عثرات أوباما وأخطـاء بوش

احتفل الرئيس الأميركي باراك أوباما مؤخراً بمرور 50 يوماً على تسلمه سدة الحكم في البيت الأبيض كأول رئيسٍ أسود في تاريخ الولايات المتحدة، وهو الحدث الذي أثار العالم من محيطه إلى محيطه وهز مشاعر الكثير من مواطنيه. إلا أن العثرات الأولى لأوباما جاءته من حيث لا يحتسب. فلم تأت العثرات من الملفات الكبرى المطروحة التي بقيت فيحال مراوحة بل جاءته من السودان وكوريا والصين.

عثرات أوباما تذكر بعثرات بدايات بوش وهو تشابه يبعث على التشاؤم. فحادثة السفينة الصينية الاسبوع الماضي تشبه حادثة الطائرة الاميركية التي احتجزتها الصين بعد الفترة نفسها من حكم بوش. وموقف كوريا الشمالية من المناورات يستغل الوضع الاميركي الحرج بما يذكر بالموقف الياباني إثر حادثة سفينة الصيد مطلع عهد بوش. اما مذكرة اعتقال البشير فتأتي امتحاناً لإستمرارية سطوة السياسة الاميركية على المؤسسات الدولية. بما يذكر بتراجع بوش فور انتخابه عن تعهداته لهذه المؤسسات مع بقائها تحت السيطرة.

الى هذه العثرات تضاف اخطاء تكتيكية لعل أهمها إعتماد أوباما قرار مواصلة قصف المدنيين في افغانستان وباكستان استناداً الى معلومات استخبارية زائفة باعتراف اميركي. وهو ما يضاعف فضيحة كتاب "إرث من الرماد" للكاتب الاميركي المتخصص في شؤون المخابرات تيم وينر. والكتاب يؤكد ضحالة وكالة الاستخبارات الاميركية ولجوءها لتغيير النتائج لإصلاح أخطائها. ليخلص الكاتب الى ان أوباما يرث مخابرات من رماد. وهو ما يعني ان أوباما سيكرر أخطاء بوش ان هو وثق بمعلومات مخابراته.

ومع رحيل بوش يتفنن كثيرون بمباديء الحكمة الرجعية في تفنيد أخطاء بوش بمن في ذلك كتاب اللوبي الصهيوني. وكان الحضور العربي ضرورياً في هذا المجال كوننا الأمة الأكثر تضرراً من سياسات بوش وذلك على اختلاف انواعنا وقطعاننا السياسية. وكالعادة فان الحضور العربي لم يكن مؤسساتياً ومخططاً بل جاء كالعادة فردياً حيث تصدى المؤرخ الكبير رشيد الخالدي ،وهو بالمناسبة أستاذ الراحل أدوارد سعيد، للموضوع في كتابه الجديد " بعث الإمبراطورية" حيث يسرد الخالدي قائمة الأسئلة المطروحة حول فشل بوش ليخلص الى كونها موازية للحقيقة وليست في صلبها. ومن هذه الأسئلة يكرر الخالدي التالية منها: لماذا تدهورت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط الى هذا الحد؟ هل السبب هو عدم كفاءة الإدارة السابقة أو فشلها في تأمين الدعم والشرعية الدوليين الكافيين قبل التوجه الى الحرب؟ أم بسبب فشلها في وضع الخطط لحقبة ما بعد الحرب في إطار ما يعرف ببناء الأمة؟ أم لأنها لم توفر ما يكفي من القوات العسكرية لضمان الأمن؟ أم أن السبب يكمن في أن هذا المشروع كان محكوماً عليه أصلاً بالفشل من البداية بسبب المضاعفات الحتمية لخطة سيئة التحضير؟.

الخالدي من جهته يرفض كل الفرضيات الكامنة وراء هذه الاسئلة ليشير الى ان المسألة الحاسمة هي ما إذا كانت الولايات المتحدة بقيامها بغزو واحتلال وفرض نظام جديد على العراق تحذو حذو القوى الاستعمارية القديمة. لا بل أسوأ: هي ربما تفعل ذلك في منطقة لا تزال ذاكرتها الحية تختزن صور النضالات الطويلة لطرد تلك القوى الاستعمارية المكروهة. فحتى الجيل العربي الجديد لا يزال واعياً بقوة لما تمت خسارته للاحتلال الأجنبي قبل سنوات طويلة.

المفكر الخالدي لا يقدم بهذا مجرد وجهة نظر وانما يصور واقعاً أمسى واضحاً جلياً بالنسبة للغرب وبخاصة بالنسبة للأميركيين ولأوباما نفسه. لكن اعتماد هذه الرؤية يقتضي نظرة ايجابية نسبياً الى القومية العربية وهي نظرة تخلى عنها كثير من العرب عداك عن كونها خطراً على رئيس الداعم الرئيسي للدولة العدوة لهذه القومية. لذلك نقدر تجاهل أوباما لهذه الرؤية. وعليه نعود الى تعداد ثغرات مشروع بوش في المنطقة عموماً وعدوانيته للعرب والمسلمين خصوصاً. وأهم هذه الثغرات التالية:

1 – الإعتماد على نصائح اسرائيلية لكون اسرائيل على تماس مع المنطقة. وللموضوعية يتم اللجوء الى اللوبي اللبناني الصهيوني بشخوص وليد فارس وجو بعيني وأمثالهم ممن يكنون مشاعر كراهية حاقدة ضد العرب والمسلمين. وليس أدل على ذلك من قول بوش الاب بعد حديث عن العرب مع احد اعضاء هذا اللوبي المدعو فؤاد عجمي. حيث خرج بوش صائحاً هذا الرجل اكثر كرهاً للعرب من الاسرائيليين!؟.

2 – الإعتقاد الخاطيء بعالمية القيم الاميركية خاصة في الشرق المسلم صاحب التراث والنصوص. مما يجعله عصياً على الديمقراطية الأميركية التي يمر نشرها بشن حروب تصل ضحاياها الى مئات الآلاف لتبقى الديمقراطية الموعودة من نصيب الناجين من هذه الحروب. حيث من الطبيعي ان يتحول الناجون من الكارثة الى مقاتلين أو الى مشاعر الذنب او الى متشبهين بالمعتدي. والانواع الثلاثة لا علاقة لها بالقيم الاميركية وديمقراطيتها. وها هو العراق يبرهن ذلك عملياً.

3 –  تجاهل الخصوصيات الحضارية: حيث توجد مسافة خفية بين الحرية وبين الكرامة. وحيث شعوب المنطقة تفضل الكرامة على الحرية لوكانت خياراً. وذلك بدليل المقاومة العراقية الشرسة في وجه الإحتلال. فالنظام الشمولي يقمع حريات معاديه السياسيين لكنه يحتفظ للشعوب بكرامتها. وهو عكس ما يفعله المحتل إذ ينتهك كرامة الشعوب ويحاول تعويضها بقناع من الحرية الزائفة. فهل دفع الشعب العراقي مئات آلاف القتلى وأضعاف هذا العدد من المعوقين والجرحى كي يحصل على نعمة الإنتخابات؟. وهل تم تهديم البنى التحتية العراقية في البلد من أجل دعم الشركات الأميركية المفلسة؟. وهل تم نشر الفوضى في العراق لغاية خطر إندلاع صراع أهلي فيه من أجل دولة لا تشبه الدول وتتعثر اذا انسحب الاميركيون!؟.

4 –  تهديد التوازنات الإقليمية من خلال الإصرار الأميركي على إلغاء المؤسسات الإقليمية وإصابة القوى الأساسية بالشلل وتشجيع الصغار على تجاوز حدود فعاليتهم الإقليمية. وذلك وصولاً الى نشر الفوضى الإستراتيجية بغية إعادة تركيب المنطقة وفق التصورات الأميركية. وهنا يطرح السؤال حول مستقبل المنطقة وشعوبها بعد ثبوت إنعدام صلاحية التصورات الأميركية وعدم قابليتها للحباة في هذه المنطقة من العالم؟.

5- تجاهل التناقضانت الإقليمية: يحاول الأميركيون تطبيق مشروعهم في منطقة عابقة بالتراث وبالتالي بتاريخ من الأحقاد البينية. بحيث يصبح من الحماقة التفكير في جمع هذه الأحقاد التاريخية في تصور موحد. فالتاريخ لم ينتهي وهو لم يأتي بالمصادفة. إذ تتوزع دول وشعوب المنطقة وفق نسيج حضاري يضم ملامح التاريخ المشترك لكنه يحتوي أيضاً على تاريخ الخلافات بين المكونات الحضارية للمنطقة.

6-   أن أميركا إنتصرت في حرب باردة طالت الجوانب الثقافية والإيديولوجية والإقتصادية دون أن تكون عسكرية بحال من الأحوال. ولو قبل الإتحاد السوفياتي التحول الى فاشية شبيهة لكانت لديه قوة عسكرية كافية للإستمرار وإن كانت غير كافية للنصر. وعليه فقد كان من الخطورة بمكان أن تبدأ الحروب العسكرية الأميركية بعد الإنتصار الفكري النظري الخالص.

7-   تناقض المنطلقات السياسية الأميركية الراهنة مع جملة ثوابت إستراتيجية أميركية سابقة. حتى يمكن القول بوجود إنقلاب على هذه الثوابت يقوم به صقور إدارة بوش. ولعل في مقدمة هذه الثوابت الرفض الأميركي لخوض الحروب مفتوحة النهايات. فلا حرب أفغانستان إنتهت ولا الحرب العراقية تنبيء بنهاية قريبة. وقرارات أوباما لا تزال نظرية في الحالتين.

8 - أن العسكريتاريا والفاشية التي اعتمدها بوش تحتاج الى مساندة شعوب مستعدة للتضحية بأبنائها ورخائها. وهي تضحيات يستحيل طلبها من الشعب الاميركي مهما بلغت درجة تخويفه من الارهاب ومن الاسلام أو من غيرهما. خاصة وإن سوابق القوة الأميركية لا تدعم بحال هذه الفاشية. فقد فشلت هذه القوة في كوريا وفيتنام وغيرهما. وهي حملت وزر قنبلتين نوويتين في اليابان بثمن تحريك المارد الصيني. كما أن معارضة الأمركة المتحولة الى الفاشية هي معارضة عالمية. بدليل إضطرار بوش لخوض حرب العراق بدون موافقة مجلس الأمن الدولي وحتى حلف الأطلسي. كما بدليل تخلي دول التحالف عن المعركة في افغانستان.

9- تحول الفكر السياسي الأميركي من الليبرالية والواقعية المطلقة الى مبدأ الكرامة الصوفية. ومحور الصوفية البوشية الإعتقاد بحتمية النصر الأميركي مهما كانت الظروف. ومن مظاهر هذه الصوفية طروحات النهايات: التاريخ والإيديولوجيا والأنثروبولوجيا وغيرها من النهايات. وهذه الصوفية السياسية كانت محرك الحرب على العراق. وهي حرب إحتاجت الى التفاؤل الصوفي المتطرف لخوضها.

وبعد مراجعة هذه الأخطاء البوشية لا بد من التوقف عند واقع إن المراجعة التاريخية لمحاولات تغيير الجغرافيا غير مشجعة. فالعديد من حروب القرن العشرين إنطلقت من ظلم معاهدة فرساي. بما في ذلك الحرب العالمية الثانية والحروب العربية الإسرائيلية...الخ. وعليه فان اصلاح كوارث بوش يجب ان يمر بوقف كل مشاريع تغيير خريطة المنطقة المطروحة من قبل المحافظين الجدد وعدم العبث بجغرافيتها.

                                                                                                                                د محمد احمد النابلسي
                                                                                                                                رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية