دعـوات اميركية لمحاكمة بوش

منذ هجوم 11 ايلول/ سبتمبر على أميركا ، ظهرت أصوات قليلة جداً وسط الكتاب والمثقفين الأميركيين تنتقد مباشرة السياسة الخارجية الأميركية وتراها مسؤولة عن الأعمال المعادية لأميركا.

أول من تجرأ ونشر كتابا، كان الكاتب والأستاذ الجامعي التقدمي نعوم شومسكي، الذي أصدر "الحادي عشر من سبتمبر " وهو، في الحقيقة، كتيب، كما أنه مجموعة مقالات نشرت أو أذيعت. لكن هذا لا يقلل من شجاعة الآاراء المنشورة فيه.

بعد تشومسكي صدر العام 2003 كتاب، " حرب أبدية لسلام أبدي - كيف أصبحنا مكروهين ". ومؤلفه هو المفكر الليبيرالي غور فيدال. وهو كتاب كتب على عجل، وهو يضم مجموعة نصوص سبق نشرها في صحف فرنسية أو إيطالية.

وبعد التحذيرات التي اطلقها غور فيدال في هذا الكتاب يجد القاريء أحقية هذه التحذيرات وعقلانيتها وموضوعيتها. وعليه فان المؤلف يعتبر ان الرئيس باراك اوباما "متساهل جدا" مع المعارضة الجمهورية، داعيا اياه الى دعم "محاكمة علنية للتجاوزات" التي ارتكبتها ادارة الرئيس السابق جورج بوش، وذلك في مقابلة مع صحيفة "لا ستامبا" الايطالية نشرت السبت الماضي.

وقال فيدال ان "اوباما يريد ان يكون رئيسا فوق الاحزاب، لكن هذا الامر يكلف الشعب الاميركي ثمنا باهظا"، مضيفا ان "مشكلته" تكمن في انه يريد "ان يكون صديقا للجميع بحيث لا يكون له اي خصوم".

وتابع "اوبام محام، وعليه ان يعلم انه حين يتم انتهاك الدستور فينبغي الدفاع عنه وتأكيده"، معتبرا ان عليه "ان يؤيد بقوة من يسعون في الكونغرس الى (اجراء) محاكمة علنية لتجاوزات ادارة بوش".

وقال ايضا "الواجب الاول للرئيس ليس ان يكون شعبيا بل ان يدافع عن الدستور (الذي وضعه) الاباء المؤسسون"، مشددا على ان "من واجب (اوباما) ان يتحمل مسؤولية معاقبة من انتهكوا الدستور على غرار ما حصل ابان ولاية نيكسون".

واضطر الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون الى الاستقالة العام 1974 اثر فضيحة واترغيت.

وردا على سؤال حول الخطأ الاكبر الذي قد يشكل مأخذا على اوباما، اشار خصوصا الى "عمليات التعذيب التي قامت بها وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي آي ايه) والانتهاكات الدستورية".

ومن جهته يسعى نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني للإفراج عن ملفات تدعم حجته القائلة إن وسائل التحقيق الفظّّة التي استخدمتها وكالة الاستخبارات الاميركية (سي آي آيه) مع المشتبه بتورّطهم بأعمال إرهابية، كان لها ما يبرّرها بحجة أنها أنقذت حياة مواطنين أميركيين. ذلك ان الفاشية الجديدة تبرر ياقاع مئات آلاف القتلى وربما الملايين وتعذيب من يبقى منهم حياً إذا كان في ذلك انقاذ لحياة مواطنين اميركيين. حيث لم تتجاوز ضحايا 11 سبتمبر الثلاثة آلاف ضحية مقابل أكثر من مليون بريء قضوا انتقاما".

وها هي اميركا تثوب الى رشدها وتتحسب للمستقبل سواء لجهة الاقتصاد او الهيمنة أو لجهة تجميل الصورة القبيحة التي رسمها بوش وإدارته لأميركا والاميركيين. وهو ما يدفع ببعض الاميركيين لطرح محاكمة بوش كخطة إنقاذية للمستقبل الأميركي.

لكن اوباما وادارته يهتمون بإزالة علائم وآثار الكراهية التي خلفها بوش في قلوب الرأي العام العالمي. ويجهد اوباما لاخراج بلاده من هذا المستنقع من الكراهية.

وها هي زيارة وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون تكرس تقسيم العالم الى دول كارهة لاميركا يجب حوارها ودول محبة لاميركا ويجب احكام السيطرة عليها. ولبنان يصنف بأقل من ربع سكانه في الخانة الثانية بسبب السلطة الحاكمة في لبنان لغاية الانتخابات.

أما باقي اللبنانيين فهم سوف يتسببون بصدمة للسيدة كلينتون لانهم يعون كل الوعي آثار الأذى الاميركي اللاحق بهم وببلادهم بسبب السياسات الاميركية. ومن علائم هذا الأذى الاميركي:

1 – ان الدين اللبناني البالغ 50 مليار دولار كان نتيجة وعود السلام الاميركي الخادعة التي شجعت الاقتراض وأمنت له التغطية. ليتضح سراب ذلك السلام وتتحول الاستدانة الى فساد لخدمة الديون وصولاً لتكريس الفساد كضرورة للتعامل مع ازمة الدين. وتهديد رموزه بعدم المشاركة بالحكم اذا ما خسروا الانتخابات القادمة. مهددين ايضاً بازمة اقتصادية خانقة بسبب غيابهم عن الحكم. وكأن اللبنانيين تحولوا الى عبودية جديدة تجعلهم يعيشون من اجل خدمة هذه الديون وإيصال محبي اميركا الى الحكم.

2 – أن الإنسحاب السوري من لبنان تم نتيجة ضغوط اميركية ومثله دخول القوات السورية الى لبنان. وأن ديكور تظاهرات 14 آذار كان ضرورة لتقسيم لبنان على اسس وهمية الى 8 و14 آذار. بغية اتمام السيطرة الاميركية عليه عبر فريق منقاد تماماً لسفارة فيلتمان.

3 – ان واشنطن لا تزال تمانع في المشاركة باعطاء ما لديها من معلومات حول اغتيال الحريري. وحجب المعلومات هذا وضع لبنان على حافة صراع اهلي منذ الاغتيال وحتى قبل فترة قريبة.

4 – ان التدخل الاميركي في الشؤون اللبنانية تخطى الوقاحة الى إستعمار جديد يستشعره قسم من اللبنانيين وعلى السيدة كلينتون ان تخشاه اذا كانت تريد تجميل صورة بلادها.

5 – ان محاكمة بوش تقتضي محاكمة شبيهة لمحاكمة هتلر ويهمنا في لبنان محاكمة السفير فيلتمان بدل ايفاده خبيراً في شؤون المنطقة. فقد أساء هذا الرجل لكرامة اللبنانيين إساءة مولدة للكراهية.

لكننا وقبل ان نطلب مثل هذه المحاكمات علينا ان نلتفت الى الداخل واذا كان الفساد ضارباً واذا كنا لم نعتاد الحصول على حقوقنا من خلال القانون فأقله ان نطالب بالحدود الدنيا من تلك الحقوق.

ولتكن الانتخابات القادمة محاكمة لأزلام فيلتمان ورايس والسفارة الاميركية. مع رجاء التنبه من الكذب الاميركي المعتاد ومن وعود كلينتون حول الحل على حساب لبنان. اذ علينا التأكد ان اميركا لن تتأخر لحظة لتسليم رقابنا الى أية جهة كانت اذا وجدت مصلحة اميركية في ذلك. وفي حال صدق كلينتون فان هذه الجهة قد تكون ايران بدل سوريا.

                                                                                                                                د محمد احمد النابلسي
                                                                                                                               رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية