دراكولا ونهاية خزان الدمـاء

بدعم الخوف من الجبار الاميركي المفترس القادم الى العالم بعد نصره في الحرب الباردة والقادم الى منطقتنا بعد حرب الصدمة والترويع وشرب دماء العراقيين ونفطهم بعضهم صدّق بسذاجة أن الديمقراطية على الطريقة الأمريكية هي المنجاة من مجازر أخرى والطريق الوحيد الموصل الى حب الحياة وإنقاذ لبنان تحديداً لأن لبنان غبر شكل برأي بعضهم. وإقتنع هذا البعض بأن العالم لا يمكن أن يستمر من دون ديمقراطية بوش لأنها تعني الحرية والرفاهية والعدالة وسيادة القانون، وتحمل معها اللبن والعسل وكل ما يشتهيه الإنسان ويتوق إليه.

هؤلاء الذين صدّقوا نزلوا إلى الشوارع رافعين صور القرنفل والورد ..... والأرز كرمز للتغيير والمستقبل الواعد، وأسقطوا أنظمة لتحل بدلاً منها أنظمة أخرى.

ودار الزمان دورته، لتنكشف الحقيقة. فالديمقراطية الأمريكية الموعودة كانت مجرد لافتة لهيمنة الرأسمالية المتوحشة، ومجموعات من المافيات وعصابات الفساد التي تعمم الفقر وتسرق قوت الناس وتحرمهم من أبسط الاحتياجات الإنسانية. انه دراكولا الذي فقد خزان الدماء التي يمتصها.

لهذا فإن ما يجري في جورجيا من مظاهرات تطالب الرئيس بالاستقالة، هو نتاج طبيعي ومتوقع لإفلاس الديمقراطية الأمريكية المستوردة والليبرالية المطلقة والرأسمالية المتوحشة التي عرقلت نمو هذا البلد، وأطاحت بآمال وطموحات الجماهير التي صدّقت أكذوبة الديمقراطية، فمشت خلفها من دون أن تدرك ما تحملها في ثناياها من مخاطر على لقمة العيش وحبة الدواء ومختلف القضايا المرتبطة بالحياة المعيشية اليومية.

لقد سبقنا الجورجيون في الخوف من الجبروت الاميركي وفي تصديق ديمقراطيتهم كما سبقونا في ثوراتهم المفخخة بمخابرات بوش وعبيده. لذلك فمن الطبيعي ان يسبقونا في الإستيقاظ من هذه الأوهام وفي التخلص من ثوراتهم سيئة الذكر.

المفارقة ان واشنطن بدت راضية عن كل انظمة المنطقة العربية ولم تعتني سوى بالعراق الذي انتهكته في ظل صمت عربي مخزي وفلسطين حيث اغتيل ياسر عرفات وسط تجاهل عربي مؤذي ولبنان حيث تطاول كل الصغار على كل الكبار بدعم عربي مشبوه.

وهذا الاسبوع قالت صحيفة "القدس العربي" إن أشرف الكردي الطبيب الخاص للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات شكك في جدوى المهمة الموكلة إلى اللجنة الخاصة بالتحقيق في أسباب وفاة عرفات والتي أعلنت مؤخراً أنها ستباشر عملها في القريب العاجل. ونقلت الصحيفة عن الكردي قوله إن "تشريح جثة عرفات بعد خمس سنوات من وفاته لن يكون على شيء من الأهمية،" مشيرا إلى أن "رجالات السلطة الوطنية رفضوا تشريح الجثة وقت وفاة عرفات، وعندما سئل عن السبب وراء عدم التصريح بالتشريح آنذاك، أجاب قائلاً: اسألوا أبو مازن؟ّ!". وتابعت الصحيفة "وكرر: اسألوا أبو مازن؟ مرة أخرى في معرض رده على السبب وراء عدم إجراء التحقيق وقت الوفاة، ولكنه أعرب عن قناعته بأن إسرائيل وراء وفاة عرفات بالسم بل وأكد أن عرفات نفسه أعرب عن شكوكه في احتمال تعرضه للاغتيال بالسم إلا أن الإجراءات الاحتياطية التي تم اتخاذها لم تكن كافية.

هذا الأسبوع ايضاً شنت حكومة المالكي حربها على قوات الصحوة وهم من العرب السنة ممن تأخروا في الانخراط لخدمة الأميركي واصدقاءه. وقد آن اوان التخلص منهم حتى بدون دفع مكافآت نهاية الخدمة.

اما في لبنان فقد دفعت هذا الاسبوع مكافآت نهاية الخدمة ولعل أعلاها مكافأة السنيورة بتأميله مقعداً نيابياً في صيدا على حساب أسامة سعد. والأخير لا يحتاج لمقعد نيابي ليقيه او يتستر به أو يحول بينه وبين المحاكمة. فهذا الرجل الرجل هو النائب السني الوحيد الذي وقف يقول "عفواً رشيد كرامي" يوم اطلق برلمان الموظفين سراح المجرم سمير جعجع. ولعلكم تذكرون آراء بقية المنوبين السنة حول براءة المجرم.

                                                                                                                                  د محمد احمد النابلسي
                                                                                                                                 رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية