أوباما وتركة بوش الثقيلة..

بعد مرور ستة أسابيع فقط من ممارسة مهام واحدة من أصعب الوظائف في العالم ، بدأت بعض الخصلات الرمادية تظهر في شعر الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما، الذي يبدو أنه وجد أن إرث سلفه بوش أثقل من أن يحتمل.

في التذكير بالميراث الاميركي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي نذكر انه وتحت شعار النظام العالمي الجديد ترجمت الولايات المتحدة تفردها كقطب أوحد بإصطناع حرب العراق الأولى أو الخليج الثانية. بما يذكرنا بإصطناعها لقائمة من الحروب السابقة ومنها الحرب الكورية في الخمسينيات. مع فارق الغياب الراهن للاتحاد السوفياتي، بعد سقوطه، مما أتاح للولايات المتحدة جني ثمار حروب ما بعد سقوط الشيوعية دون منازع. وبعده طرح الاميركيون مصطلح العولمة بدلالته الاقتصادية (عولمة إقتصاد السوق الأميركية) بدعم نموذج "النمور الآسيوية" كمثال على الأرباح التي تجنيها الدول النامية إن هي إنخرطت في نظام السوق. وهكذا هرولت دول عديدة نحو العولمة لتكتشف لاحقاً عبثية هذه العولمة والخسارة الناجمة عنها ولكن بعد فوات الأوان. ثم جاءت حجة الدفاع عن القيم الغربية المتجلية في حرب كوسوفو. حيث لم تكن إعتراضات ميلوسوفيتش على شروط السلام الأميركية سوى إعتراضات شكلية. لكن الوسيط أميركي ترجمها رفضاً. بما يعكس نية أميركية مبيتة لإصطناع حرب جديدة. لكن قيادة كلينتون لتلك الحرب كانت أقل صلفاً وتحدياً للمشاعر من سابقه بوش الأب. فقد خاض كلينتون تلك الحرب بدون استخدام اسلحة استراتيجية ليكتفي بصواريخ التوما هوك. وليخرج من تلك الحرب بفائض في الميزانية الأميركية يبلغ115 مليار دولار. وهو أضاف اليها مكسباً إستراتيجياً من الدرجة الأولى وهو مكسب تعديل استراتيجية الحلف الأطلسي. وهو تعديل حول الحلف من الدفاع الى حق التدخل في المناطق التي توجد فيها مصالح لدول الحلف أي أن نفوذه إمتد الى خارج دوله. هذا التعديل الذي انتزع من الامم المتحدة دور تقرير السماح او عدمه بالتدخلات العسكرية في مناطق محددة في العالم (حددتها اتفاقية التعديل وضمت الشرق الأوسط وشمال افريقيا والقوقاز). بحيث باتت الولايات المتحدة طليقة اليد في تلك المناطق بمجرد اعلانها عن وجود مصالح لها فيها. وابتلع الاوروبيون الطعم بفضل دبلوماسية كلينتون ومرونته. حيث منحهم ضمناً حق التدخل في شمال افريقيا وهي منطقة شديدة الحساسية بالنسبة لأوروبا. إضافة الى ربط التدخل الاميركي بموافقة أطلسية.

وهنا تبدأ إساءة استخدام ووكر بوش لهذا التعديل الاستراتيجي، بذريعة 11 أيلول / الحرب على الإرهاب، فتجاوز الامم المتحدة ودول حلف الأطلسي ليشن حربه العراقية غير آبه بكل المعارضات العالمية لتلك الحرب. بما إعتبر إعلاناً صريحاً عن إطلاق مشروع أمركة العالم. حيث تتقدم المصالح الأميركية على كل الإعتبارات. من الامم المتحدة الى الحلف الأطلسي مروراً بالرأي العام العالمي والتكتلات الإقليمية وحتى أصدقاء أميركا السابقين.

لقد أظهرت اميركا بوش جملة إنفجارات هوسية وزعت عدوانيتها في جميع الإتجاهات مطلقة شعار الأمركة. بدلالة الأفضلية العالمية لخدمة المصالح الأميركية على أي إعتبار آخر. حيث مورست العدوانية الأميركية على الأصدقاء مثل فرنسا والمانيا واسبانيا والبرتغال وبريطانيا الحليفة وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي. إضافة للأصدقاء العرب المزمنين مثل السعودية والى روسيا وغيرها. حتى أمكن القول بأن بوش أفقد أميركا أصدقاءها؟!.

الأمركة بهذا المعنى هي فعل إعتداء ناجز ومخالفة صريحة للشرعية الدولية وللأحلاف. وهي بالتالي جريمة فمن هو المستفيد من هذه الجريمة؟. المواطن الأميركي إكتشف فجأة أنه غير آمن (بمناسبة11 أيلول وعقابيله). وهو يعيش أزمة إقتصادية تهدد مدخراته ورخائه وتعويضات تقاعده وتهديدات عجز في ميزانية بلاده بلغ حدود الـ455 مليار دولار. وبالتالي فإن هذا المواطن غير مستفيد!؟. فمن هو المستفيد إذاً؟.

إنها الشركات الأميركية الكبرى المفلسة منذ نهاية التسعينيات. والتي تحتال منذ ذلك التاريخ على مستثمريها لغاية فضائح إفلاسها عقب زلزال البورصات المصاحب لحوادث11 أيلول. حيث لم يعد من الممكن التكتم على هذه الإفلاسات فتم إعلانها بصورة تدريجية مدروسة. وأصبح إنقاذها وإنقاذ السوق الأميركية يقتضي جولات من السطو على ثروات الآخرين. وكان النفط العراقي، والعربي بعده، أسهل عمليات السطو وأسرعها فكانت الحرب العراقية. وهي غير كافية لإنقاذ السوق بما يستدعي إتباعها بجملة عمليات سطو لاحقة في المنطقة (قد لا تكون عسكرية بالضرورة). ومن هنا توزيع التهديدات الأميركية على دول المنطقة بدون إستثناء.

أمام هذا الطابع الجرمي للأمركة حق لنا التساؤل عن سبل مواجهة هذه الأمركة. وهو تساؤل يستند الى مقولة صينية تعود الى زمن حرب الأفيون. وهي تقول: " :"... نعلم أنكم أيها البرابرة الإنكليز قد حملتم معكم وطورتم عادات وطباع الذئاب واستوليتم على الأمور بالقوة. وفي ما عدا سفنكم القاسية ونيران بنادقكم الوحشية وصواريخكم القوية، ما هي قدراتكم؟".

وهي مقولة تستأهل الوقوف عندها بمناسبة الهياج الهوسي الأميركي البوشي. وهي مقولة ترددها بشكل أو بآخر الشعوب المتصررة من الأمركة ومعها فصائل المعارضة العراقية وقسم لابأس به من المنظمات المصنفة إرهابية من قبل أميركا!؟.

من جهته يريد أوباما الاحتفاظ بمكاسب البوشية والخلاص من النقمة عليها وعلى اميركا. وفي هذا الجمع صعوبات بدأت تواجه الرئيس الجديد. فاعضاء الاطلسي لن يقبلوا باستمرار استراتيجية الحلف المعدلة عام 1999 خوفاً من مجيء بوش آخر يأخذهم الى عراق آخر. والانسحاب الشكلي من العراق لن يوقف المقاومة ولن تكون العودة اليه لجني مكاسبه بالسهولة المتصورة اميركياً. اما أفغانستان فان الخلاص منها يضع اوباما امام خيارين فاما اعادتها لحكم طالبان وخسارة السمعة الاميركية واما الاستنجاد بدول الجوار الافغاني من ايران الى روسيا مروراً بالهند والصين.

وإذا ما أضفنا الازمة الاقتصادية الاميركية امكننا التاكيد ان لا شيء يمكن اعتباره مؤشراً على سياسات أوباما الجديدة ،وبالتالي توجهات الخارجية الاميركية، قبل اجتماع قمة حلف الاطلسي في ابريل القادم. وقبل ذلك لا تصدقوا كل ما يحكى أو يقال عن توجهات اوباما. فاستراتيجية الاطلسي الجديدة هي التي ستحدد التوجهات العملية للإدارة الجديدة.

ورغم ان الفترة الفاصلة لا تتجاوز الشهر فان علينا استحضار واقعة كون شركاء اميركا في الاطلسي من الدول الاستعمارية السابقة. واذا كانت الاوضاع العالمية الراهنة لا تشجع على الحروب الكبرى فان امكانية زرع العالم بمجموعة من الحروب الصغيرة بديلة لحروب بوش الكبيرة.

                                                                                                                                     د محمد احمد النابلسي
                                                                                                                                    رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية