أوباما وسـياسة النكوص

 عندما يقع شخص ما في خطأ فانه يأمل العودة الى ماقبل لحظة وقوع الخطأ. وهذه الرغبة بالنكوص الى ما قبل الازمة تعتبر آلية دفاعية يحاول عبرها الشخص استعادة توازنه السابق. وما يصح على الافراد يصح في السياسة حيث النكوص السياسي احد اهم آليات إستعادة التوازن السياسي.

آلية النكوص السياسي تفسر استراتيجية الرئيس أوباما الساعي للتخلص من عثرات ومآزق سياسات بوش وورطاته الاستراتيجية. ونبدأ بالعراق حيث وعد أوباما مرشحاً بالانسحاب من العراق وجدوله عندما صار رئيساً. فالمنطقة وحنى نهاية الثمانينيات كانت موضوعة تحت سياسة الاحتواء المزدوج عبر الحرب الايرانية العراقية وعواقبها فإقتصرت مهمة الاميركيين على بيع المعلومات والسلاح لدول نفطية غنية وكانت فضيحة ايران غيت بامتداد المصالح الاميركية لغاية بيع قطع الغيار لإيران.

بعد تحرير الكويت تعجب المراقبون من عدم توجه الجيوش الحليفة الى بغداد رغم ابوابها المفتوحة. وبعدها وفي العام 1998 اكتفى الرئيس كلينتون بعملية ثعلب الصحراء التي كانت كناية عن طلعات ليلية على بغداد لبضعة ايام. فرغم زلزال سقوط الاتحاد السوفياتي وضرب السفارات الاميركية في افريقيا فان اسقاط العراق كان يعني اسقاط الطرف المقابل في الاحتواء المزدوج بتلويناته المختلفة. خاصة وان العراق ذي الغالبية الشيعية يستطيع مواجهة ايران دون اثارة الحساسيات المذهبية.

وفعلها بوش وفشل ولو نجح لكانت التعليقات والوقائع مختلفة لكنه فشل وعلى أوباما مسؤولية الاصلاح. وهنا لا تفيد مقولات الحكمة بمفعول رجعي فالمرجع في مثل هذه الحالات هي المقولات التي حذرت من اقدام بوش على ما اقدم عليه ومن الفوضى التي ستنجم عن حماقات بوش الاستراتيجية.

في الراهن الاستراتيجي فان الانسحاب الاميركي من العراق يعني ترك المنطقة للبوليس الايراني بما يثير رعب دول المنطقة والأهم لأوباما انه يهدد المصالح الاستراتيجية الاميركية في المنطقة. بما يطرح السؤال حول خيارات أوباما في الشرق الاوسط.

البعض يتحدث عن صفقة اميركية ايرانية تراعي مخاوف دول المنطقة والتعايش مع ايران نووية على غرار اسرائيل النووية التي تعيش في المنطقة منذ عقود. خاصة وان المنطقة مزروعة بالقواعد العسكرية الاميركية التي تضمن رعاية الصفقة. لكن هذا الحل يحمل في طياته احتمال مواجهة مستقبلية مباشرة مع ايران.

البعض يتحدث عن تسهيل عودة الجيش العراقي لحكم العراق عبر انقلاب عسكري يتم التمهيد له عبر تصفية المشهد السياسي العراقي وتنقيته من شوائب التناقضات الاتنية والمذهبية العراقية. لكن هذا الحل يتحدى المصداقية الاميركية ويقطع الطريق على مطالبات الديمقراطية الاميركية.

ومع تعدد اقتراحات الحلول لتسهيل النكوص السياسي الاميركي الى مرحلة ما قبل سقوط بغداد تبقى العودة الى سياسة الاحتواء المزدوج الأكثر إغراءً للمصالح الاميركية لكنه هذه المرة احتواء لا تدخله الدول وانما الجماعات المقاتلة.

من هذه الزاوية تجب قراءة السجال الدائر حول خلية حزب الله المصرية حيث توجيه الجماعات المقاتلة نحو الصراع العربي الاسرائيلي يعطي للجماعات المقاتلة أبعاداً ايديولوجية تحول دون تورطها في الإحتواء المزدوج. ومن هنا السعي الاميركي لتحويلها الى تصنيفات اتنية ومذهبية وطائفية متصارعة بدل الالتقاء عند مواجهة عدو مشترك. وهو ما تتظهر مؤشراته في الساحة العراقية حيث الاصطفافات المستندة الى الاحقاد التاريخية تطغى على قضية الاحتلال. بحيث تطالب فئات عراقية بتأجيل الانسحاب الاميركي خوفاً من انطلاق الاقتتال بين الجماعات المسلحة العراقية. ويأتي لبنان في المرتبة الثانية بعد العراق كساحة للإحتواء المزدوج حيث تطرح مواجهة المحور الايراني السوري كعقيدة بديلة لمواجهة الجار الاسرائيلي.

باختصار فان النكوص السياسي والضعف الاقتصادي يدفع بادارة اوباما لخوض معركة لإعادة تعريف الحرب من خلال إعادة تأسيس ميليشيات عالمية مسؤولة عن الحفاظ على "الأمن الأمريكي" على الصعيد العالمي والهيمنة على العالم كله. حيث تشير التقارير الى قرب اندلاع عشرات النزاعات في مناطق العالم المختلفة بما يتيح للولايات المتحدة تجنب الحروب التقليدية البماشرة عن طريق دخولها طرفاً غير مباشر في هذه النزاعات. وهي اللعبة الخطرة التي قد ينقلب فيها السحر على ساحره خاصة وان هذا النكوص يعود بالولايات المتحدة عميقاً في التاريح وصولاً الى الميليشيات الاميركية التي حاربت الهنود الحمر.

 

                                                                                                                         د. محمد احمد النابلسي

                                                                                                                         رئيس المركز العربي للدراسات النفسية