أوبـاما وقصـة الحاخام

يحكى ان احد فقراء اليهود لجأ للحاخام شاكياً له ضيق الغرفة التي يعيش فيها مع عائلته فسأله الحاخام ألديك خروف؟. إذا أدخله ليعيش معك في الغرفة!. ولما كرر اليهودي الشكوى نصحه الحاخام بادخال البقرة لتعيش معه في الغرفة. وعندما عيل صبر اليهودي طلب منه الحاخم اخراج الخروف والبقرة وأن يأتيه في اليوم التالي. ويمها جاء اليهودي يقبل يد الحاخام ويخبره بسعادته وبسعة عيشه في غرفته الجميلة.

هذه الحكاية تشبه خطاب أوباما للعالم الاسلامي حيث جاء بعد فظائع بوش ليدعم الدول التي ضاق عيشها بسبب سلوك وسياسات بوش. فكانت زيارة نائبه بايدن الى لبنان ومن ثم زيارة اوباما للسعودية ومصر. وفي جميع الاحوال وفي كل الدول الاسلامية والعربية يحاول اوباما الاكتفاء باخراج قطعان بوش وسحبها معتبراً ذلك هدية كبيرة تستوجب الشكر والحمد عربياً وإسلامياً.

خطاب اوباما في القاهرة بدأ على طريقة اذاعة البي بي سي البريطانية بالقرآن الكريم. ولا الإذاعة البريطانية أسلمت ولا دخل اوباما في الدين الحنيف. فالمسألأة تبقى في اطار فنون الاتصال الانساني ومهارات العلاقات العامة المتخصصة بتمرير الصفقات.

وأكد أوباما في خطابه على ضرورة إنهاء حالة الارتياب وعدم الثقة السائدة حاليا بين المسلمين والولايات المتحدة، معتبرًا أن خطابه يسعى إلى بداية جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين حول العالم تستند إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل وحقيقة أن أميركا والإسلام ليسا في حاجة إلى التنافس. وأشاد أوباما في خطابه بعمق الحضارة الإسلامية والدور الذي قام به الأزهر كمشعل للنور، وقال  يجب محاربة الصورة المشوهه للإسلام اينما ظهرت. وفي موضوع السلام اعتبر أوباما أن حل الدولتين يصب في مصلحة إسرائيل والفلسطينيين وأمريكا والعالم كله. كما اشار الى عدم قبول بلاده ببناء المستوطنات الاسرائيلية على الأراضي الفلسطينية. مطالباً حماس بالتخلي عن العنف. أما بخصوص الملف النووي الإيراني فقد أكد أوباما أنه يتوجب على ايران أن تعمل في مجال الطاقة النووية السلمية معتبراً ذلك حقاً لأي دولة في المنطقة. وتابع نحن جاهزون للتقدم للأمام مع ايران بدون شروط مسبقة وعلى مبدأ الاحترام المتبادل، لكن مسألة حيازة أسلحة نووية هو أمر خارج المناقشة. وبالنسبة لأفغانستان قال اننا لا نسعى الى إبقاء قواتنا في أفغانستان واقامة قواعد عسكرية دائمة هناك. كما أعلن الرئيس الامريكي ان الولايات المتحدة لا تحتاج الى قواعد ولا ثروات طبيعية في اراضي العراق.

وفـي المواقف من خطاب أوباما عكست التعليقات وردود الفعل على خطاب اوباما الانقسامات العربية والإسلامية. حيث استبقته تسجيلات للظواهري وبن لادن تحاسبه على حرب باكستان الجارية وتفكيكها والدعوة لتكفير كل مسلم يتعامل مع اميركا واليهود. وفي حين قوبل الخطاب في مصر بالترحيب مع اختلاف في التأويلات. لخص المرشد خامنئي موقف ايران بقوله ان اميركا مكروهة من السملمين والخطب المعسولة لاتنفع معهم. وفيما وصفت السلطة الفلسطينية الخطاب بالإيجابي قالت الجهاد الاسلامي انه عبارات علاقات عامة وإعتبرته حركة حماس دغدغة دبلوماسية ناعمة بدون خطوات عملية. وفي السعودية قارنت الـرياض في افتتاحيتها الجمعة 5/6 بين خطاب بوش الابن في الكنيست العام الماضي عندما قال "ليبارك الرب إسرائيل" وكيف وصف الإسلام بالإرهاب، وأن ما يجري معه حرب صليبية، وبين رؤية أوباما التي جاءت تصالحية ومنفتحة، حتى إن استشهاده بآيات من القرآن الكريم يؤكد أن زعامته تريد بالفعل إنهاء مرحلة العداء مع المسلمين بكافة طوائفهم. فيما ربطت الأهـرام المصرية الجمعة 5/6 قسـراً بين الخطاب وبين قمة أوباما مبارك كونها قناة رئيسية يعرف من خلالها أوباما ويتعرف علي رؤية زعيم عربي مسلم بارز لتحقيق تفاهم أفضل بين الغرب والإسلام‏,‏ وسبل اعادة الاستقرار والسلام للشرق الأوسط‏.‏ وفيما أشادت الصحف الاميركية بخطاب رئيسها أظهرت صحف فرنسا التحفظات على تلميحات أوباما لقانون الحجاب الفرنسي خاصة وانه عين محجبة ضمن طاقمه في البيت الابيض.

ولكن هل تضمن خطاب اوباما بما يدعو فعلاً للتفاؤل بامكانية التوصل للسلام؟. من جهتها رحبت غالبية الشعوب الإسلامية بالخطاب الذي وجهه الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، من القاهرة. والذي وصفوه بـ"الهادئ"، إلا أن معظمهم أعرب عن أمله في أن تنتهج الإدارة الأمريكية الجديدة نهجاً يتطابق مع ما جاء في الخطاب. وبخاصة لجهة وقف الاستيطان المهود للقدس والفعالية في الضغط على اسرائيل لوقف جرائمها وتجاوزاتها. ومن جهتها إستطاعت صحيفة يديعوت أحرونوت الجمعة 5/6 أن تسجل سبقا في إجراء لقاء خاص مع أوباما في القاهرة خرحت منه بعنوان يقول إن نتنياهو قادر على تمرير مشروع تسوية لا يستطيع اليسار في إسرائيل تمريره. واعتبرت الصحف الإسرائيلية أن خطاب أوباما أطلق مرحلة جديدة في المنطقة، وبداية جديدة يمكن لها أن تقود نحو تحقيق سلام بين العرب وإسرائيل، إذا كان هناك شريك إسرائيلي قادر على التجاوب مع هذه الطروحات. وتناولت الصحف معضلات نتنياهو و"خيبة أمله" من موقف أوباما إزاء الملف النووي الإيراني. ورغم ان اوباما لم يعرض في خطابه خطة مفصلة لإنهاء النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين فان محللين يركزون على تأكيد أوباما خلال مؤتمر صحفي مع نظيره المصري مبارك ،قبل الخطاب، على التزام أمريكا بعملية السلام في الشرق الأوسط. وينطلقون من هذا التاكيد وما صاحب الزيارة والخطاب من قلق اسرائيلي للقول بان خطوة أوباما تجاه العالم الإسلامي قد دعمت آمال السلام.

العرب من أصدقاء اميركا يقرأون في هذا الإنزعاج الاسرائيلي مواقف اميركية واجبة الشكر والتشجيع ويدعون لضرورة التجاوب معها. لكن عرباً آخرين ما زالوا ينتظرون اجابات اميركية على قائمة طويلة من الأسئلة منها على سبيل المثال السؤال عن الأعداد الحقيقية للضحايا العراقيين خلال نوبات جنون بوش؟. والاشرطة الخاصة بتعذيب العراقيين التي حجبها اوباما؟. وتوضيح ما اذا كانت حرب الصدمة الترويع صليبية كما اسماها بوش ام انها لمجرد ترويع وارهاب العراقيين ومعهم كل شعوب المنطقة؟. وما هي علاقة ارهاب بوش العراقي باختراعه لثورة الارز اللبنانية؟. وماذا عن دور استخبارات تشيني والاستخبارات المركزية في العمليات القذرة من اغتيالات لبنان ولغاية حوادث اشعال الفتن وتفجير الاحقاد التاريخية في كل دول المنطقة؟.... الخ من الأسئلة التي لا يعني السكوت عنها سوى استمراريتها ولكن بقفازات لبسها اوباما قبل توجهه الى الشرق الاوسط.

الزيارة جاءت دعما لدول الاعتدال العربي وطمأنه لها مع حسومات مغرية في المطالب الديمقراطية الاميركية منها. وان جاء دعم متأمركي لبنان بزيارة نائب الرئيس وليس الرئيس نفسه. وهذا الإطمئنان غاية بالنسبة لهذه الأنظمة تثنيها عن طرح أية أسئلة. فالزيارة هي اعتراف بدور اقليمي هام لهذه الدول وهو جل مبتغاها. وان بثمن وضع عشرات ملايين المصريين في الاقامة الجبرية بمنازلهم خلال زيارة اوباما. فهل يملك هؤلاء دافعية توجيه الاسئلة للرئيس الزائر؟.

الخطير ان هذه الدول متخاصمة مع نفسها ومع شعوبها ومحيطها وهي فقدت دورها وتأثيرها بسبب نصائح الحاخام بوش. وهي عانت الأمرين لإخراج القاعدة التي نصحها الحاخام بتبنيها واطلاقها ليعود وينصحها باخراجها. وهي نصيحة من جملة نصائح جعلت هذه الدول تفقد دورها الاقليمي وآخرها نصيحة اخراج حماس من البيوت الحاخامية الاميركية.

لغة الخطاب مهذبة واهتمام اوباما بالمنطقة وشعوبها وبالاسلام مشكور ولكن هل يجيبنا ذلك او يدفعنا لنسيان مليون قتيل عراقي وسقوط بغداد كرمز عربي واسلامي؟. وهل تنسينا الزيارة التهديد بالحاق دمشق ببغداد وتدميرها هي أيضاً؟. وهل تنبهت الزيارة الى حالة الارهاب التي خلقها السفير فيلتمان في لبنان موظفاً المحقق فيلتمان والاستخبارات الاميركية والاسرائيلية واعادة احياء ميليشيات الحرب الاهلية المتعاملة مع اسرائيل؟. هل تضمنت زيارة اوباما مجرد الاعتذار عن هذا الارهاب وعن هذه الاضرار أم ان علينا الاكتفاء بانها ثبتت استقرار انظمة المنطقة لتجنبنا الوقوع في محاذير الفوضى؟!.

 

                                                                                                                               د محمد احمد النابلسي

                                                                                                                               رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية