التحليـل النفسي للرئيس أوباما

 علاقة السياسة الاميركية بالسيكولوجيا علاقة عضوية حميمة اذ ان المؤسس الفعلي للبراغماتية وليام جايمس دلف الى السياسة عبر اول كتبه المعنون "مباديء السيكولوجيا" وفيه الدعوة لضرورة إنحسار طموحات الفلسفة من الكون الى الإنسان. بما يبرر مكانة السيكولوجيا في السياسة الاميركية وانتقالها من الصعيد الشخصي الى دراسة الشخصيات الأممية ووضعها في أنماط وقوالب سلوكية والتعامل معها على هذا الأساس. وهو ما يطبقه الاميركيون في دراساتهم على جمهورهم وعلى رؤسائهم.

ولعل أهم الإشكاليات المثارة حول الموضوع هي تلك التي أثارها عالم النفس ،في جامعة كاليفورنيا، كيث سيمونتون مؤلف كتاب "لماذا ينجح الرؤساء"، وفيه يقول إن الكثير من القضايا الأخلاقية المثارة لا تملك الأهمية في موضوع اختيار الرئيس وانتخابه. وبمعنى آخر فإن أداء الرئيس في غرفة النوم لا علاقة له بأخلاقه. ويذكر سيمنتون أن لغالبية الرؤساء الأميركيين مغامراتهم العاطفية خارج فراش الزوجية، دون أي فارق بين الناجحين وبين غير الفاعلين منهم.

أما عالم الشخصيات روبرت هوغان، فيعارض ذلك إذ يقول إن الشخصية هي مجموعة متكاملة من السمات مثل الذكاء والمرونة ودرجة الحياء والكبت عند الشخص...الخ وهذه السمات هي التي تحدد سلوك الشخص سواء كان رئيس عمال في ورشة، أو كان في البيت الأبيض رئيسا".

ويدعم هذا الرأي عالم السياسة "جيمس دافيد باربر". مؤلف كتاب: "الأخلاق الرئاسية – التنبؤ بمستوى الأداء في البيت الأبيض"، إذ يقول: أن من يدرس أحوال الرئاسة في القرن العشرين، سيصل للإستنتاج القائل، بأن لأخلاق الرئيس أهمية وتأثير أكيد في مجريات الأمور. بل أن أخلاق المرشح أصدق إنباء عن شخصيته وأدائه من كل الوعود والاقتراحات الانتخابية التي يطرحها أثناء حملته. ويعطي باربر مثالا" على ذلك " ليندون جونسون"، فيقول بأن قصة جونسون مع حرب فيتنام هي أكثر الأمثلة إثارة للرعب في العصر الحديث. فقد كان يدعي بأنه مرن ومحب للسلام، ولكنه لم يلبث أن تحوّل إلى التصلّب في سياسته العسكرية الفاشلة، وذلك بسبب سلوكه القهري المتصلّب. ويتابع باربر بأن دوايت د.ايزنهاور يمثّل نموذجا" للشخصية السلبية ( ينسحب من المواجهة لأسباب أخلاقية تاركا" حل المشاكل للآخرين ) ومن هنا فشله  في محاربة المكارثية، والمشكلات التي انبثقت في أيامه كانحلال الحياة في المدن ومظاهر الشغب العرقي. وهنا علينا أن نلاحظ تكرار هذه الملامح في عهد ووكر بوش منذ الاشهر الأولى لولايته. حيث الشغب العرقي المندلع في سينسيناتي في 1/4/2001 وحيث التورط في افغانستان وصعوبة الانسحاب منها. إضافة للرغبة القهرية لدى بوش التي ورطته في إحتلال العراق.

هذا ويطرح باربر تصنيف الرؤساء الأميركيين، وفق خطين قاعديين: 1- خط الفاعل و 2- خط المنفعل ( أي القدر من الطاقة الشخصية الذي يبذله المرء في عمله في مقابل العاطفة الايجابية – السلبية أو موقفه من نتائج عمله ومدى تقبله لهذه النتائج). وعلى هذا الأساس يحدد باربر أنماطا" أربعة لشخصية الرئيس الاميركي.

النمط السلوكي السياسي لأوباما

بمراجعة تصنيف باربر نجد أن الرئيس أوباما ينتمي الى ما يسميه باربر بالنمط المنفعل الايجابي. وعلائمه بحسب بارب هي التالية:

يمتاز هذا النمط بأنه مساير ومتعاون أكثر منه صاحب شخصية وحيوية قوية. مع مسحة تفاؤل مهيمنة على سلوكه. وهذا النمط يفاوض بشكل جيد، ولكنه يحيط نفسه بأصدقائه القدامى الذين يجلبون له العار. ومن أمثلة هذا النمط هوارد تافت وريغان، " الذي يقول عنه سيمونتون: "ها نحن نجد ريغان يوقع صفقة أسلحة مهمة وفي الوقت نفسه تنفجر حوله الفضائح في كل مكان". كما ينتمي الى هذا النمط الرئيس كلينتون الذي كان يحقق انجازات اقتصادية تاريخية في أجواء فضيحة مونيكا.

هذه هي العلائم العامة لشخصية الرئيس الاميركي الجديد. وبمراجعة منهجية تركيب طاقم أوباما نجد انه سرب فعلاً بعض مساعديه في ادارة حملته الانتخابية وبعض أصدقاء العائلة الى الفريق. وهم سيشكلون الأصدقاء القدامى المحيطين بالرئيس ونقطة ضعفه الشخصية. كما ان الانتخابات دفعت أوباما للتخلي عن بعض صداقاته القديمة وبخاصة منها الصداقات مع عرب ومسلمين. اما عن التركيبة العامة للفريق فقد إعتمدت على مباديء دراسة السلوك والسوابق. حيث وضعت الكفاءات التي تجد صعوبة في عمل الفريق في مناصب استشارية. وحيث تم الاحتفاظ ببعض أعضاء فريق بوش القادرين على التكيف مع منطلقات الادارة الجديدة. فإذا ما نظرنا الى تعقيد الملفات المطروحة على الادارة وصفتها الطارئة أمكننا استبعاد تأثير الاشخاص والعوامل الشخصية في ادارة أوباما. حيث الظروف الطارئة تفرض برمجة الطاقم وفق حسابات بعيدة عن العامل الفردي. وهذه البرمجة سوف تؤثر على مستوى الإنسجام داخل الفريق بما يبرر توقع إقالات وإستقالات وتجميدات وتغييرات سريعة في الطاقم وكذلك في السلوك المعهود لبعض أفراده. ومن هنا ضرورة استبعاد كل التوقعات التي تقوم على اساس معرفة السلوك السابق لأعضاء الادارة.

وهذه العلائم بدأت مبكرة في إدارة أوباما حيث إضطر ومنذ البداية للتراجع عن بعض التعيينات بما فيها تعيين مسؤول المخابرات الاميركية وهو منصب لا يحتمل التردد ويشكل نقطة ضعف حقيقية في الإدارة ويشكك بقدرتها على اتخاذ القرارات مهما كانت مبررات وتأويلات هذا التردد.

لكن التراجع عن التعيينات قبل حصولها أقل وطأة من الإقالات بعد التعيين والتي نؤكد من منطلق سيكولوجية الادارة الاوبامية انها سوف تحدث عند أول مواجهة جدية يتعرض لها فريق أوباما غير المنسجم.

الكياسة وحسن التخلص ومهارة التفاوض التي يتسم بها المنفعل الايجابي مثل أوباما أجلت مواجهاته لغاية اليوم. فلو عدنا الى قمة العشرين لوجدنا ألمانيا معارضة شرسة لخطة أوباما للتحفيز الاقتصادي وتلتها أوروبا في هذه المعارضة. وهو ما تجاوزه أوباما كي لا يبدأ ولايته بالإحباط او بالمواجهة. ثم جاءت قمة الاطلسي التي تجاهلت تعديل استراتيجية الحلف ،مع عدم صلاحية استراتيجيته الحالية للتطبيق العملي، للبحث في حرب أفغانستان وهنا أيضاً تلكأ الحلفاء الاوروبيين عن المساعدة مكتفين بقوة رمزية غير مقاتلة من خمسة آلاف عنصر. ومرة أخرى غستكان اوباما ولنفس الاسباب. فماذا لو تفجرت هذه الملفات بعد فترة؟. وكيف سيواجهها أوباما بفريقه غير المتجانس؟.

في رأينا الشخصي انه يمكن إستقراء سلوك أوباما في هذه الحالات عبر قراءة شخصيته السيكولوجية فهو قرر زيارة تركيا بعد فشل قممه الاوروبية. وفيها صفقة التفاف على امدادات الغاز الروسي لاوروبا لتحويله الى الانابيب التركية. وهي صفقة تحتوي روسيا واوروبا في آن معاً.

ولو نحن اتخذنا من هذا السلوك مؤشراً على أسلوب اوباما في مواجهة الأزمات لوجدنا انه "الشخصية الصفقة". فهو عندما يحبط في مجال ما يتحول الى صفقة في مكان آخر. ويتدعم هذا الرأي بملاحظة القفزات المتتالية لأوباما من الملف الاقتصادي الى الايراني ومنهما الى الروسي فالاوروبي وقس عليه.

الخطير في سلوك أوباما هو أولاً التباين الشاسع بينه وبين سلوك بوش شبيه العقائدي والمتمسك بالاستراتيجيا مقابل سلوك اوبامي لا يبدو هاو للإستراتيجيا ومتحول نحو تكتيك كل حالة على حدة Case by Case بما يعني استعداده لعقد صفقات فرعية بديلة للصفقات الاساسية. وهي نقطة ضعف يكسب كثيرون ان هم احسنوا استغلالها. فهل يدرك العرب هذا الضعف الاوبامي ليمرروا صفقاتهم في فرصة لم تكن متاحة ايام ووكر بوش؟. وهل هم سيتوجهون نحو الصفقات ذات البعد الاستراتيجي لبلادهم والمنطقة أم يقفون عند حدود صفقات تسمح لهم بالبقاء على كراسي الحكم؟.

في الحالة الأخيرة لا بد من التحذير من أفخاخ الاقالات والاستقالات المتوقعة في ادارة اوباما. حيث لا تنفع الصفقات المعقودة مع فريق الادارة كما كان يحدث في الصفقات المنعقدة مع ديك تشيني أو مع رامسفيلد أو مع رايس أو حتى مع فيلتمان السفير المعجزة.

سـياسة أوباما الشرق أوسطية

بتطبيق المعطيات المشار لها أعلاه يمكن القول بان مقاربة أوباما للتحديات الشرق أوسطية ستكون مغايرة تماماً لمقاربات بوش. ففي موضوع السلام الشرق اوسطي يضم فريق اوباما طائفة من فريق كلينتون الشاهد على مماطلة نتنياهو لجهود كلينتون في سلام المنطقة. ومن هنا ملامح الخلافات الاميركية الاسرائيلية المستندة لإستعداد اوباما لممارسة الضغوط على اسرائيل لتجنب الوقوع في التسويف الإسرائيلي الذي قضى على جهود كلينتون قبله.

على صعيد منفصل يمكن تحليل اختيار اوباما للقاهرة كمنبر لمخاطبة العالم الاسلامي على انه صفقة غير مكتملة. تتجاوز فيها واشنطن ديكتاتورية النظام ومحاولات توريثه الى خطوة مطمئنة للعرب المعتدلين مع جرعة دعم سياسي لدور مصر الاقليمي المتراجع. في مقابل استقبال نتنياهو في مصر والتفاهم معه على حدود دنيا قبيل سفره الى واشنطن. اما عن المآل الابعد للصفقة فيتمثل بما صرح به ملك الاردن لصحيفة التايمز الاثنين الماضي حول اعتراف 57 دولة مسلمة باسرائيل لقاء سلام دونه حرب اسرائيلية جديدة. وفي حال نجاح الصفقة فان ايران تصبح النعجة الضالة في العالم الاسلامي بحيث يسهل تطويعها اميركياً وإسرائيلياً. فتطبيع علاقات العالم الاسلامي مع اسرائيل يعطيها فرص التوسط لإيران لدى المسلمين!؟.

 

                                                                                                                                  د. محمد احمد النابلسي

                                                                                                                                  رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية