أميركا تغادر الحماقة الى النصب

 ...على أعداء الولايات المتحدة أن يدركوا أننا نصبح حمقى اذا ما ضربت مصالحنا. وعندها لايستطيع أحد التنبوء بما قد نفعله بما لدينا من قوة تدميرية هائلة. وعندها فقط سيرتعد اعداءنا خوفا" منا

                   الرئيس ريتشارد نيكسون

      يومها هدد الرئيس نيكسون بالتحامق لكنه إحتفظ بالمسافة ما بين التهديد بالحمق وبين ممارسته الفعلية. وهي المسافة التي إجتازتها إدارة بوش تحت عنوان ما سمي بالحرب الإستباقية. وبلغ التمسك بهذه الممارسة لدرجة إعلان الإستباق كمبدأ لبوش. وها هي المعطيات الموضوعية تثبت تشخيص الحماقة على هذه الحرب وعلى مبدأ بوش وسياساته عامة. وذلك وفق الآراء الاميركية وبدعم المراجعات التي تجريها الادارة الجديدة على هذه الحماقات في محاولة لتجاوز انعكساتها السلبية على على الولايات المتحدة.

ولكن ماذا ننتظر من أوباما وإصلاحاته المزعومة؟. وهنا لا بد لنا وقبل الإجابة من إستقراء التجارب الاميركية في المواقف الشبيهة عبر التاريخ الاميركي القصير. فعقب الحرب العالمية الثانية وبعد القاء قنبلتين نووييتين على اليابان غير الاميركيون تسمية وزارة الحربية فأسموها بوزارة الدفاع. ومن مهام الوزارة المتحولة تنظيم المخابرات الاميركية واتباعها بفرع دراسة الشخصيات القومية للأمم الأخرى ( الأنثروبولوجيا الثقافية) وفرع آخر لدراسة شخصيات الزعماء والمسؤولين في العالم.

وقبل ان يصالحنا أوباما بخطابه وبعد قراءة ردة فعله المشجعة لمحنويات خطاب أوباما كان علينا مراجعة القراءة الاميركية للشخصية العربية. ومن نقاط ضعفها الاساسية مسألة الحساسية على إنتهاك العرض والإذلال الجنسي. وهذا يفسر التركيز على هذه النواحي في الجرائم الأخلاقية في سجن أبوغريب وتوابعه بحق الأسرى. وفي هذا الإطار إندرجت مسألة نشر صور صدام في ملابسه الداخلية. وفيه ايضاً يندرج منع اوباما نشر صور جديدة عن التعذيب الاميركي للعراقيين والمسلمين وتجاوزات التعذيب الاميركي اجمالاً. اذ ان نشر صور جديدة ستحول مهمة حوار اوباما مع العرب والمسلمين الى مستحيلة.

ويبدو ان مستشاري اوباما قد اوعزوا له بان عدم نشر وثائق التعذيب يعفيه من الاعتذار عنها. وكان لأوباما ما توقعه اذ انه لم يواجه بأي سؤال محرج كان يفترض طرحه في مصالحة من هذا النوع. وفي مقدمها السؤال عن عدد ضحايا بوش من العرب والمسلمين بدون تزوير التقارير الاميركية التي باتت مكشوفة. وأيضاً العدد الفعلي لخسائر الاميركين في العراق وافغانستان واماكن تدخل بوش الاخرى. وبعدها هل ستحتفظ واشنطن ب "حق" تهديد وإزالة اي رئيس عربي تجده غير ملائم لمصالحها؟. وهل هي ستعيد تدخلها في الانتخابات العربية وهي قد كررته فعلاً في لبنان وارسلت بايدن الى بيروت قبل ايام من خطاب الاعتذار الأوبامي!؟. وهكذا يحق لنا اعتبار كلام اوباما عن المصالحة وعن السلام والدولتين وحقوق الفلسطينيين مجرد دعاية مرافقة لحملة علاقات عامة وفق مباديء ونصائح شركات الدعاية الاميركية. خاصة وان الحملة الاميركية في افغانستان كانت تمتد الى باكستان خلال القاء اوباما لخطابه الودود.

ولعل وطأة سياسات بوش تبرر مبدأ العودة لسياسات كلينتون ليس فقط عبر الفريق الرئاسي الديمقراطي لأوباما والمقرب من كلينتون وانما ايضاً عبر العلاقات التي نسجها كلينتون وعبر أسلوبه في مخاطبة الحلفاء باعترافه بشراكتهم وعدم فرض التبعية عليهم كما فعل بوش.

الأهم ان كلينتون كان منفتحاً على مختلف الآراء وكانت له جلسات مطولة مع الرئيس نيكسون للاستنارة بخبرته. وهو لم يكن أسير فريق محدود من مقربيه ومستشاريه كما فعل بوش. ويبدو ان أوباما يتفوق في هذا المجال على كلينتون بدليل لجوئه الى متخصصين عارفين بثقافة المنطقة بدليل تحليل محتوى خطابه المصري وهديته للعاهل السعودي واسلوب مخاطبته العام للعرب والمسلمين.

عند هذا الحد نقف لنتذكر انه ورغم الافلاس غير المعلن للشركات الاميركية وتردي الاوضاع الاقتصادية الاميركية فقد تمكن كلينتون من تحقيق اول فائض في الموازنة الاميركية منذ عقود عندما حقق فائضاً قيمته 115 مليار دولار العام 1999 فكيف أتيح لكلينتون تحقيق هذا الانجاز الذي كرسه افضل رئيس اميركي من الناحية الاقتصادية؟.

لقد اعتمد كلينتون كياسته التي يقلدها أوباما ويتفوق عليها احياناً لتوظيفها في عمليات نصب كبرى. ولسنا ندعي الاطلاع على كل هذه العمليات لذلك نكتفي بالمعلوم منها. حيث السكوت على الشركات المفلسة وتزوير حساباتها وتركها تبتز الجمهور وتوهمه بارباح وهمية هو صمت تواطوئي مع هذه الشركات. وحيث ظروف حرب كوسوفو تؤكد امكانية التوصل الى حل سلمي لها. لكن كلينتون فضل القيام بعمليات قصف مستمرة لمدة 79 يوماً القى خلالها بكامل فضلات مستودعات مصانع الاسلحة الاميركية وجعل الاتحاد الاوروبي يدفع ثمنها. وهو ما يعادل بيع الاسلحة بالقوة والضغط. والى هذه الحرب ،أو شبه الحرب، في كوسوفو يعود جزء كبير من فائض الميزانية المشار له اعلاه. فقد غادرت اوروبا هذا الفصل الكوسوفي بخسائر وتكاليف كبيرة عكسها تدهور سعر صرف اليورو بشكل كارثي في تلك الفترة عقب الحرب.

تخيلوا فقط ماذا كان ليحدث لو تدهور سعر صرف الدولار في حينه كما حصل لليورو. وتذكروا اجتماع الرؤساء الاوروبيين في بروكسل لإقرار الميزانية التي طلبها كلينتون لحرب كوسوفو. وتم الاقرار بصورة فائقة السرعة. ويومها قال معلق فناة سي بي اس الاميركية على ذلك بالقول: يبدو الرؤساء الاوروبيون وكأنهم اسماك في اكواريوم يسنتع كلينتون بتأملهم!؟. هذا مع الاشارة الى اختلاف تالاوروبيين على تفاصيل بسيطة لسنوات وهي تافهة بالمقارنة مع قرار تمويل حرب كوسوفو.

كما اعتمد كلينتون سياسة بيع الاسلحة بالضغط في علاقته مع الدول العربية الغنية. حيث نذكر هنا بزيارة وزير دفاعه كوهين الوداعية لهذه الدول قبيل انتهاء فترة كلينتون. وكانت اعداداً لاحتمال وصول ديمقراطي بدل وكر بوش الى الرئاسة. وعندها يكون كوهين قد جهز الصفقات للرئيس الديمقراطي. لكن نجاح بوش أبدل تفاهمات كوهين بتهديدات بتقسيم هذه الدول وتهديد انظمتها واستبدال سياسة الطلب الكلينتوني اللطيفة بسياسة اخذ ما تريده امريكا بالقوة والتهديد. ومن هنا السؤال عن مغادرة الولايات المتحدة للسياسات الحمقاء نحو سياسات نصب جديدة؟....

إنتبهوا فإن اميركا أوباما بحاجة لمبالغ كبيرة لاصلاح حالها الاقتصادي!....

 

 

                                                                                                                        الدكتور محمد احمد النابلسي

                                                                                                                        رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية