والموقف الاخير يعتبر الأقل كلفة ويعتبره المراقبون الأكثر إنسجاماً مع توجهات الادارة الجديدة. رغم ان العلاقات الأمريكية التركية ما زالت تثير الكثير من الخلافات وتعدد وجهات النظر الأمريكية.

هذا ويشير تقرير الدكتور ستيفن جيه فلاناغان ،الخبير في الشؤون الدولية والحائز على كرسي هنري كيسنجر في الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكية، والمعروض مؤخراً على لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، الى نموذج الشراكة كإطار عملي تطبيقي للعلاقات التركية الأمريكية خلال الفترة القادمة لحين نجاح حلفاء واشنطن الأتراك في تغيير توازنات القوى السياسية التركية إلى جانبهم بما يمكنهم من العودة إلى السلطة بعد الانتخابات التركية العامة القادمة. مع ضرورة استخدام التفاهم الاستباقي مع تركيا في الملفات الآتية: الملف الأفغاني والملف الباكستاني والملف القوقازي والملف البلقاني. وملف آسيا الوسطى إضافة الى ملف النفط والغاز.

أما بالنسبة لملف الشرق الأوسط فقد أكدت معطيات "نموذج الشراكة" على ضرورة تفكيكه إلى ملفات فرعية بما يسمح لواشنطن بالتفاهم مع تركيا حول بعضها وتفادي الخلاف معها حول البعض الآخر.

والإتفاق على هذه الملفات يقتضي كبح جماح التقارب الروسي التركي المندفع مؤخراً بالاستناد للمصالح المشتركة بين البلدين وسط اهمال اميركي متعمد خلال فترة بوش للمصالح التركية.

أما عن الحوافز الاميركية لتثبيت هذا ال "نموذج الشراكة" بهدف إعادة تركيا مرة أخرى إلى شباك العنكبوت الأمريكي فهي حوافز اقتصادية لتركيا مع استمرار عرقلة انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. وإغراءها بالقيام بدور الوكيل الأمريكي في الشرقين الأوسط والأدنى وفي الوقت نفسه ضبط تحركات الدور التركي الإقليمي بحيث لا يتعارض مع الثوابت الأمريكية الشرق أوسطية. إضافة للعمل على تعزيز دور المؤسسة العسكرية التركية لردع توجهات حزب العدالة والتنمية. وتجميد التحركات الكردية العنفية مقابل تفاهم لبناء مثلث أنقرة واشنطن أربيل. دعم خطط تمديد نفط وغاز آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين عبر الأراضي التركية وفي الوقت نفسه إبطاء تنفيذ هذه المشروعات بشكل ينسجم مع مبدأ كلما ابتعدت أنقرة عن موسكو كلما تم تمديد المزيد من خطوط الأنابيب.

ختاماً فاننا نشتم من هذا النموذج رائحة اللجوء الاميركي الى الحلول المؤقتة وسيطرة رؤية كلينتون في تجميد الاستراتيجيات واستبدالها بتكتيك التعامل مع كل حالة على حدة Case by Case التي اعتمدها كلينتون في مواجهة أزماته والتي كانت السبب في صعود بوش والمحافظون الجدد عبر سؤالهم كيف يمكن لدولة عظمى ان تستمر على الصفقات وبدون استراتيجيا محددة. وهو انتقاد بدأ نائب بوش ديك تشيني بالترويج له. وألهم أن روسيا عادت الى المنطقة واستبعادها وفق شراكات عابرة قد تنفع فقط لدى قسم من العرب ولكن ليس مع تركيا باي حال من الاحوال.

 

                                                                                                                                   د. محمد احمد النابلسي

                                                                                                                                   رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية